الرئيسيثقافة

الكاتبة المصرية بسمة عبد العزيز: أكتب لتعرية ما يفعله القمع بالبشر

حوار مجلة ميم مع الكاتبة المصرية البارزة بسمة عبد العزيز

القاهرة- حوار منى علّام

ما بين القصة القصيرة والرواية والمقال والبحث العلمي تتنوع أعمال الكاتبة المصرية بسمة عبد العزيز، التي اختيرت من قبل مركز الأبحاث السويسري “Global Influence” ضمن الشخصيات العربية الأكثر تأثيرا في الرأي العام في 2017. نالت خلال مشوارها الأدبي والبحثي عددا من الجوائز منها جائزة ساويرس للأدباء الشبان لعام 2008 عن أول عمل أدبي منشور لها وهو مجموعة قصصية بعنوان “عشان ربنا يسهل”، وجائزة أحمد بهاء الدين البحثية عن دراستها “إغراء السلطة المطلقة – مسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ”.

روايتها الأولى صدرت عام 2012 بعنوان “الطابور”، وقد تُرجمت إلى الإنجليزية، لتحتل مكانا في قوائم الترشح لجوائز أجنبية مهمة، تحديدا في الولايات المتحدة وبريطانيا. مؤخرا صدر عملها الروائي الثاني “هُنا بَدَن” عن دار المحروسة، لتضيف بسمة عنوانا جديدا إلى قائمة أعمالها المتنوعة. وهي إلى جانب ذلك فنانة تشكيلية وطبيبة نفسية. معها كان هذا الحوار الذي تناول أعمالها وآراءها في الشأن الثقافي والسياسي.

 

  • فلنبدأ بروايتك “هُنَا بَدَن” الصادرة أخيرا مع انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب، هل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذا العمل؟

”هنا بدن“ هي روايتي الثانية بعد رواية ”الطابور“، وهي تحمل داخلها بعض بذور المشروع الرئيس الذي تدور حوله كثير من كتاباتي الأدبية والعلمية، وهو مشروع متعلق بالسلطة في أوجهها المتعددة. في الرواية ما يعكس فكرة تشكيل الوعي وتحويل مجموعات من الأفراد، صغار السن، إلى كائنات طيّعة، شديدة الاقتناع بما تساق إليه من مصائر، حتى لو كان مآلها المُعلن هو الاقتتال. أطرح كما هي عادتي أسئلة كثيرة، تتجاوز في الكم عدد الأجوبة التي أقدمها، وأترك بعضها مفتوحًا بما يعكس حالة اللا يقين التي نحياها في الفترة الراهنة، وبما يشير إلى سقوط المجتمع المتكرر في فخاخ التعمية والتزييف وخضوعه للاستقطاب العنيف.

في الرواية فريقان يرى كل منهما الآخر من زاوية ضيقة، هي الزاوية التي تسمح بها السلطة القائمة، وتصوغ مفرداتها وفقًا لأهدافها ومصالحها، وثمة توازيات ومقاربات أعقدها بين عالمين شديدي التباين ظاهرًا، قريبين حدَّ التماثل باطنًا، ثمة معارضون وثمة أولياء للنظام؛ وكلاهما يقع موقع الفاعل والضحية في الوقت ذاته. أما بالنسبة لعنوان الرواية فربما يبدو مبهما بعض الشيء لكن القارئ سيدرك أنه يرتبط بالأحداث بصورة مباشرة، سأكتفي بالقول إن “البدن” لغويا هو الجسم دون الرأس، والمقصود المعنى المجازي بالطبع فهي ليست رواية من روايات الرعب، وأترك للقرّاء مهمة الاستكشاف والتفكير.

 

  • وبمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، كيف ترين واقع التأليف والنشر في مصر حاليّا؟

أظن أن هناك حراكًا واضحًا في عملية التأليف والنشر من حيث الكم، فعدد الأعمال الأدبية التي تظهر بمناسبة معرض الكتاب وحده، عدد ضخم جدًا، حتى إن السؤال الذي يطرح بسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي يبحث عن فرد واحد لم يؤلف كتابًا بعد! أما عن نوعية الكتابات الأدبية وقيمتها فتلك نقرة أخرى، لكني لا أفضل التعليق عليها؛ إذ لا أحب أن أضع نفسي موضع النقاد فذاك مجال له متخصصون، وعلى كل حال، أعتقد أن الجيد والثمين من الأعمال يجد جمهوره ويصنع له موقعًا متميزًا ولو بعد حين، أما الرديء فقد يحرز نجاحًا وقتيًا، لكنه سرعان ما يزول وهناك نماذج كثيرة.

ما يجدر الإشارة إليه هنا، هو ضآلة إنتاجنا المعرفي والعلمي، فعدد الروايات والمجموعات القصصية يفوق أضعاف ما ننتج من دراسات علمية للأسف الشديد، والأمر يعود إلى عوامل كثيرة منها بالطبع الحال المزرية التي انحدرت إليها الجامعات المصرية، لكني أشير كذلك إلى صعوبة الحصول على المعلومات الموثقة التي تكفل للباحث والدارس إطارًا علميًا مقبولًا، غياب المعلومة وانعدام الشفافية في عديد المجالات والقيود المفروضة على البحث العلمي، كلها أمور تؤثر سلبًا في مجمل إنتاجنا المعرفي.

 

  • يحمل المعرض في دورته هذا العام شعار القوة الناعمة، هل تفقد مصر قوتها الناعمة في العالم العربي وتتراجع أمام دول أخرى باتت تتصدر المشهد الثقافي العربي ؟

نعم تفقدها باطّراد؛ فالقوة الناعمة تتخذ قوامها من المثقفين والمفكرين والفنانين على اختلاف مشاربهم، ونسبة كبيرة من هؤلاء تسخّر الآن قلمها وعقلها وإبداعها، لتقنين وجود السلطة القامعة، ولتزييف التاريخ وسرده بما يضفي مظهرًا براقًا على الأفعال اللا أخلاقية التي تقوم بها هذه السلطة في كثير الأحيان، هذا التزييف الذي قد نجده مثلا في أعمال درامية أو أدبية أو غيرها من الأنواع الفنية، هو ما يشار إليه بالقوة “الحادة”؛ وهي مصطلح جديد-قديم كان موجودًا منذ عقود وعاد ليطفو فوق السطح ويتم استخدامه، مع صعود قوى فاشية وعنصرية في عدد من البلدان وتبوّئها سدة الحكم، حتى في النظم الديمقراطية.

لا تنطلي الأكاذيب على الجماهير بشكل تام، وإن حدث فسرعان ما تنكشف وينكشف معها صانعوها، الناس قادرة على التمييز بين الفنان أو الكاتب الموالي للسلطة، وبين الفنان أو الكاتب المستقل الذي يحتفظ بحرية فكرة وقلمه.. أعود للموضوع فأقول إن تراجع القوة الناعمة المصرية في ظني؛ مبعثه غياب الصدق عنها وعدم تحرجها من تدعيم أشكال متعددة من الظلم، وإهدارها لقيم ومبادىء إنسانية أصيلة، التعميم بالطبع لا يجوز لكن السائد يغلب الاستثناء، يضاف إلى هذا ما يشهد الواقع المصري من انحدار عام في مجالات الفنون والعلوم، كنتيجة لعملية التجريف التي دامت لعقود.

 

  •  وكيف ترين المشهد الثقافي المصري الحالي بوجه عام؟

المشهد الثقافي المصري في الفترة الحالية يبدو مؤلمًا، فقد انحدر عديد المثقفين والمفكرين إلى معارك مخجلة، تدور كلها في فلك السلطة السياسية، وحتى ما دار منها في فلك الأدب والثقافة؛ انحدرت لغته وتردّى أسلوبه، وأظن أن هذا المشهد ما هو إلا انعكاس للأوضاع العامة المترديّة، لكن هذا ليس عذرًا ولا تبريرًا، فالنخب عليها أن تكون على قدر من الوعي يكفل لها الخروج بالمجتمع من حال البؤس الفكري، لا أن تصبح جزءًا منه.

 

  • لديك أكثر من دراسة حول التعذيب كظاهرة تناولتِها من جوانب مختلفة، يبدو أن قضية التعذيب تمثل اهتماما أساسيا لديك، فما أسباب ذلك وإلى أي مدى أثّر عملك كناشطة حقوقية لعلاج وتأهيل ضحايا العنف في هذا الاهتمام؟ وأنت كطبيبة نفسية ومتابعة لمثل هذه القضايا وباحثة فيها، ما هو التأثير الأبشع الذي تتركه عملية التعذيب في نفس من يتعرض لها؟ وهل يمكن تعافيه نفسيا تماما؟ وما المردود النفسي لدى القائم بعملية التعذيب أيضا؟

عملت لسنوات في مركز “النديم”، منذ تخرجي في طب عين شمس حتى عام 2012، وكان الدافع وراء انضمامي
إلى فريقه، اهتمامي بحق الناس في الأمان الجسدي، وما تركه كتيّب صغير في نفسي من أثر؛ كان الكتيب عن رجل تعرض للتعذيب حرقًا في أحد مراكز الشرطة بالفيوم، وقد طاف به أطباء النديم على عدة مستشفيات، راجين قبوله إنقاذًا لحياته، إلى أن صعدت روحه لبارئها. رأيت صور الرجل محترقًا مشوهًا، وصدمت من التفاصيل، وقررت أن أذهب إلى مركز النديم وأن أعمل ضمن فريقه وقد كان. أما عن الأثر الذي تتركه عملية التعذيب في نفس من يتعرض لها والمردود النفسي لدى القائم بالتعذيب، فتلك أسئلة يصعب جدًا أن أجيب عنها في مساحة محدودة كجزء من حوارنا، فكل منها مثّل فصلا قائمًا بذاته في كتابي ”ذاكرة القهر“.

وعلى كل حال، تمثل النوبات الارتجاعية أحد أسوأ الآثار النفسية التي يتركها التعذيب في ضحاياه، ففيها تنتقل الضحية من واقعها لتسترجع تفاصيل التعذيب وكأنها تحدث من جديد، وتبدأ في التفاعل معها، صراخًا أو استعطافًا أو هلعًا. التعافي ممكن وربما دون علاج دوائي، فحين تشعر الضحية أنها استردت كرامتها وأن الجاني قد نال عقابه المستحق، تلتئم الجروح النفسية تلقائيًا، أما حين يظل الجاني مطلق السراح، لا يحاسبه أحد ولا يطاله عقاب، فإن الضحية تظل في معاناة مهما تناولت من علاجات.

 

  • هل يمكن القول إن لبسمة عبد العزيز “مشروعا خاصا” تتبناه في الكتابة سواء البحثية أو الإبداعية؟

مشروعي الرئيس يتعلق بمقاومة وتفكيك أوجه السلطة القمعية المتعددة، ودراسة ما تفعله بالبشر؛ عقولا، وأجسادا، وأنفسَ.. أبحث في اتجاهات مختلفة، وبأدوات متنوعة، عن الأثر الذي يخلّفه القهر في الأشخاص؛ على تباين ثقافاتهم وطبقاتهم الاجتماعية ومستواهم الاقتصادي، وأتتبع إلى أي مدى قد تتغوّل السلطة المسيطرة على جوانب الحياة في مجتمعاتنا، وإلى أي منزلق قد تهوي بنا، وإلى أية مسارات قد تقود الناس دون أن يعوا خداعها وقبل أن يكتشفوا تلاعبها بهم.

 

 

  • تكتبين القصة القصيرة والدراسة البحثية والرواية والشعر أيضا، أي هذه الأشكال في الكتابة تشعرين أنها الأقرب إليك أو الأكثر قدرة على التعبير عن رسالتك والتأثير في قرّائك؟

بالنسبة للشعر فأنا لا أعدّ نفسي ضمن الشعراء، فقد كتبت بعض القصائد في سنوات سابقة، واحتفظت بها في درج مكتبي لا تبارحه، كثيرها يتضمن موضوعات وتساؤلات وجودية، وقد راودتني وأنا بعد في سن صغيرة، وحصلت مرة على جائزة عن قصيدة لا زلت أعود لقراءتها بين الحين والحين، لكني لا أكتب الشعر منذ فترة طويلة تناهز الخمس عشرة سنة، أما عن أقرب أشكال الكتابة لي، فلا تفضيل عندي، والموضوع الذي أطرحه يفرض الشكل، هناك ما أرى أنه يصلح دراسة اجتماعية-سياسية وهناك ما لا يمكن تناوله إلا من خلال سرد أدبي.

