ثقافة

الخصيان في التراث العربي: سلع جنسية وجدت في بلاط السلاطين والملوك

شهد سلامة- مجلة ميم

رغم ان قضية الخصاء والخصيان تعد من المسائل المسكوت عنها في التراث العربي الإسلامي إلا أن هذا لم يمنع الجاحظ من ان يجعل منها مبحثا أساسيا من المباحث التي اشتغل عليها في كتاب الحيوان.

وتعد المقاربة التأسيسية التي قدمها الجاحظ لموضوع الخصيان في كتابي ” الحيوان” و كتاب ” مفاخرة الجواري والخلان” بمثابة التأصيل لهذا المبحث الشائك الذي لم تكتب فيه حتى اليوم مقاربات عميقة تضاهي ما دوّنه العلامة البصري.

والخصيان هم أولئك المتذبذبون بامتياز في هويتهم الجنسية فهم رجال مع النساء ونساء مع الرجال.
وقد تبنى الجاحظ الفكرة المهيمنة عند المسلمين وهي ان الخصاء حرام، لكنه اعتبر ان بيع وشراء الخصي حلال،
وهو يقول بكون “هدية الخصي كهدية الثوب او العطر والدابة والفاكهة”. كما اعتبر ان تحريره جائز ولا ينبغي طرده او نفيه.

 

 

ويعتقد الجاحظ الذي اهتم كثيرا بهذا المبحث أن الخصيان لا يفقدون جنسانيتهم تماما ويفرق بين أكثر من نمط من هؤلاء ومنهم من يهيم شغفا بالنساء بل ويتخذ بعض الجواري ويمكن ان ينكح المرأة اذا قدر له ان يعتق او تكون له القدرة على ذلك.

ويضع الجاحظ الخصي في منزلة بين المنزلتين فهو ليس ذكرا وقطعا ليس أنثى، ويتسق فكره مع النظرة السائدة في عصره التي تخرج هذه الفئة من دائرة الفحولة ومفهوم الرجولة بكل مقوماته.

ويعتبر الجاحظ ان الخصيان يجمعون بين أخلاق النساء وأخلاق والصبيان وهم في منزلة بين هذه وتلك، ويتميزون بسرعة الغضب وسرعة البكاء كما يحبون النميمة ولا يمكن ان يستأمنوا على سر إلى جانب كونهم يعمرون طويلا على عكس الفحول حسب رأيه.

كما يتميزون بالشغف باللعب واللهو ولهم شره كبير للطعام كما الصبيان. ويتوقف الجاحظ كثيرا عند الشهوةالجنسية لدى الخصيان وهو يفند النظرة السائدة والقائلة بكون هذه الرغبة تقل لديهم بل هو يعتقد أنها رغبة جامحة وشهوة جارفة يغذيها الحسد والحقد.

 

 

ولذلك يبدو الجاحظ ساخرا من الذين يستأمنون هؤلاء على نسائهم ويضعونهم في الجناح المخصص للحريم وهم في غاية الاطمئنان.

كما يجعل من معاشرة النساء وتلذذهن مع الخصيان مسألة واردة جدا خاصة وأنها مأمونة العواقب باعتبار ان العار الأكبر لا ينجر عنها.

وهو يذهب بعيدا فلا ينفي كون الخصيان كائنات ” لا جنسية” بل على العكس يعتبرهم سلعة جنسية بلا عواقب وخيمة بالنسبة الى النساء.

ويمكن التعرف على هؤلاء من خلال الصوت كما يمكن الاستدلال عليهم وفق الجاحظ من المشية ” إذ يشتد وقع رجله على أرض السطح”.

كما يعتبرهم جيدين للخدمة إنما ” لم تر أحدا منهم قط نفذ الى صناعة تنسب الى بعض المشقة”.

وقد ميز الجاحظ بشكل كلي بين الخصيان والغلمان. والقسم الأخير هم مراهقون مخنثون اندفع الأثرياء والشعراء في عصرهم نحوهم، كما هاموا بهم حبا أكثر من الجري وراء الجواري. اما الخصيان فغير مخنثين.

وعن هذا يقول صاحب كتاب الحيوان “من العجب أنهم مع خروجهم من شطر طبائع الرجال الى طبائع النساء لا
يعرض لهم التخنيث”. ويتفق الخصيان مع الغلمان في عدم ظهور اللحية.

 

 

ورغم ان المقارنة التي طرحها الجاحظ بين خصي البشر وخصي الحيوان تبدو منفرة وصادمة اليوم الا انها لا تخلو من الانسنة.

ونذكر ان ابا عثمان عمرو بن بحر البصري وكنيته الجاحظ من أعلام العصر العباسي عاش في القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد.

ومن ناحيته، تطرق إبراهيم البيهقي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة إلى محاسن ومساوئ الخصيان، مؤكدا على أنهم مجاهدون نموذجيون، يتميزون بالصبر ومكابدة ظروف القتال، كالقدرة على الركض وطول الركوب. لكنهم أيضا يمتازون بالخبث وحب الشراب والإفراط في الشهوة وسرعة الدمعة.

وبالعودة الى التاريخ يمكن القول إن وجود الخصيان في مجتمعات البلاط السلطانية قد شكل صدمة بالنسبة إلى الرحالة والمستشرقين الأوروبيين. اما التراث العربي فقد تأرجح بين الغرائبية والحميمية في التعاطي مع هذا المبحث سواء فقهيا أو طبيا او أخلاقيا.

هذا مع التأكيد على تحريمه وإسناده لغير المسلمين خاصة الأقباط واليهود وإباحة بيع وشراء الخصيان.  كما ان الأدوار الموكولة إليهم تعاظمت من قرن إلى آخر خاصة في عصر المماليك والعثمانيين.

هذا وطرح مبحث الخصاء على الفقه السياسي الإسلامي خاصة في الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي الذي اعتبر أن هذا الفعل لا يمنع من الإمامة باعتباره يؤثر فحسب على النسل ولا يمس الرأي والحنكة.

ورغم ذلك، وباستثناء كافور الإخشيدي، لم يعرف التاريخ العربي وصول الخصيان إلى السلطة، لكنهم كانوا من البطانة الحاكمة المتعاظم دورها مع ” طواشي ” المماليك و” أغوات” العثمانيين.  وقد بلغ بعضهم مكانة كبرى في السلطة كتولي البعض الصدارة العظمى والخزانة والأوقاف وإدارة بعض الأماكن المقدسة. وتراجعت مكانتهم مع أفول نجم الإمبراطورية العثمانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق