ثقافة

قواعد العشق الأربعون للكاتبة التركية إليف شفق: الحب جوهر الحياة وغايتها الأسمى

سلسلة الأدب النسائي

 

الرواية ليست مجرد حكي جميل يصف حياة على الورق لكنها قد تكون أيضا ملامسة لأشواق الروح وتجليات الوجدان وهي محاولة للتخلص من أدران المادة التي كبلت الإنسان المعاصر وجعله أسير حالة من الركض اليومي لتأمين الرفاه المادي الذي بات الغاية القصوى له وهذا ما جعله يقع بين مطرقة التيه وسندان الفراغ الروحي.

 

قد تكون هذه الفكرة هي التي قادت الكاتبة التركية الشهيرة إليف شفق إلى خوض تجربة متفردة في الكتابة السردية تمثلت في روايتها  ” قواعد العشق الأربعون ” الصادرة عام 2010 والتي شكلت حدثا إبداعيا بارزا نظرا لتفردها أولا، ولأنها أصبحت مثالا نسج العديد من الكتاب على منوالها، وكذلك لكونها حققت نجاحا  ساحقا على مستوى المبيعات  في العالم وترجمت إلى لغات عدة.

 

 

 

فقد تصدرت هذه الرواية  قائمة أكثر الروايات مبيعا  في تركيا، كما عدت من أهم الأعمال الأدبية في هذا البلد، رغم أنها صدرت في الولايات المتحدة لأول مرة ،ثم في بريطانيا وكتبت بالانجليزية التي تزاوج إليف شفق بينها وبين التركية في كتابة نصوصها

وتكمن فرادة هذه الرواية في كونها مراوحة بين خطين  زمنين مختلفين ،الخط الأول يمثل الزمن الراهن الذي تحكي فيه الكاتبة سيرة سيدة أمريكية  في منتصف العمر تدعى إيلا  تعمل ناقدة أدبية، وتعيش مع زوجها الطبيب وأبنائها في حياة تغلفها الرتابة ويطغى عليها الملل.  

أما الخط الثاني، فيمثل الزمن الماضي وتحديدا القرن الثالث عشر وفيه يجنح خيال الكاتبة بعيدا، ويستحضر شخصية  الفقيه جلال الدين الرومي وتحيك لنا شفق تفاصيل لقاء مدهش بينه وبين الصوفي شمس التبريزي، وبشكل انتقائي تتعامل الكاتبة مع الوقائع التاريخية التي حفت بذلك السياق والذي انتهى بمقتل التبريزي وتحول الرومي إلى أهم شاعر صوفي في الإسلام.

ويبدو شغف إليف شفق بعوالم الصوفية واضحا، وقد تجلى في أكثر من نص سابق لها، لكنه يشهد ذروته مع قواعد العشق.

 

 

وفي غلالة من الإمتاع والجمال الفني  حاكتها الكاتبة التركية، يتقاطع الزمنان الماضي والحاضر، فتغير أحوال التبريزي واقع ايلا من مجرد امرأة  خاملة تقتلها رتابة الحياة اليومي وبرودها إلى عاشقة مجنونة مدهشة تغامر بكل شيء من اجل الحب.

هذا الحب الذي يقول عنه التبريزي ذاته: “ما لم نتعلم كيف نحب خلق الله فلن نستطيع أن نحب حقا أو نعرف الله “.

اختيار الكاتبة التركية لهذين الزمنين قطعا ليس بريئا فإمكانات التقاطع بينهما كبيرة ونكاد نجزم أن التماثل بينهما كبير ففي العصرين كان هناك صراع ديني وتناحر كبير قاد إليه سوء فهم وسوء تقدير للثقافات والأديان الأخرى وانتشار التعصب والغلو  وهذا ما نعرفه اليوم بالصدام الحضاري الذي يقود إلى العنف والدموية وغياب الأمان وانتشار كل مظاهر الخوف وغياب الوئام والسلام الداخلي قبل الخارجي وفي وهنا تصبح الحاجة إلى الحب باعتباره الملاذ و المرفأ مسألة حتمية.

وهذا غاية الرواية ومنطلقها أيضا ولهذا جعلت صاحبتها من الحب موضوعا أساسيا لها باعتباره جوهر الحياة وهدفها الأسمى.  

 

 

 

وكما جاب التبريزي الدنيا من سمرقند إلى بغداد حتى  استقر به الأمر في قونية التركية في رحلة البحث عن المحبة الإلهية المطلقة الشاملة العميقة وفي الرحلة المضنية تولد قواعد العشق الأربعون تلك أسهمت في صوغ شخصية جلال الدين الرومي ذاته كما تخيلتها الكاتبة.

ويختزل التبريزي هذا في قوله : ” حياتك حافلة مليئة كاملة أو هكذا يخيل إليك حتى يظهر فيها شخص يجعلك تدرك ما كنت تفتقده طوال هذا الوقت مثل مرآة تعكس الغائب لا الحاضر تريك الفراغ في روحك الفراغ الذي كنت تقاوم رؤيته”.

وهذا الفراغ تعثر عليه إيلا التي تهجر خواء حياتها التي كانت بركة من المياه الآسنة لا حياة فيها لتصبح بفضل العشق وقواعده الأربعين بحرا متلاطم الأمواج وبجرأة غريبة تعيد النظر في كل أركان حياتها بعد ان استعادت حريتها  وتلتحق بكاتبها  الحكيم الفيلسوف الذي ترك ديانته المسيحية وأصبح مسلما يدعى عزيز وهو بذلك يضاهي في تأثيره عليها أثر التبريزي على “مولانا” الرومي.

 

ما لم نتعلم كيف نحب خلق الله فلن نستطيع أن نحب حقا أو نعرف الله

التبريزي

 

ومن هنا نخلص إلى أن القيم والرموز والمعاني التي تختزلها شخصية التبريزي لا تموت برحيل أصحابها فمثل هذه الشخصية الجدلية تتكرر في كل العصور.

 

 

هذا عن الرواية أما صاحبتها فهي ابنة فيلسوف هو نوري بيلغين والدبلوماسية شفق اتيمان وقد تأثرت كثيرا بوالدتها التي تولت تربيتها بعد انفصالها عن الأب عندما كان عمرها عاما واحدا. واعترافا منها بجميل الم اتخذت من اسمها لقبا لها وهي تفخر بكونها تربت بمنأى عن الهيمنة الذكورية وهو ما اثر في كتاباتها في ما بعد كما تزوجت من الصحفي التركي أيوب كان.

وعاشت الكاتبة رحالة في بقاع كثيرة من العالم فقد ولدت في ستراسبورغ بفرنسا  وتنقلت في طفولتها بين مدريد وكولونيا وعمان قبل أن تعود إلى تركيا ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهي تشغل هناك منصب أستاذة محاضرة اهتمت بدراسات في مسائل  الجندر  والقضايا النسوية والإسلام والتصوف.

صدرت لها عديد الأعمال الإبداعية من بينها  باللغتين الانجليزية والتركية من بينها الشر في الأناضول والصوفي   و شرف ومدينة المرايا ثم لقيطة اسطنبول و الحب وأنا وسيدي.

وعن الأدب والحياة تقول إليف شفق : ” إن النساء هن أعظم من يروي القصص لم انشأ في أسرة تقليدية ذات نظام أبوي وذلك جعلني أكثر استقلالية وأتاح فرصة القيام بأشياء كثيرة ربما منعت منها مثيلاتي ممن عشن تحت سلطة الأب.”  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد