دين وحياة

المقاربة الفلسفية لقضية “القدس”

مدونات

 

عرفت قضية القدس مؤخرا اهتماما كبيرا من مختلف الفاعلين نظرا لمكانة القدس في مخيال الإنسان العربي والإسلامي، ولا نجد مقاربات معرفية قوية تقارب المسألة خلا المقاربة الدينية (من منظور مقارنة الأديان خصوصا) والمقاربة التاريخية والحقوقية، لكن غابت المقاربة الفلسفية، وفي هذا السياق، أسهم الدكتور طه عبد الرحمن في إضافة هذا البعد وذلك في آخر محاضراته التي نظمها “مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني” يوم السبت 27 يناير في موضوع: “الأسس الائتمانية للمرابطة المقدسية”.[1]

وقد نظّر طه عبد الرحمن للقضية من خلال مقاربته الفلسفية “الائتمانية”، ولا يمكن إدراك حقيقة المقاربة إلا بالاطلاع على ما كتبه الأستاذ في كتابيه “روح الدين” و “دين الحياء“، إذ انطلق في تفلسفه من الآيات القرآنية، واستند في ذلك إلى تعدد العوالم بين الغيب والشهادة وتنوع تركيبة تكوين الإنسان من جسد وروح، ومن هنا فلسفَ مفهوم الميثاق بين الله والإنسان في عالم الذر، ويجمع الميثاق بين الإشهاد والائتمان.

جميلة تلوت

وميثاق الائتمان؛ هو الذي حمل الإنسان بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها هذه أسماء الله الحسنى، ويتأسس منظوره هنا على آية الأمانة “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” [الأحزاب:72]

ونظرا لغياب “الأمانة” في الاجتماع الإنساني اليوم، يصف طه عبد الرحمن حالة الإنسان المعاصر اليوم ب حالة “الاختيان”؛ أي خيانة الأمانة، ويرى ضرورة إرجاعه إلى حالة “الائتمان”، عن طريق ما أسماه ب “الفقه الائتماني”[2].

ويتأسس مفهوم الائتمان عنده على مفهوم الإيداع –من الوديعة، بحيث يكون كل ما خلق الله جل جلاله، من أجل الإنسان هو عبارة عن ودائع أودعها إياه، يتملكها كيف يشاء، ويتحقق بها كيف يشاء، شريطة أن يصون حقوقها[3].

كما يقوم هذا الائتمان على مفهوم “الاتصال الروحي“، بحيث يجعل ظاهر الصلة بالإنسان يزدوج بباطن الصلة بالله، وهذا الاتصال هو الذي يمكنه من دفع الاستعباد الخفي،[4] فيمكن القول إن:

معادلة الائتمان = إيداع إلهي + اتصال روحي[5]

 

ومن هذا المنطلق قارب طه عبد الرحمن قضية القدس، مؤكدا أن العالم فقد خلق الحياء بحيث بات كل قوي فيه يصنع ما يشاء، فصار الإنسان عموما يلقى أشكالا من الأذى، ويلقى الإنسان الفلسطيني خصوصا ضروبا من الأذى سواء من القريب قبل البعيد، وعدّد خصوصية الإنسان الفلسطيني؛ إذ أرضه ملتقى العوالم، وإرثه ملتقى الأبعاد الزمني منها والسرمدي.

ومن هنا كانت المقاربة المختارة في النظر لموضوع القدس، مقاربة فلسفية ائتمانية تصل بين عوالم الشهادة والغيب، وتصل الأبعاد الزمنية بالسرمدية، وبيّن أن لكل شيء روحا وصورة؛

كما بين الدكتور صور الإيذاء الإسرائيلي وتتمثل في إيذاء الأرض المباركة، وإيذاء الإرث الفطري، وجلّى أن روح الإيذاء يتمثل في إيذاء الإله والإنسان.

ثم قال إنه لما كانت مسألة الإله والإنسان لا تعني الفلسطينيين لوحدهم وإنما تعني الناس كافة، لزم بذلك ألا يختص الإيذاء الإسرائيلي الفلسطينيين لوحدهم، بحيث يتوجب على غير الفلسطيني دفع الأذى الإسرائيلي.

وبيّن طه عبد الرحمن تجليات الإيذاء الإسرائيلي للإله والمتمثل في منازعته المالِكية الإلهية، على حدّ تعبيره، فالحق سبحانه هو المالك المطلق، إلا أن الإنسان الإسرائيلي أبى إلا أن يكون هو المالك، وركب كل الوسائل التي توصله لامتلاك الأرض المباركة؛ وإن هضم حقا أو تعدى قانونا أو نقض عهدا أو خالف وعدا، وسمى طه عبد الرحمن هذا الفعل ب “الإحلال“؛ والتعريف الإئتماني للإحلال كما ذكره هو: احتلال الأرض منازعة للمالِكية الإلهية، ولخص وسائل الإحلال في؛ الاستيلاء بالقوة على الأرض وعلى ما فوقها وما تحتها.

كما أكد الفيلسوف المغربي أن خصوصية الدولة التي أسسها “الإسرائيلي” لا تتجلى في الاشتراك في التدبير وإنما الاشتراك في التمليك، واعتبر المحاضر حقيقة الدولة الإسرائيلية النموذج الأمثل للطغيان.

وانتقل الأستاذ إلى تجلية الإيذاء الإسرائيلي للإنسان والمتمثل في إيذاء الفطرة المؤصلة التي يصنع بها تراثه، معرفا الفطرة بأنها الذاكرة التي تحفظ القيم والمعاني الأصلية في الإنسان منذ خلقه، وسمى إيذاء الفطرة ب “الحلول”، أي أن الإرادة الإسرائيلية تحلّ بذات الإنسان، ومعناه؛ احتلال الفطرة المؤصلة بتَقَبّل تدنيس الأرض المقدسة. والهدف من هذا الحلول إفساد فطرة الفلسطيني بما يجعله يتلقى بالقبول مفاسد احتلال أرضه اغتصابا وتهجيرا وتشريدا وتدميرا وتجريفا وتقطيعا.

 

المرابطة المقدسية مقاومة ائتمانية،  أي أن الأرض أمانة في ذمته وواجب  عليه حفظ قداستها، وذلك يستلزم حفظ القداسة لا التملك

د. طه عبد الرحمان

 

ومن نتائج هذا الإفساد الانتقال من القيم الفطرية إلى أضدادها، فيرى الإنسان الحق الذي معه باطلا والباطل الذي معه حقا، فأحدثوا فيه أنواعا ثلاثة من الإفساد؛

إفساد الذاكرة؛ فيصير الفلسطيني قادحا في سابق اعتقاداته وقيمه، فيؤدي ذلك باختلال علاقة الفلسطيني بالماضي.

إفساد تحقيق الذات؛ ويتجلى بجعل الفلسطيني يفقد من قدرته الذاتية على التغيير، فيؤدي ذلك إلى اختلال علاقة الفلسطيني بحاضره.

إفساد التوجه؛ ويتمثل في جعل الفلسطيني يضطرب في اختياراته وأولوياته، فيؤدي إلى اختلال علاقة الفلسطيني بمستقبله.

ومن الحلول أيضا، سلب الفطرة بالمرة، أي اجتثاثها واستئصالها، فيصير الحلولي إنسانا بلا فطرة قاطعا صلته بعالم الروح، وقد عرف هذا في الخطاب القانوني والسياسي المتداول باسم التطبيع، وهوتضييع ما لا يضيع من مزايا الذات الإنسانية

ومن الخصائص الحلولية للمطبعين المضيعين:

تضييع الطبيعة بالارتباط بالكيان الإسرائيلي بحيث يجعل وجوده في فلسطين مشروعا، وهذه المشروعية توجب لهذا الكيان أكثر مما يوجب لغيره من دول الجوار، وهذا الارتباط لا يصح أن نسميه التطبيع، مؤكدا طه عبد الرحمن، لأنه يتعلق بإضفاء المشروعية على كيان غير مشروع فهو “شرعنة”.

تضييع الروح باجتثات الفطرة وانتزاعها، وهو اجتثاث للروح، فالإسرائيلي حين يحل في ذات الإنسان العربي والفلسطيني فإنه يقضي عليه بموت الفطرة والحكمة.

تضييع القداسة، إذ يرى المطبّع أن الأرض المقدسة ليست بالقداسة المظنونة، فيستوي عنده الاحتلال الإسرائيلي للأمكنة المقدسة باحتلاله لغيرها، واقعا في نفس تدنيس المحتل. فيهون عليه احتلال البيت المقدس والكعبة وكل الأماكن المقدسة، لا فرق بينها وبين غيرها.

 

 خصوصية الإنسان الفلسطيني تكمن في أن أرضه ملتقى العوالم، وإرثه ملتقى الأبعاد الزمني منها والسرمدي

د. طه عبد الرحمان

 

تضييع الحياء، فمعلوم، كما قال طه عبد الرحمن، أنه لا خلق إلا وفيه قدر من الحياء قل أو كثر، لكن المطبع فقد الحياء، ويتجلى ذلك في النسيان الكلي للنظر الإلهي، ويفقد التمييز الأخلاقي بين ما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه.

ثم انتقل الفيلسوف المغربي للحديث عن سبل إزالة الإيذاء الإسرائيلي، قائلا: كيف ندفع الاحتلالين الإسرائيلين؛ احتلال الأرض واحتلال الفطرة؟

ثم أجاب قائلا إن دفع الإحلال يستلزم تطهير الأرض من الدنس وتجديد قداستها، وتطهير الفطرة وتجديد أصالتها، وهذا لا يقدر عليه إلا المقاومة التي تأخذ بالمبدأ الائتماني، وهو ما وسمه ب”المرابطة المقدسية”. وهي المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدسة لكي تتصدى لتدنيسها وتعيد إليها قداستها،  وتلازم ثغور الفطرة المؤصلة لكي تتصدى لتزييفها وتعيد إليها أصالتها، ومن ثمّ كانت المرابطة المقدسية فضاء معنويا أكثر منه مادي، لأنها مقاومة بالروح أساسا، والمقاومة الجسدية تبع لها.

فالمرابطة المقدسية مقاومة ائتمانية،  أي أن الأرض أمانة في ذمته وواجب  عليه حفظ قداستها، وذلك يستلزم حفظ القداسة لا التملك، ويميز الدكتور طه في هذه المقاومة بين مجموعة من المستويات:

تجريد الإسرائيلي من وصف المالك، فيعامل الإسرائيلي بنقيض نزعته التملكية، وألا يقابل طلب الكيان الإسرائيلي بالتملك بتملك مثله، وهذا ما وقعت فيه السلطة الفلسطينية ومفاوضتها التي استغرقت في الكلام لا المرابطة، على حدّ قوله.

الدولة الإسرائيلية النموذج الأمثل للطغيان

د. طه عبد الرحمان

ترسيخ ثقافة الائتمان، فيعمل المرابط المقدسي على إقامة ثقافة بديلة من ثقافة المِلكية التي تعالج بها القضية الفلسطينية؛ فالأرض المقدسة هي أمانة وملكيتها إنما هي تبع، ووجود احتلال الأرض يوجب تقديم اعتبار الأمانة على اعتبار الملك.

وانعطف المحاضر إلى دور المرابطة المقدسية في حفظ الفطرة، وإزالة زيفها عند المطبّع ومقاومة تجليات الإرادة التطبيعية للإسرائيلين وتزييفها للفطرة في سلوك الأفراد وتدبير الحكام، باستبدال الائتمان بالاختيان، أي الخيانة. سواء خيانة الإنسان لنفسه أو خيانته للمحكومين.

وختم الفيلسوف أن المقاربة الائتمانية توجب رد الإيذاء الإسرائيلي للفلسطيني إلى روح الإيذاء والمتمثل في إيذاء الإله والإنسان.

فهذه هي مجمل المقاربة الفلسفية للدكتور طه عبد الرحمن، وهي تثير تساؤلات شتى، لكن الأهم فيها أنها جعلت القدس موضوعا للتفكير الفلسفي والمعرفي. 

 

[1]
[2] – ينظر: دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، طه عبد الرحمن، ج1: أصول النظر الائتماني، بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط1، 2017.

[3] – روح الدين: من ضيق العَلمانية إلى سَعة الائتمانية، طه عبد الرحمن، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط1، 2012.ص474.

[4] – لمزيد من التفصيل ينظر: روح الدين، ص474 وما بعدها.

[5] – لمزيد من التفصيل ينظر: استعادة التفلسف: معالم المشروع الفكري لطه عبد الرحمن، جميلة تِلوت، منشور في: الدين والإنسان والعالم: قراءات في أفكار إسلامية معاصرة، كتاب جماعي، تحرير هبة رءوف عزت، دار مرايا، 2017.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد