دين وحياة

الوقف الصحي: كيف ساهم المجتمع في رعاية المرضى في الحضارة الإسلامية

دين وحياة

 

سارعت الدول العربية، منها تونس، بعد خروج المستعمر، الى ايقاف العمل بنظام الوقف الإسلامي وقامت بضم المنشآت الدينية وممتلكاتها إلى القطاع العام. رغم أن التاريخ خير شاهد على الدور الإيجابي للوقف الإسلامي الذي يهدف إلى تيسير شؤون المسلمين وقضاء حوائجهم بمختلف شرائحهم.

وقد اعتنى الوقف الإسلامي بمختلف القطاعات والمجالات منها العناية بالمساجد والتعليم والشؤون الاجتماعية وقطاع الصحة، الذي يشهد ترديا فاضحا في ظل الدولة الحديثة التي عجزت عن سد الفراغ الذي خلفه تقويض نظام الأوقاف، أو الأحباس كما تعرف في تونس.

 

الوقف الصحي في تاريخ الحضارة الاسلامية

مثلت العناية بالمجال الصحي وبناء المرافق والمستشفيات من أبرز اهتمامات المسلمين في بداية انتشار الدين الإسلامي الحنيف، الذين أولوها عناية فائقة، وخصصوا لها جزء هاما من أموال الأوقاف. وقد سميت هذه المرافق الصحية المارستانات، أي بيت المريض. وقد كانت هذه المنشآت الصحية في خدمة الصالح العام من فقراء وأغنياء دون أدنى فرق أو تمييز يذكر.

من تقديم علاج ورعاية صحية وتوفير أدوية بدون مقابل مالي، وذلك من خلال أموال المسلمين الذين وهبُوها للأوقاف.

 

ومن المظاهر الايجابية لنظام الوقف الإسلامي الصحّي العناية بالمريض وأهله بعد الخروج من المستشفى، بحيث كان يصرف له قيمة من المال لإعالة أسرته خلال فترة إقامته بالمستشفى وعند خروجه معافى سليما يؤتى من مال الوقف كسوته وبعض من المال حتى لا يضطر للخروج مباشرة للعمل.”

وأخبر بعض الأطباء الذين عملوا فيه أنه كان يعالج في كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين والخارجين أربعة آلاف نفس، ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يعطى كسوة للباسه، ودراهم لنفقاته؛ حتى لا يضطر للالتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه”.

وفق ما ورد عن الدكتور الكويتي عبد المحسن الخرافي في حديثه عن مزايا نظام الوقف الصحي في الإسلام، حيث تحدث عن  المستشفى المنصوري الكبير المعروف «بمارستان قلاوون».

 

 

معالم من المنشآت الصحية في تاريخ الحضارة الاسلامية

عرفت المنشآت الصحية بالمارستانات، وقد عرفها الدكتور أحمد عيسى في كتابه “تاريخ البيمارستانات في الإسلام “، بأنها دار المرضى،  تعالج فيها جميع الأمراض والعلل من باطنية وجراحية ورمدية وعقلية”.

 

  • ومن أشهر هذه البيمارستانات هي التي بنيت، سنة 88 للهجرة، على يد الخليفة الأموي، الوليد بن عبد الملك.
    “بيمارستان قلاوون”

 

الذي عيّن في البيمارستان الأطباء وأجرى لهم الأرزاق من مال الأوقاف وامر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا، و جعل لكل مريض لا يقوى على المشي والحركة أو ضريرا كان خادما يهتم به و يسهر على راحته.

 

  • إضافة إلى البيمارستان البغدادي، الذي شيده الخليفة هارون الرشيد والذي يعد من أكبر المستشفيات في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، حيث كان يسمى بسوق المارستان وبني في شكل حي كبير، ضم قصر كبير يؤمُّه الأطباء و الصيادلة و طلبة الطب.

 

  • “البيمارستان الصلاحي”، وهو الذي أنشأه القائد صلاح الدين الأيوبي، بعد تحرير القدس من براثن الصليبيين، حيث اعتنى به وزوده بالأدوية والعقاقير ويؤمه الطلاب لدراسة علوم الطب وممارستها.

 

 

    البيمارستان الصلاحي

 

  •  “بيمارستان قلاوون” ، وهو المستشفى المنصوري الكبير والمعروف “بمارستان قلاوون”، الذي قام بتحويله الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى مستشفى عام “683هـ- 1284م”، بعد أن كان دار للحكام والأمراء.

وقد وصفه الرحالة ابن بطوطة” “يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعدّ فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لا يحصى”.

 

  • مارستان ” سيدي فرج “، بالمغرب الأقصى، الذي يعد أول مستشفى لعلاج الأمراض النفسية و أول مركز لتكوين
    مارستان ” سيدي فرج “

    أطباء في علم النفس في العالم.

 وقد أمر ببنائه الخليفة المريني أبو يعقوب يوسف سنة 685هـ _1286م.

 

 

 

 

 

  • مستشفى عزيزة عثمانة بتونس، وهو يعتبر أقدم مرفق علاجي يقدم خدمات صحية مجانية للمرضى. وقدأمرت،سنة 1662م، ببنائه الأميرة من أصول تركية، عزيزة عثمانة التي تعهدت بإيقاف جزء من أموالها لتأمين مستلزمات بناء المشفى ونفقاته.

 

في الواقع، عرفت هذه المنشآت الصحية اشعاعا ونجاحا كبيرين، بفضل ما خصصته من أموال المسلمين لخدمة سائر فئات المجتمع وتسيير شؤونهم. فقد استطاعت أن تحقق مكسبا عظيما في تاريخ الأمة والحضارة الإسلامية.

لكن هذا المكسب الاجتماعي سرعان ما تراجع دوره، إبان الاستقلال وخروج المستعمرات ومسارعة الحكومات إلى التحديث وإرساء الإصلاحات التي عمّقت جوهر الفقر واللامساواة في الخدمات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد. فقد يعجز الفرد الواحد في تغطية نفقاته العلاجية و لا يقدر آخر على علاج مرض ألم به أو بأحد من أفراد أسرته فيفتك به المرض ولا يعالج.

 

المستشفى الذي شيدته السيدة عزيزة عثمانة، في تونس

 

ويقول الباحث التونسي الشيباني بلغيث، في كتابه”  فصول من تاريخ الأوقاف في تونس من منتصف القرن التاسع عشر إلى 1914 “، أنه “يثبت السجل التاريخي لنظام الوقف في المجتمع التونسي أنه كان دعامة صلبة في بناء المؤسسات الاجتماعية ودعم مرافق الخدمات العامة.

 

 

ومن ثم ارتبط هذا النظام عبر الممارسة على طول تاريخه بمجموعة كبيرة من الأنشطة والمؤسسات والمشروعات التي عملت في صميم البناء الاجتماعي الحضاري وغذت نسيج العلاقات الإنسانية بين الأفراد في جهات مختلفة”.

 

إحياء نظام الأوقاف،كباب للالتحاق بركب الدول المتقدمة التي تعمل بنظام المد الاجتماعي وهو مايعرف بالوقف foundations، هي دعوة بادرت إليها قوى وطنية عدة بعد الثورة التونسية. دعوة صريحة لإنقاذ المجتمع من براثن العجز والفقر، رأت فيها فئات تصف نفسها بالحداثية، عودة إلى الدولة الدينية وارتكاسا للخلف، مغلبة الاعتبارات الإيديولوجية على المصلحة العامة، وامكانية الأخذ بيد الدولة باتاحة المجال للميسورين للعب دورهم في رعاية مصالح الناس، خاصة المستضعفين منهم. 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.