مجتمعالرئيسي

الانقطاع المدرسي: أزمة المدرسة والمجتمع وارتداداتها الحادة

إلى أي مدى يجوز القول ان الانقطاع المدرسي لا يعكس فقط أزمة المدرسة وإنما أزمة بيئة حاضنة لظاهرة الانقطاع؟

شهد سلامة- مجلة ميم

إن الانقطاع الدراسي ظاهرة اجتماعية كونية وهي تكتسب أولية قصوى في دول العالم، باعتبار ان هذه الظاهرة تعد احد العوامل المعيقة لتأهيل الثروة البشرية في زمن تمثل فيه القوى العاملة المؤهلة شرطا ضروريا لتطوير أي مجتمع وتقدمه.

وهي أيضا ظاهرة يوليها الباحثون أهمية كبرى بسبب تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع  وتتصل  بالمدرسة والأسرة والتلميذ كعوامل رئيسية ذات صلة بظاهرة الانقطاع الدراسي.

أما بالنسبة إلى مجتمعاتنا العربية، فما فتئت ظاهرة الانقطاع عن الدراسة، أو ما يعرف لدى الخبراء بالتسرب من المدرسة، تتفاقم. ولها  تأثير على التركيبة  والوظائف الاجتماعية وتؤدي أحيانا إلى كوارث  خطيرة، فبالإضافة  إلى المسار المدرسي الفردي للتلميذ يؤثر التمدرس على المجتمع بأسره.

فالتعليم يبني الأفراد وينحت في أذهانهم القيم والمعارف والمهارات ويعدهم حتى يكونوا مواطنين. ولذلك يترك الانقطاع المدرسي  أثرا  في جوانب اجتماعية  ومؤسساتية عدة  بدءا بالوظائف الاجتماعية وجودة الحياة وصولا إلى نوعية الحياة السياسية في البلد.

 

 

يسهم الانقطاع المدرسي في انتشار الأمية و في تراجع الكفاءات الفكرية والمهنية وتفاقم البطالة وانخفاض  مستوى العيش إلى جانب وتعطيل المصعد الاجتماعي.

وتعد هذه الظاهرة بمثابة المعرقل للتطور الاقتصادي والاجتماعي في بلد ما. كما ترفع في نسبة الانحراف في مجتمع مخصوص وتهدد الأمن العام. وتنجر عنها تبعات مالية إضافية  تصرف على الوقاية من الجريمة ومجابهتها ونفقات العقوبات السجنية.

 

 

وفي المجال العملي،  ينتج عن هذه الظاهرة تدهور المستوى  المهني وانخفاض اليد العاملة المؤهلة وهو ما لا يستجيب لحاجيات المؤسسات. وهو ما يجعل هذه الأخيرة تفقد قدرتها التنافسية وجودة منتوجها ومصالحها. كما تنخفض آفاق التشغيل وتتفاقم البطالة وهذا يولد بالضرورة كارثة تقود إلى الانفجار الاجتماعي.

وتتفاوت القراءات في ظاهرة الانقطاع المدرسي او ما يعرف بالتسرب فواحد يغلب متغير إخفاق نظام التعليم وأخر يركز على التنشئة الاجتماعية المدرسية وثالث يفضل تكثيف بحثه على متغير البيئة الاجتماعية ودورها في استفحال ظاهرة التسرب وازدياد أعدادها وإحصائياتها فالبيئة الاجتماعية الحاضنة تكمل ما لم تقم به المدرسة وهي تعمق الاختلال.

 

 

وهنا يمكن ان نتساءل  إلى أي مدى يجوز القول ان الانقطاع المدرسي لا يعكس فقط أزمة المدرسة وإنما أزمة بيئة حاضنة لظاهرة الانقطاع؟

تتفاقم هذه الظاهرة من سنة الى أخرى في تونس  اذ تصل نسب الانقطاع الى 10 بالمئة في نهاية الاعدادي و11 بالمائة في نهاية الثانوي. كما ان نسب الفتيات المتسربات وصلت في تونس الى حدود  40.7

واذا كان حوالي 88 بالمائة منهم يعتقدون انهم اختاروا مغادرة المدرسة  او المعهد بمحض إرادتهم فإنه من الصعب الحديث عن اتخاذ قرارات مصيرية  بناء عن قناعة او تصور للمستقبل في مثل هذه السن المبكرة.

وإذا كانت المدرسة تحمي التلميذ وتمنحه إطارا يطور داخله معارفه وكذلك شخصيته في مناخ سليم وامن فإن  ترك الفضاء المدرسي  يزيد من مخاطر الانحراف وإدمان المخدرات والكحول.

وإذا كان كل المنقطعين عن الدراسة ليسوا بالضرورة منحرفين فالعكس ليس بالضرورة صحيحا.

لكن هذه الاحتمالية تزيد مع وجود عوامل أخرى متضافرة ومؤثرات خاصة لدى الطفل المتروك لنفسه والفاقد للاستقرار والجامح  والمهمش.

 

 

وعلى هذا الأساس فان المشكلة لا تكمن في المدرسة وطبيعة أدائها فقط وهي لا تتحمل المسؤولية الحصرية وإنما ثمة بيئة سالبة ومتعاضدة. وهذه  بيئة على الرغم من تعدد مكوناتها هي لا تتوفر على راساميل ايجابية.

فالذين يغادرون المدرسة يجدون أنفسهم في ما بعد يتقاضون أجور زهيدة ويمارسون مهن  محفوفة بالمخاطر  وغير مستقرة. كما يتعرض عدد منهم إلى الاستغلال الفاحش من قبل المؤسسات وهذا ما يجعل النسق بأكمله يعاني دون ان ننسى تأثير ذلك على جودة الحياة  والصحة العمومية والصناديق الاجتماعية  باعتبار ان هذا يقود الى مصاريف الإحاطة والرعاية الاجتماعية والصحية مقابل تراجع المساهمة  الجماعية في التمويل.

وتبدو هذه الظاهرة متفشية بشكل كبير في المغرب ومصر بشكل كبير على سبيل المثال،  نظرا للوضع الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية، وهو ما يجعل الطفل يعاضد دخل الأسرة بالعمل وهو في هذه الحالة غالبا ما يكون ضحية الاستغلال والحرمان.

وغالبا ما يمارس الطفل المنقطع عن الدراسة بيع المناديل او مسح الأحذية أما الفتيات فهن يلتحقن بالعمل في البيوت وهو العمل الوحيد تقريبا المتاح لهن وذلك وفق دراسة أجراها الدكتور عبد القادر بوطالب وهو مختص في علم الاجتماع قام ببحوث حول هذه الظاهرة وبين مدى خطورة مغادرة مقاعد الدراسة والالتحاق بالعمل في سن مبكرة.

 

 

إذن تتحكم الظروف الاجتماعية والاقتصادية في التمدرس او الانقطاع. فالتلميذ الفقير او المنحدر من أسرة ممزقة وغير متعلمة أو انقطع احد أفرادها عن التعليم هو مهدد بالضرورة.

ومغادرة المدرسة رهين مداخيل الأسرة وتكوينها وتدخل الأولياء  بالإضافة إلى طبيعة العلاقات القائمة داخل العائلة.

هذا وتعتمد ظاهرة الانقطاع المدرسي أيضا على  عوامل أخرى ديموغرافية ومحلية ومثال ذلك عدد الأطفال بالمقارنة مع قيمة المداخيل والطبقة الاجتماعية والمنطقة الريفية او الحضرية وشبكة المواصلات المتاحة و كذلك البنية التحتية.

 

 

و في المجال العملي  ينتج عن هذه الظاهرة تدهور المستوى  المهني وانخفاض اليد العاملة المؤهلة وهو ما لا يستجيب لحاجيات المؤسسات.

وهو ما يجعل هذه الأخيرة تفقد قدرتها التنافسية وجودة منتوجها ومصالحها.

كما تنخفض آفاق التشغيل وتتفاقم البطالة وهذا يولد بالضرورة كارثة تقود إلى الانفجار الاجتماعي.

فالذين يغادرون المدرسة يجدون أنفسهم في ما بعد يتقاضون أجور زهيدة ويمارسون مهن  محفوفة بالمخاطر  وغير مستقرة. كما يتعرض عدد منهم إلى الاستغلال الفاحش من قبل المؤسسات وهذا ما يجعل النسق بأكمله يعاني دون ان ننسى تأثير ذلك على جودة الحياة  والصحة العمومية والصناديق الاجتماعية  باعتبار ان هذا يقود الى مصاريف الإحاطة والرعاية الاجتماعية والصحية مقابل تراجع المساهمة  الجماعية في التمويل.

 

 

ومن الملاحظ ان  الحلول التقليدية غير قادرة اليوم على مجابهة ظاهرة الانقطاع المدرسي وحل المشاكل المتصلة بها، فلابد من تشريك المجتمع المدني والحركات الاجتماعية. وهو ما أكده  الأستاذ المنصف  وناس  مقترحا مجموعة من التوصيات  في هذا الغرض على غرار تحديد السلسلة السببية لتشخيص الأسباب ثم نظرية للتغيير الاجتماعي وتشجيع الحكومة الرشيدة وتطوير البنية التحتية.

كما أن هناك  جملة من الآليات الفعلية التي يمكن اعتمادها بهدف حمائي لمواجهة هذه الظاهرة ومن هذه الآليات التي أتت أكلها في عديد الدول نذكر خلق خطة المختص النفسي والاجتماعي داخل كل مؤسسة تربوية وإنشاء مجلس تربوي على تواصل مع اسر التلاميذ وتفعيل جدي لدور المرشد الاجتماعي ثم خلق جمعيات مجتمع مدني تعنى بالمجال التربوي مدعمة من الوزارات المعنية.

وعلى الأولياء والمدرسين والإدارة كشف  الإشارات الأولية المنذرة بإمكانية تسرب التلميذ من الدراسة  والتفطن إليها  وهي إحالات  من قبيل الرسوب  المتكرر ونبذ المدرسة او المدرسين او الاثنين معا ثم إظهار الشغب داخل الفصل وتبخيس التربية وإظهار الملل والضجر من الدراسة والتقاعس عن أداء الواجبات المدرسية. وهذه المؤشرات لدى التلميذ يمكن أن تؤدي إلى الانقطاع المدرسي أو تعلن عنه.

لكن معرفة الأسباب ومعالجتها تحتم أحيانا مشاركة فاعلين آخرين ينتمون إلى مجالات مختلفة كالقطاع الطبي والاجتماعي مرورا بالعائلة الموسعة والأصدقاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.