دين وحياة

فلسفة الجمال في الإسلام

دين وحياة

كلما طرح لفظ “الجمال”، اتجهت العقول والأذهان، إلى صورة المرأة، حتى باتت عنوانا لمعنى الجمال، في حين أن للجمال في الإسلام، مفهوما أشمل بكثير وأعمق من مجرد حصر الرؤية الجمالية في شيء محدد. فكل ما حولنا جميل، إذا ما رغبنا أن نراه فعلا بأعين جميلة وفكر نقي وسويّ.

الجمال في القرآن الكريم

ورد لفظ “الجمال”، في القرآن الكريم، عديد المرات، لكنه لم يرتبط بشيء ملموس محدد، أي لم يرتبط بوجه المرأة أو جسدها أو شعرها أو لون بشرتها وقامتها، أو حتى بوسامة الرجل. لكن ورود عبارة “الجمال”، انبثقت من وجدان الإنسان نفسه ورؤيته وبصره وبصيرته، أي أن هذا الكائن، الذي خلقه المولى، جعله يتحسس الجمال، حتى أصبح يشكله ويراه أين ما أراد فعلا رؤيته.

كما قد يحيل الجمال إلى الفعل والوجدان أو القيام بالفعل. ومن الآيات التي ورد الجمال فيها، وأحالت على ذلك، قوله سبحانه وتعالى، في سورة يوسف (آ18) ” فَصَبْرٌ جَمِيلٌ “.

وفي سورة الحجر،(آ 85)” فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ”.

وفي الآية 28 من سورة الأحزاب “فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا “

وفي الآية 10 من سورة المزمل “وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا “. وفي الآية 28 من سورة الأحزاب “سَرَاحًا جَمِيلًا “.

وكذلك قد يرتبط الجمال بالمنفعة من الشيء، وللتعبير عن إشباع حاجة الإنسان إلى متعة النظر، في مثل قوله تعالى: “وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ “[النحل:5-7].

هذه المنفعة من الأنعام، تولّد لدى الإنسان، الشعور بالرضا الذي يؤجج في وجدانه الإحساس بالجمال، بسبب ماحققه من متعة للبصر وسرور للفؤاد. وقد ذهبت عديد المراجع، إلى أنه “ليس من الضرورة أن يكون مثل هذا الإحساس مرتبطاً بحقيقة الجمال الكائن في الشيء المرئي، فقد لا يكون ذلك «الشيء» جميلاً من وجهات نظر أخرى، ولكن شعور الرائي بالارتياح النابع من رؤيتها يضفي عليها تلك الصفة”.

فمعنى الجمال في القرآن الكريم، هو معنى شمولي، مرتبط بذات الإنسان ووجدانه وهو صفة شعورية وحسية، تتولد أساسا من باطن الإنسان، وهو ما يعني أن كل ما خلقه المولى من حولنا في الكون “جميل”.

الجمال عند مفكري الإسلام

لم يفوّت علماء المسلمين وفقهاؤهم، في تاريخ الفكر الإسلامي، الاهتمام بالجمال، الذين جعلوا له رؤية فلسفية خاصة، وقد ظهرت أولى ملامح الاهتمام بهذا الباب مع الفارابي الذي كان الجمال بالنسبة إليه هو تحقيق القيم الخيِّرة في الأشياء الجميلة من خلال بنائها وترتيبها، كما مزج بين الفن والموسيقى وبين الجمال، واعتبر الفن صفةً حسِّيةً أساسها التجريب، وأن الفنان يمكنه التقرب من العقل الفعَّال عن طريق نُسكه وتنقية نفسه من شوائب المادة.

فمعنى الجمال في القرآن الكريم، هو معنى شمولي، مرتبط بذات الإنسان ووجدانه وهو صفة شعورية وحسية، تتولد أساسا من باطن الإنسان، وهو ما يعني أن كل ما خلقه المولى من حولنا في الكون “جميل”

وذهب الفارابي إلى أنَّ العملية الإبداعية هي نتاج خلاق يمكن أن يضفي على جماليات الطبيعة جمالاً أكبر.

وربط  أبو الوليد أحمد ابن رشد الجمال بالفضيلة، وبكل ماهو خير ونافع و أنَّ الجميل هو الذي يُختار من أجل نفسه، وهو ممدوح وخيِّر، من جهة أنَّه خيرٌ. واعتبر أنه إذا كان الجميل هو هذا، فبيِّنٌ أنَّ الفضيلة جميلةٌ لا محالة لأنَّها خير وهي ممدوحةٌ.

فيما جمع  أبو حيان التوحيدي، في رؤيته لمفهوم الجمال بين  المنهج الذاتي الذوقي النسبي وبين الموضوعية الحسية المعيارية والاجتماعية في آن.

ويقول التوحيدي في كتابه “المقابسات”: “فأما الحسن والقبيح فلا بد لهما من البحث اللطيف عنهما؛ حتى لا يجوز، فيُرى القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا، فيأتي القبيح على أنَّه حسنٌ، ويرفض الحسنُ على أنَّه قبيحٌ، ومناشئ الحسن والقبيح كثيرةٌ: منها طبيعي، ومنها بالعادة، ومنها بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة.”

واتفق الفقيه والمتصوف أبو حامد الغزالي والإمام ابن القيم، على تقسيم الجمال إلى جمال ظاهري وجمال حسّي.

فأمّا الأوّل فقد اعتبر أن الجمال الظاهر من شأن الحواس، والجمال الباطن من شأن البصيرة. وقال الغزالي: “الصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة.

فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها.. ومن كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة، فشتّان بين من يحبّ نقشاً مصوراً على الحائط بجمال صورته الظاهرة، وبين من يحب نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة”.  

وأما الثاني فقد اعتبر في الباب 19 من “روضة المحبين ونزهة المشتاقين”، أن “الجمال الباطن، هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله تعالى من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

والجمال الظاهري زينة خص الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله فيها: “يزيد في الخلق ما يشاء”. وفُسّر ذلك على أنّه الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته، كما هي مفطورة على استحسانه.

واعتبر ابن حزم الأندلسي، أن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن، وربط بين الشعور القيم بالحب والجمال، الذي لا

يتحقق إلاّ بتحقق الرؤية العميقة للشيء، حيث قال في كتابه “طوق الحمامة”: “وأما العلة التي توقع الحب أبداً في أكثر الأمـر على الصورة الحنة فالظاهر أن النفس حسنة وتولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه فإن ميّزت وراءها شيئاً من أشكالها اتصلت وصحت المحبّة الحقيقية”.

التصوف والجمال

انبنت رؤية المتصوفين للجمال، على الحس، من خلال الانصهار في التنسك والعبادة الخالصة وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات والشهوات الدنيوية، واعتماد تجربة الكشف الصوفي للبحث في جمال المطلق، مع اعتبار أن جمال الكون هو انعكاس للجمال الإلهي.

وتنعكس هذه الرؤية في فهم ابن عربي، الذي يعتبر الجمال “نعوت الرحمة واللطف والعلم”، وغيرها. ولذلك كانت أوصاف الإحسان والجود والنعمة والنفع والنعمة تعبيرا عن آثار الجمال الإلهي وسحره ولمسات تجلياته.

يقول ابن عربي: “كل شيء يستمد جماله من الحق، فالعالم قد حاز الحسن الإلهي وظهر به، وهو مرآة الحق فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق، وهو سبحانه الجميل…”

 

هذه الرؤية العميقة لمفهوم الجمال في الفكر الإسلامي، تحثنا على الانعتاق من قيود اجتماعية سائدة تحصر الجمال في رؤية ضيقة، وأفكار سلبية متوارثة مفاده أن الجمال يقتصر على الشكل الظاهر، في حين أن الجمال هو حسي، يرتبط بوجدان المرء، الذي من شأنه أن يميز بين الخبيث والطيب.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد