الرئيسي

المهر والميراث والنسب على طاولة البرلمان وجدل كبير في الشارع التونسي

ميم تستطلع آراء نخبة من الخبراء والباحثين عن الجدل الحاصل حول مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة

 

أثار مقترح تقدمت به لجنة الحريات الفردية والمساواة إلى لجنة المرأة بمجلس النواب في تونس، حول الغاء المهور عند الزواج وحرية اختيار النسب العائلي والمساواة في الارث بين الجنسين، في الـ 18 من شهر جانفي، كانون الثاني 2018، جدلا كبيرا في الوسط الاجتماعي، حيث انقسموا بين مجموعة مؤيدة ومجموعة رافضة لهذه المقترحات، باعتبار أنها تتنافى مع الشريعة الاسلامية.

سامي براهم: كلام عبثي واعتباطي

أكد  الباحث سامي براهم أن قضية إدراج لقب الابن لقب الام في إطار المساواة بين المرأة والرجل في إسناد اللقب هي مقترحات ليست نهائية، ففي قضية الإرث مثلا، من المقترحات تخيير النساء والرجال بين منظومة الارث المدرجة في مجلة الأحوال الشخصية أو منظومة الإرث القائمة على المساواة وجميعها مقترحات لم تتبلور بعد.

الأستاذ سامي براهم

وقال براهم “لازلنا في بداية الخطوات لكن ما كان لهذا الجدل أن يحصل لولا أن الصفحة الرسمية لمجلس النواب وقع فيها تقديم للنقاش الذي طرح داخل اللجنة.

وبما أن هذه اللجنة تركيبتها منقوصة ليس فيها من يقدم المواقف الاسلامية الدينية كان فيها نوع من الخلل. من ذلك مثل أن المهر في الفقه الإسلامي ليس في مقابل المتعة، إنما المهر هو نوع من الهدية المقررة  المفروضة على الرجل لاثبات  صحة عزمه على الزواج، وهو نوع من الهدية، وليس مقابل التمتع بالمرأة. ونفس الشيء بالنسبة لمسألة اللقب. بمعنى أن إسناد لقب الأب دون الأم على أساس أن الانتساب للأم لا يحتاج لإثبات بصيغة اللقب”.

وأشار محدثنا إلى أن النسب ثابت بالحمل والولادة وبالرضاعة وثابت لدى الطبيب، لذلك لا نحتاج لاثبات  نسب الإبن لأمه لأنه ثابت ثبوتا بيولوجيا، بينما نسب الإبن للأب هو الذي يحتاج لإثبات، لذلك كل شعوب العالم منذ بداية الانسانية إلى الان تنسب الابناء للآباء، وهذا لا يسقط الانتساب للأم الثابت في كل الاوراق الرسمية وغير الرسمية، من الولادة إلى ما بعد الوفاة. ليس هناك أي وثيقة من الوثائق الرسمية  للمواطن خالية من اثبات نسب الام.

 

 الإدعاء أن تسجيل الوليد باسم الأم  هو مساواة بين النساء والرجال كلام عبثي واعتباطي لأن لقب الأم هو لقب رجل وليس لقب إمرأة.

صلاح الدين الجورشي: هناك مغالطات حول مسائل الميراث والنسب

ومن جهته، أكد عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة، صلاح الدين الجورشي،أن اللجنة لم تصدر أي بيان أو وثيقة حددت فيها مقترحاتها، وذلك بسبب أن من يجب أن يطلع على هذه المقترحات والتوصيات هو رئيس الجمهورية الذي يعتبر هو صاحب المبادرة  والذي سيحول هذه الافكار والتوصيات إلى مشاريع قوانين ويتم إحالتها إلى البرلمان، وعندها سينطلق نقاش معمق وواسع داخل المجلس التشريعي وخارجه.

الأستاذ صلاح الدين الجورشي

وقال صلاح الدين الجورشي في تصريح لميم، إن ما شاع وما تداولته صفحات الفايسبوك وحتى بقية وسائل الاعلام يتضمن عديد المغالطات والمعطيات غير الدقيقة. على سبيل المثال لم توص اللجنة بإلغاء لقب الأب، وهذا أمر “غير منطقي ولا يفكر فيه أحد عاقل، فكل ما ذكرته اللجنة أنها دعت إلى نقاش بين الأب والأم بعد ولادة إبنهما أو ابنتهما حول إمكانية إضافة لقب الام، وهذا الأمر ليس فيه إشكال ديني أو إجتماعي.

وبقطع النظر كونه جزئي أو مسألة ثانوية، فإن ما أرادت أن توفره اللجنة هو فتح المجال لإعادة الإعتبار ولو بشكل رمزي للأم دون أن يعني ذلك إلزاما لأحد أو تحويل هذا الأمر إلى قانون، وبالتالي لم نخرج عن منطقة الاختيار وإعطاء الفرصة للعائلة بأن تحدد ما تشاء، أو بإمكان الطفل عندما يبلغ سن الرشد أن يقوم بهذا الامر بلفتة منه إلى امه، دون التدخل في اختياراته ولا في اختيارات العائلة”.

وتابع الجورشي في حوار له مع مجلة ميم، أن ما يتعلق بمسألة المهر التي أثير جدل حولها “وكأن اللجنة نطقت كفرا”، فاللجنة لم تلغ المهر ولم تفكر في هذا الأمر أصلا، وبالتالي تركت مسألة المهر مطروحة بين الخطيب وخطيبته.

 

ما شاع وما تداولته صفحات الفايسبوك وحتى بقية وسائل الاعلام يتضمن عديد المغالطات والمعطيات غير الدقيقة

 

وأشار محدثنا إلى أن مسألة الميراث لا تزال محل جدل ونقاش واقتراح، ولم تصل  اللجنة فيه إلى رأي نهائي  وقاطع. ومراجعة مسألة الميراث  اقتضتها اسباب عديدة، من بينها أن المرتكزات الاجتماعية التي استند عليها الميراث في الفقه الإسلامي قد تغيرت بشكل كبير، لأن المرأة التي كانت من قبل غير مجبرة بالنفقة في العائلة أصبحت اليوم فاعلا أساسيا في ميزانية العائلة، وأحيانا تكون المساهم الرئيسي في تنظيم ميزانية الأسرة، وبالتالي عندما تغيرت البينية الاجتماعية أثرت على تغيير بنية العائلة والوظائف والأدوار. وبالتالي من المنطقي أن يكون هناك تفكير في إعادة النظر، حتى لا تكون المرأة مظلومة في حين أن الإسلام جاء لتكريمها ورفع الظلم عنها.

 

وبينما تواصل لجنة الحريات الفردية والمساواة نفي ما يتم تداوله إعلاميا حول المقترحات التي قامت بعرضها على لجنة المرأة بمجلس النواب، اعتبر أساتذة ودكاترة زيتونيين أن هذه المقترحات تتنافى مع مانصت عليه الشريعة الاسلامية.

الدكتورة سماح بن فرح: مقترحات تتنافى مع تعاليم الدين الإسلامي

وبدورها، قالت رئيسة قسم الفقه واصوله بالمعهد العالي للحضارة الاسلامية وأستاذة الفقه والمواريث، الدكتورة سماح بن فرح أن المهر هو فرض في الدين الاسلامي وقد نص القرآن الكريم على ذلك وهو ركن أساسي من أركان الزواج، باسقاطه يفسد العقد ويبطل الزواج.

الدكتورة سماح بن فرح

وشددت الدكتورة بن فرح في تصريح لها لمجلة ميم أن المذاهب الأربعة، لئن اختلفت في مسألة الولي، قد اتفقت على وجوب المهر في عقود الزواج، وما تيسر منه، ووفقا للمذهب المالكي، يجب على الزوج أن يدفع ما مقداره غرام من الذهب لزوجته.

وأشارت الى أن المهر في عقد الزواج هو عربون على المحبة والمودة بين الزوجين، وهو هدية من الزوج الى زوجته.

وحول حرية اختيار النسب، استنكرت الدكتورة سماح هذا المقترح الذي يتنافى بدوره مع تعاليم الدين الاسلامي التي تقتضي أن ينسب الولد إلى أبيه وفقا لما جاء في الآية الكريمة من سورة الأحزاب “ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ”.

وأكدت على أن اسناد لقب الطفل لأبيه هو تشريف له، باعتبار أن النسب يوجب النفقة والحضانة والرعاية، متسائلة حول الغاية من مثل هذه المقترحات، التي تؤثر سلبيا على تركيبة المجتمع، باعتبار أن الولد الغير شرعي، هو فقط من ينسب الى أمه.

 

اسناد لقب الطفل لأبيه هو تشريف له، باعتبار أن النسب يوجب النفقة والحضانة والرعاية

 

وكانت الدكتورة سماح بن فرح، قد توجهت إلى لجنة الحريات الفردية والمساواة بين الجنسين، في فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، حول حرية المساواة في الارث قائلة إنه “لا يوجد اجتهاد في علم المواريث، الذي يعد علما عظيما، ولا يقبل اجتهاد باعتبار أنه علم قرآني عظيم. وقد تولى المولى سبحانه تفصيل جزئيات هذا العلم، وهو علم قطعي، في 3 صفحات في سورة النساء، التي بينت الوارثين الذكور والوارثات النساء، وبينت وضعيات الميراث.”

الدكتورة بثينة الجلاصي: فلتات تشكك فيما هو ثابت وقطعي

وفي حديثها لمجلة ميم، أعربت الدكتورة بثينة الجلاصي وهي أستاذة محاضرة بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة، عن استنكارها لمثل هذه الموجات التي تشكك في كل ماهو قطعي وثابت في الدين الاسلامي، قائلة: “لست أدري لم تهبّ على البلاد العربية الإسلاميّة هذه الموجات أو الفلتات التي تشكك في ماهو ثابت وقطعي في النصّ القرآني. ما ترسخ لدي هو أن هذه الحملات سواء أكانت بقيادة أشخاص أو مؤسسات المجتمع المدني لا تعدو أن تكون تسلية للشعوب المسلمة وتلهية لها عن الشأن السياسي والوضع الوطني أو القطري أو الاقليمي.

 

المرأة على العكس مما رسخ في الأذهان هي مستفيدة من أحكام الميراث، لأنها في حالات كثيرة تنال أكثر من الرجل. قضية التناصف هذه مخالفة لما هو ثابت

 

الدكتورة بثينة الجلاصي

وأكدت الدكتورة بثينة، على أن الإسلام رسّخ القيم الكونية والإنسانية واحترام متطلعات المدنيّة وآفاقها منذ أن أعلن الرسول عليه السلام صحيفة المدينة واحترم فيها مبادئ التعايش الاجتماعي.

وحول المساواة في الميراث، اعتبرت الدكتورة الجلاصي أن ما وقع من “اقرار التناصف في الميراث في لجنة الحريات الشخصية  وان كان اختياريا مخالفا لمنطوق القرآن وقطعية الدلالة وثبوتها فيه وقد أجاب عن هذا الأمر المتخصصون في علم المواريث والفرائض وبينوا الحالات التي تنال فيها المرأة نصف الميراث كما بينوا أنّ المرأة على العكس مما رسخ في الأذهان هي مستفيدة من هذا الحكم، لأنها في حالات كثيرة تنال أكثر من الرجل فقضية التناصف هذه مخالفة حتما لما هو ثابت. ورغم أن الاجتهاد مطلوب في الشريعة، إلا انه محكوم بشروط والا أصبح فوضى وأصبح كل من هبّ ودبّ مجتهدا دون دراية وعلم.”

وأضافت “على هذا الأساس، يبقى الاجتهاد فيما هو ظنيّ يقبل الاحتمالات ويفتح باب التأويلات ولا يمكن بأي حال ان نتطاول على أحكام القرآن الثابتة لأن الانسان قاصر عن معرفة الحكمة الإلهية التي تحدث عنها أغلب علماء الكلام والتصوف والفقه  والفلسفة”.

وفاء الحكيري وثريا القاسمي

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.