ثقافة

“ذا فويس كيدز”: الطفل العربي وفقاعة النجومية…أي تأثير؟

ثقافة

 

تخضع برامج صناعة المواهب الفنية في العالم العربي إلى قواعد السوق وثنائية العرض والطلب، تحقق من خلالها الشركات أرباحا طائلة عن طريق المستشهرين وأشكال التصويت المختلفة. إلاّ أنها تشكل خطرا على الشباب المقبل عليها لآثارها النفسية والاجتماعية العميقة، سواء في حال نجاحه أو فشله.

وتتزايد هذا الأضرار عند الأطفال أكثر من غيرهم بسبب تكوينهم الهش وعدم قدرتهم على تقبل النتائج أو التحكم في خياراتهم.

ويعدّ برنامج “ذا فويس كيدز”، أحد أبرز هذه البرامج التي تستثمر في الأطفال باعتبارهم طاقة فنية عظيمة، تزول بانتهاء فترة البرنامج، في انتظار صناعة نسخ أخرى من نفس النوع بوجوه جديدة.

 

 

ويعتبر العديد من المختصين في مجالي علم النفس والاجتماع، أن المسألة تتجاوز الشهرة الزائفة إلى ما بعد انتهاء البرنامج والقدرة على التأقلم مع الواقع.

 

الطفل العربي بين التحقير والتكسّب

أصبح الطفل العربي اليوم عنصرا أساسي في الحركة التجارية لأصحاب الشركات الضخمة التي تخضعه لعقود مجحفة بموافقة الأسرة.

وقد أكد محمد الحاج سالم، المختص في علم الاجتماع، أن هذه البرامج ظاهرة رمزية بالأساس، تدفع للتساؤل حول أخلاقيات الإعلام والإشهار الذي يمنع استخدام الأطفال إلا بشروط دقيقة.

وقال في تصريح لمجلة “ميم”، إنّ منطق الاستهلاك الرأسمالي ينتفي مع الأخلاق، حيث يتم تمرير صورة أطفال موهوبين تقتصر على الغناء دون غيرها من مجالات الإبداع الأخرى”.

 

 

يقوم هذا الجانب الاستهلاكي، حسب الحاج سالم، بخلق حاجة لدى شريحة هشة للاعتراف بمواهبهم وبناء صورة مأمولة لهذا الطفل الذي نريد أن يكون والذي يتماشى مع مقتضيات السوق، بطريقة استعراضية.

وقد أضحى الغناء، اليوم، مدخلا للشهرة وكسب المال، حيث تدفع العائلات بأطفالها نحوه دون وعي بالخطورة المزدوجة التي تشكلها هذه البرامج على المتلقي والمفعول به أي الطفل الموظف لأداء هذا الدور.

وحسب المختص في علم الاجتماع، يؤدي هذ الخيار إلى تضخم الأنا لدى الطفل وتعاظم الغرور باعتباره تجاوز مراحلا يمر بها الأطفال والحال أن شخصيته لم تتقدم بعد.

وأيا كانت نتيجة مشاركته فهي سلبية وفق الحاج سالم، لأن نجاحه في البرنامج سيقضي على طفولته بتحديد مسار معين قد يكون غير راغب فيه، وفي صورة فشله سيترك ذلك جرحا عميقا، باعتباره فشل في تحقيق ما كان الجميع يطلبه، لتتجزأ إرادته في محاولة بناء شخصيته.

 

أضحى الغناء، اليوم، مدخلا للشهرة وكسب المال، حيث تدفع العائلات بأطفالها نحوه دون وعي بالخطورة المزدوجة التي تشكلها هذه البرامج على المتلقي والمفعول به أي الطفل الموظف لأداء هذا الدور.

 

أما آثارها على الطفل المتلقي فتتمثل في اعتبار المشارك الصغير نموذجا لا بدّ من محاكاته ومقارنة ملكاته، ثم يجعل من نفسه في درجة أدنى، مما يوّلد شعورا بالغبن والدونية، خاصة إذا لم تسمح إمكانياته بذلك.

ومن جهة أخرى فهي تزرع في الطفل المتلقي ثقافة الشهرة، دون أي جهد أو فكرة وتربية وتعليم راق يقوم على تلقي المعارف، وبأن يصبح في صدارة المجتمع لأن شركة إعلامية عملت على ذلك.

أما المتلقي البالغ فسيقوم بمقارنة بين ابنه أو أحد أطفال الأسرة والنموذج الموهوب، وسيسعى أن يكون الطفل على ذلك المستوى، وإذا كانت إمكانياته ضعيفة وغير قادر على مجاراته، حسب الحاج سالم، فنحن أمام مقارنة ظالمة، يكون الخطر فيها مضاعفا، إما بتحقير الطفل أو التكسّب منه.

 

“إذا تركنا الأطفال في يد المنتجين فإننا نرميهم في المجهول”

تتسبب برامج الهواة في تأثير نفسي كبير على الطفل، خاصة إذا لم توفر الأسرة الإحاطة الكافية ليتجاوزه، ويرى المختص النفسي عبد الباسط الفقيه، أن غياب التأطير اللازم من قبل مختلف الأطراف، سيتسبب في نتائج لا يمكن توقعها.

وأكد في حديثه مع “ميم”، أن شركات الإنتاج تبحث عن لفت انتباه الجمهور وتبدع في إيجاد الأفكار دون أن القيام بتأطيرهم، فيتحوّلون فجأة إلى نجوم يضيئون الساحة وينطفئون، بموجب الفاعل الاقتصادي.

وتابع “كل من لم تقع الإحاطة به سيقع عل الأرض ويضيع لا محالة. ودعا الأولياء إلى توفير قدر من الرعاية لأطفالهم حتى لا ينفلتوا”.

 

 

وعن مدى جدوى هذه البرامج يقول:” لا يمكن أن نعيبها، ولكننا ندعوها لاستكمال الإحاطة بالأطفال الذين تمّ اختيارهم من قبل الآلاف وتحولوا إلى الواجهة التي فصلتهم عن واقعهم.

وأضاف “لا يمكن أن ننكر تأثيرها على نمو الأطفال، لذلك لا بد من أن يتلقى الطفل تكوينا لغويا وفكريا وعاطفيا ومزاجيا يحميه من الهشاشة ويصبح من خلاله قادرا على التحكم في مزاجه. فإذا تركنا الأطفال في يد المنتجين فإننا نرميهم في المجهول.

وبين في ذات السياق أن بعضهم شق طريقا مختلفا، والبعض الآخر صدق نجوميته إلا أنه لا يمكن التنبؤ بموهبته تلك دون تعلم وإحاطة.

“التعويض العاطفي”

يحتاج الأطفال مع انتهاء التجربة إلى سند عاطفي عائلي لتجاوز مظاهر الشهرة المؤقتة والآثار النفسية باختلاف درجاتها من طفل لآخر.

وقد بين عبد الوهاب محجوب، المختص في علم النفس الاجتماعي أنه على الرغم من غياب دراسات قادرة على إثبات هذا التأثير لقلة عدد الأطفال الذين خاضوا التجربة والتجارب المتفرقة على مستوى العالم، فإن هذه البرامج قادرة على إحداث تأثير كبير عليهم.

وأوضح في تصريح لـ”ميم” أن شخصية الطفل هي التي تحدد طبيعة هذا التأثير، فمنهم من يستطيع الدفاع عن نفسه، والتأقلم مع التغيرات التي يمر بها خلال التجربة وبعدها، فيما تصاب فئة أخرى بالإحباط والمرارة والفشل.

 

 

وحمّل محجوب الأسرة مسؤولية التقليل من تأثير تجربة النجومية المفاجئة والسريعة، داعيا إلى تعويض عاطفي بعد انحسار  الأضواء وانقضاء التجربة.

كما شدّد على دور الأولياء في التقرب من الطفل أكثر من ذي قبل، باعتبار أن تجاوز المسألة متعلق بالحوار العائلي والنقاشات وفتح فضاء تعبيري للطفل حتى يعود للتأقلم مع محيطه وحياته العادية مجدّدا.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.