 

  • وبالنسبة لكتاب “سطوة النص: الأزهر وأزمة الحكم” (2016) يبدو اهتمامك أيضا بفكرة الاستغلال السياسي للدين من خلال مؤسسة الأزهر ودعمها الدائم للسلطة القائمة على اختلافها، في رأيك كيف يمكن تحرير الدين من سطوة السياسة ومن المؤسسات الدينية التقليدية التي دائما ما تستخدمه وتطوّعه لأغراض تصب في صالح السلطة الحاكمة وتناهض أي اتجاهات ثورية؟ وإلى أي مدى لعبت هذه المؤسسات دورا في إعاقة التطور السياسي والاجتماعي في بلداننا؟

هذا الكتاب كان في بدايته رسالة ماجيستير في علم الاجتماع في إحدى المؤسسات الأكاديمية التابعة لجامعة الدول العربية، وقد رفض المشرف أن يضع اسمه عليها وأن يناقشها تمهيدًا لمنحي الدرجة العلمية، وقد قدّرت مخاوفه وقررت أن أعيد الصياغة بما يتماشى مع إصدارها في كتاب يتداوله القراء غير المتخصصين. أما عن تحرير الدين من سلطة المؤسسات الدينية ومن رجال الدين التابعين للسلطة السياسية، فأمر شديد الوعورة ولا أعتقد أنه ممكن، لكني أظن أن ثمة سبيلا آخر؛ يتمثل في تحرير وعي الأفراد وتبصيرهم بصور استغلال الدين، وبأدوات التلاعب التي يستخدمها بعض رجال الدين لتحقيق مصالح السلطة السياسية وتبرير أفعالها وانتهاكاتها وإبقائها في سدة الحكم.

وهذا تحديدًا هو ما حاولت تقديمه في كتاب ”سطوة النص“، إذ رأيت أن خطاب الأزهر الذي استخدم الحجج الدينية بطبيعة الحال لتزييف وعي الجماهير، لجدير بتعريته وكشفه عبر تحليله نقديًا، ولا شك أن دخول الأزهر وشيخه إلى معترك السياسة وإلى ساحة النزال التي تتطلب تنازلات ومواءمات لا تليق بحاملي لواء الدين، لأمر لا بد من الوقوف أمامه، فعامة الناس الذين يجلون الأزهر وشيخه لما لهما من مكانة عبر التاريخ، قد ينخدعون بأرائه ومواقفه السياسية المصبوغة بقدسية الدين، هذه الخديعة تعرقل المسار، وتُخضِع الناس، وتعطلهم عن انتهاج سبل الكفاح اللازمة للوصول إلى الحرية المأمولة.

 

  • ماذا عن قضايا المرأة في أعمال بسمة عبد العزيز؟ المتابع لأعمالك ربما لا يجد اهتماما بارزا أو خاصا بها، أو بتعبير آخر لا يلمس “اتجاها نسويا” كما هو المعتاد في أعمال الكاتبات، هل توافقين على هذا الرأي؟ وما رأيك فيما يعرف ب”الأدب النسوي“؟

رغم أن كتاباتي تبدو مفتقرة إلى السمات الشكلية للأدب النسوي، فقد استقبلت مداخلات وتعليقات بل ووصلتني مقالات ودراسات متعددة، نشرت في دوريات أدبية أجنبية، تسلط الضوء حول دور النساء المحوري الذي ظهر على سبيل المثال في رواية ”الطابور“. لا أفضّل في حقيقة الأمر تصنيف ”الأدب النسوي“ فالعمل الأدبي في رأيي يمسّ البشر جميعهم، ومحاولة تفتيته وتصنيفه لا تضيف إلا مزيدًا من التفرقة ومزيدًا من الأطر التي أسعى إلى إذابتها لا إلى تكريسها.

 

القوة الناعمة المصريّة تراجعت لغياب المصداقية

 

  • درست الطب وتخصصت في الأمراض النفسية والعصبية، ثم درستِ علم الاجتماع، هل اختيارك لهذه التخصصات الدراسية، دراسة النفس الإنسانية ودراسة المجتمع، كان الدافع له أن يصب ذلك في النهاية في خانة الكاتبة أو في رصيد الكاتبة؟ وكيف أفادتك دراسة الطب ومزاولته في عملك ككاتبة؟

حصلت في شهادة الثانوية العامة على درجات مرتفعة، وكان قرار العائلة بترك الفن سواء الرسم أو النحت أو الكتابة في إطار الهواية، والالتحاق بكلية من كليات ”القمة“ وبالتالي دخلت الطب، وحين أنهيت دراستي فيها، قررت أن أتخصص في الأمراض النفسية والعصبية كونها الأقرب إلى فهم النفس البشرية وبالتالي الأقرب إلى هوايتي الفنية، وسعيت أثناء الدراسة إلى التبحر في علم النفس تحديدًا رغم أنه يمثل جزءً أوليًا في تخصصي، لكنه كان بالنسبة لي أكثر أهمية من دراسة الاضطرابات النفسية، فعلم النفس هو المفسر للسلوك الفردي ولدواخل النفس البشرية، أما دراسة علم الاجتماع فهي الطريق إلى فهم دور الفرد في المجتمع وسلوك الجماعات وغيرها من المباحث الرئيسة التي يهتم بها الدارسون. أفادني هذا وذاك بلا شك، فكل خبرة جديدة تصب في صالح الكاتب، تضيف له ولا تأخذ منه، تعطيه عمقًا وتكشف له أبعادًا قد لا تكون مرئية للآخرين.

 

  • تمر هذه الأيام الذكرى السابعة لثورة يناير، هل تحولت الثورة إلى مجرد “ذكرى” تستدعي سنويّا مشاعر الحزن والحنين وربما الهرب مما آلت إليه الأمور؟ وكيف ترين المستقبل في ظل هذا الواقع؟

أبدًا، لا أراها ذكرى بل تذكرة متجددة بقدرة الجماهير على تحقيق الانتصارات، ربما تعرض الحراك الثوري لعوائق وعراقيل، وربما أجهضت بعض الأحلام والأمنيات، لكن الدروس المستفادة عظيمة، والخبرات التي اكتسبناها هي بلا شك خبرات قيّمة وثمينة، وسوف نرى انعكاساتها في المستقبل. أنا في العادة من المتفائلين، أدرك أن نيل الحرية لا يأتي بسلاسة ولا تحظى به إلا الشعوب التي تدفع ثمنًا يليق، كما أثق أن دوام الحال من المحال وأن الظلم الذي يضرب بمعوله في جدران المجتمع لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، قد يطول به المقام، لكنه إلى زوال، خاصة مع تسارع الخطوات التي تكشف للناس زيف ما اعتقدوا فيه وآمنوا به على مدار السنوات الفائتة، وسقوط الطبقة المتوسطة إلى مشارف خط الفقر، وانسحاق الطبقات الفقيرة تحت وطأة الحاجة.

 

 

  •  تنشرين منذ عام 2010 بانتظام في جريدة “الشروق” المصرية، وفي نوفمبر الماضي منع نشر مقالك “ألعاب الجوع”، والمتابع لمقالاتك يرى أنك أحيانا تكتبين بسقف عال وبصورة مباشرة وأحيانا أخرى يكون انتقادك غير مباشر معتمدة على ذكاء القارئ في فهم ما تقصدين، في رأيك كيف يمكن لكاتب معارض أن يتعامل في ظل الواقع السياسي والصحفي الراهن في مصر؟

“ألعاب الجوع” ليس المقال الوحيد الممنوع لي فقد مُنعت لي حتى الآن أربع مقالات جميعها خلال الأشهر القليلة الماضية، والحقيقة أن الأمر صار محيرًا، فالخطوط الحمراء تتنامى، والقيود تزداد، وقد اعتدت أن أكتب بصورة غير مباشرة منذ البداية، ذاك أسلوبي المفضل، ولا أحب أن أفرض على القارئ رأيا مباشرا قاطعا، لكني في ظل حالة العبث المخيفة التي نعيشها، أجدني مؤخرًا مضطرة إلى طرق بعض الموضوعات دون مواراة ولا تحفظ ولا مجاز، وأظن أن الرقابة اللصيقة تؤرق عددًا من الكتاب الذين يحاولون تقديم أي صورة من صور النقد للنظام الحالي، مع ذلك أنا ضد التوقف عن الكتابة أو اتخاذ أي موقف سلبي، فتلك معركة والفوز فيها لأصحاب النفس الطويل.

 

“يناير” ليس مجرد ذكرى، بل تذكرة متجددة بقدرة الجماهير على تحقيق الانتصارات

 

  • اخترتِ ضمن الشخصيات العربية الأكثر تأثيرا في الرأي العام في 2017 كما اخترت من مجلة فورين بوليسي في 2016 ضمن 100 شخصية من قادة الفكر في العالم، ماذا تمثل لك هذه الاختيارات؟ كذلك صار لك من خلال روايتك المترجمة “الطابور” قرّاء من خارج النطاق المحلي، ومع ذلك ذكرت في أحد حواراتك أنك لم تنجزي بعد ولو عُشر ما تصبين إليه، فما هي الأحلام والطموحات التي تسعين لتحقيقها؟ وهل كلها متعلق بالكتابة أم أن هناك مجالات اهتمام أخرى؟ وما معيار نجاح الكاتب من وجهة نظرك؟

هذه الاختيارات تمثل بالنسبة لي مؤشرًا جيدًا وصادقًا إلى حد بعيد، يطمئنني ويدعمني في كتاباتي، فالكاتب يحب أن يشعر أن صوته مسموع، وأن ثمة من ينصت ويرى ويستقبل الكلمة ويدرك معناها، وإلا كانت الكتابة كالحرث في البحر، وأنا هنا لا أتحدث عن الكتابة الإبداعية التي أجدها أمرًا تلقائيا وقهريًا، إذ أكتب القصة أو الرواية لأني أولًا وقبل كل شيء أرغب في كتابتها، بغض النظر عن وصولها إلى يد أخرى تتلقفها وتتجاوب معها. الكاتب الناجح في رأيي هو المتمكن من أدواته القادر على تقديم جديد، إضافة فكرية حقيقية وأصيلة، سواء قيّمها القراء أو المتخصصون.

طموحاتي تتوزع ما بين الكتابة الأدبية والعلمية، والفن التشكيلي الذي توقفت عن ممارسته منذ بضع سنوات، وما يستجد من اهتمامات.. تأخذ الكتابة الآن أغلب وقتي، وهي أكثر إرضاءً من ناحية وجود جمهور يستقبلها ويتفاعل معها، فالمهتمون بالفنون التشكيلية يمثلون قلة مقارنة بالقراء، ومن يقصدون قاعات العرض نخبة من الناس، والتجاوب بالتبعية أقل.

 

  • أخيرا، كُرّمت نهاية العام الماضي من قبل مجمع اللغة العربية بالقاهرة تقديرا لحرصك على اللغة العربية في مقالاتك، كيف استطعت امتلاك ناصية اللغة أو إتقانها، هل هو حب قديم أم حرص على إجادة وسيلة ينبغي على كل كاتب أن يجيدها؟ وكيف يمكن في رأيك النهوض باللغة من وضعها الحالي؟ وما رأيك في استخدام العامية في كتابة المقالات أو الأعمال الأدبية أو حتى في ترجمة النصوص، لس كلغة مساعدة بل كلغة بديلة تماما؟

حب اللغة قديم عندي قدم مرحلة التلمذة، فقد درست في الفترة الثانوية منهجًا موازيًا ومعمقًا في اللغة العربية إضافة إلى المنهج الدراسي المقرر من وزارة التربية والتعليم، وقد دأبت على زيارة أحد علماء اللغة لسؤاله عما تعذر علي الوصول إليه من ألفاظ ومعان وقواعد وعرة، وتعلمت معه بحور الشعر وأوزانه، ثم كان أن بدأت الكتابة وعاهدت نفسي على الاستزادة كلما استطعت.

وأعتقد أن النهوض باللغة مرتبط بنهضة علمية شاملة، فأية لغة تنحدر وتنقرض بانحدار أهلها وتقاعسهم عن بذل الجهد وعجزهم عن إنتاج المعرفة، وتتوهج وتزدهر باستفاقتهم ونهوضهم، وقد كتبت كثيرًا عن الأخطاء الإملائية واللغوية المنتشرة في لافتاتنا ومقالاتنا وعلى ألسنة المسئولين، مع ذلك لا أحب افتعال معركة بين العامية المصرية واللغة العربية الفصحى، بل أجد أن التكامل ممكن والتفاعل بينهما واقع، لكني أجد غضاضة ومهانة في تضمين كلمات أجنبية؛ انجليزية وفرنسية وأحيانًا إيطالية، في خطاباتنا وأحاديثنا وكأن لغتنا عجزت عن استيفاء احتياجاتنا رغم ثرائها وجمالها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الكاتبة المصرية بسمة عبد العزيز: أكتب لتعرية ما يفعله القمع بالبشر”

  1. تعجبنى دائما كتابات د. بسمة واسلوبها ولغتها العربية السليمة التى افتقدها فى أغلب الكتاب وفخورة بها فعلا وسعيدة بالتكريم الذى حصلت عليه فهى تستحقه … ألف مبروك د. بسمة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.