منوعاتثقافة

“حمدلس”: قطعة من الأندلس على ضفاف تونس

سلسلة حكاية حي

 

عرفت مدن شمال افريقيا، في حدود سنتي 1609 م _ 1610م، تدفق هجرات للموريسكيين من بلاد الأندلس، فرارا من بطش الاسبان، الذين تمكنوا من الاندماج في هذا الوسط الجديد وبدأوا بـتأسيس عدة أحياء ظلت قائمة الى يومنا هذا.

وتعد هذه الأحياء تراثا عمرانيا يمتد الى أكثر من 4 قرون، منها حي الأندلس، الذي يعرف ب”حمدلس”، الواقع بعروس الشمال التونسي، مدينة بنزرت.

 

مؤرخون يروون “هجرة الموريسكيين الى تونس”

سلطت عديد المراجع الضوء على هجرة الموريسكيين الى البلاد التونسية، حيث  ذكرالمؤرخ التونسي  “محمد صالح الوسلاتي” في دراسة، بعنوان “بنزرت من خلال التزاوج الحضاري التونسي الاندلسي”، “أن الهجرة الرابعة في سنتي 1609 و1610 ، تعتبر من أهم هجرات الأندلسيين، الذين قدموا الى تونس بعدد كبير قدره بعض المؤرخون بثمانين الفا… وقد اختار أصحاب الحرف الدقيقة حاضرة تونس (حومة الأندلس وباب سويقة وطرنجة) ومدينة بنزرت والوطن القبلي واختار الفلاحون حوض مجردة (تستور و طبرقة وقلعة الاندلس) وسهول وقرى الوطن القبلي سليمان وقرمبالية ومنطقة بنزرت (غار الملح ورفراف والعالية ورأس الجبل ومنزل جميل ومنزل عبد الرحمان وماطر…).

 

وقال ابن أبي دينار:” وفي هذه السنة [1016 – 1017هـ/1609م جاءت [جماعة الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانيا، وكانوا خلقا كثيرا، فأوسع لهم عثمان داي في البلاد، وفرّق ضعفاءهم على الناس، وأذن لهم أن يعمّروا حيث شاؤوا. فاشتروا الهناشر وبنوا فيها واتّسعوا في البلاد فعمرت بهم، واستوطنوا في عدة أماكن. ومن بلدانهم المشهورة سليمان و بلّي و قرنبالية و تركي و الجديّدة وزغوان و طبربة و قريش الواد ومجاز الباب والسلوقية وتستور، وهي أعظم بلدانهم وأحضرها، والعالية والقلعة [قلعة الأندلس] وغير ذلك، بحيث يكون عدّتها أزيد من عشرين بلدا فصار لهم مدن عظيمة”.

 

حمدلس مدينة خارج الأسوار والقلاع 

بنى الموريسكيون حيّهم، المعروف اليوم لدى سكان مدينة بنزرت ب “حمدلس”، خارج قلاع الأغالبة و أسوارها، على غرار قلعتي “القصبة” و”القصيبة”، اللتين تعدان شاهدا على أهمية التوافد الحضاري والثقافي على مدينة بنزرت، التي تتميز بإطلالتها الساحرة على البحر الأبيض المتوسط.

 

 

وقد تميز حي الأندلس، (حمدلس)، بأنه يشكل شبه مدينة صغيرة قائمة بذاتها، تشمل دكاكين الحرفيين، الصغيرة، ذات الأبواب الخشبية الصامدة، رغم زحف السنون والرطوبة عليها، فقد عرفوا بحذقهم للصناعات التقليدية اليدوية، التي جلبوها معهم من أشهر حضارة اسلامية قامت في اسبانيا.

 

كما اعتنى الموريسكيون، بالنظافة، فبنوا الحمامات العمومية، التي ماتزال تشهد توافدا من السكان المحليين، رغم بروز حمامات جديدة. وتتميز  حمامات الأندلسيين بحمدلس بضيقها، وكذلك بانارتها الخافتة، فضلا على أنها ما تزال تعتمد الى هذا اليوم على الخشب كعنصر أساسي، لتسخين المياه المخصصة للاستحمام.

 

أما المنازل، فعلى شدة تشابهها، قد لا تكاد تميز البيت عن الآخر، فهي ذات نوافذ صغيرة، مشبكة من الخارج بالحديد. وعند فتح الأبواب التي صنعت من الخشب، تجد نفسك قبالة سلم ضيق يحملك الى الطابق العلوي، المكون من عدة غرف تفتح على سقيفة غير مسقفة حتى توفر التهوئة الطبيعية للمسكن.

 

 

وتتميز هذه المنازل الأندلسية،  بتراصفها، وتلاصقها  في انسجام، يلحظه المار من الشوارع والأزقة الضيقة، التي رصفت بدورها بالحجارة الكلسية الملساء، اللماعة.

كما يلحظ المار تآكلها بسبب شدة الرطوبة، مما أدى الى هجران السكان للكثير منها.

اهتم الموريسكيون الذين عمروا حي حمدلس بالعبادة، فأنشأوا المساجد، والجوامع، التي لم تفصل بدورها عن السلسلة المتشابكة من البيوت.

ومن أشهر جوامع الأندلسيين بهذا الحي العريق، الجامع الذي يفتح على الشارع الرئيسي للحي، والذي لا يزال  محافظا على الطريقة التي بني بها، والتي تتميز بتيجان أعمدة بيت الصلاة الحفصية، الى جانب الصومعة المربعة القاعدة.

 

 

الى جانب هذه العمارات التي أقامها الموريسكيون كذلك، والتي لازالت منقوشة في كل شبر وفي كل زقاق وعلى الحيطان الندية، بحمدلس،  تروي للمارة مرور الحضارة الأندلسية، رغم تآكلها، أقام الموريسكيون، أيضا مقبرتهم الخاصة خارج الحي والتي تعرف بمقبرة “بنور”.

 

ماتزال معالم الأندلسيين الذين قدموا الى مدينة بنزرت، منذ أكثر من 400 عام، قائمة الى يومنا هذا، تجسد موروثا ثقافيا، وتراثا كبيرا تزخر به هذه المدينة الواقعة على ضفة المتوسط، بالاضافة الى عدة معالم عمرانية أخرى، من أقلعة وحصون وأسوار تشهد على تعاقب الحضارات على هذه الأرض الضاربة في القدم.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد