سياسة

اتهام طارق رمضان بالاغتصاب: حلقة أخرى في مسلسل استهداف المفكر الإسلامي المعروف؟

أعلنت السلطات الفرنسية، يوم أمس الخميس 1 فبراير/ شباط، عن تمديد إيقاف المفكر الإسلامي السويسري من أصول مصرية، طارق رمضان (55 عاما)، وذلك بعد أن جرى استدعاؤه للاستجواب في مركز للشرطة يوم الأربعاء في العاصمة الفرنسية باريس، وتم توقيفه في إطار تحقيقات أولية في اتهامات منفصلة بالاغتصاب والاعتداء في فندقين فرنسيين في 2009 و 2012 وجهتها له سيدتان.

ويصرّ رمضان، وهو أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، وحفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حسن البنا، على براءته من كل التهم المنسوبة إليه، ومن تهم أخرى تتداولها الصحافة السويسرية تتعلق باعتداءات جنسية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، قائلا انها ادّعاءات تأتي في إطار “حملة أكاذيب يتعرض لها من قبل خصومه”.

ويحظى طارق رمضان بشعبية واسعة لدى مسلمي أوروبا، فالوجه البارز في النقاشات والمناظرات التلفزيونية الفرنسية، قد سبق له أن اختير ضمن قائمة مجلة “تايمز” للشخصيات الدينية المؤثرة، إضافة إلى منحه لقب “مارتن لوثر الإسلام” من قبل “واشنطن بوست”. كما لعب دورا استشاريا للحكومة البريطانية. فحسب صحيفة التليغراف البريطانية، كان رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، قد اختاره للعمل في لجنة خاصة للمساعدة في التعامل مع التطرف في بريطانيا بعد هجمات 2005 في لندن.

وكان رمضان قد بدأ، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إجازة من جامعة أوكسفورد، على ضوء الاتهامات الموجهة له، وذكر بيان للجامعة أن قرار الإجازة جاء “من خلال اتفاق متبادل” وأن الإجازة “ستتيح لرمضان التركيز على الادعاءات الخطيرة جدا، والموجهة إليه، والتي يعترض عليها بشكل قاطع.”، وأضاف البيان أن الإجازة “لا تعني قبول أي افتراض، أو أي قبول بالشعور بالذنب”.

 

اتهامات هندة العياري

من بين المرأتين المدعيتين الناشطة النسوية الفرنسية الأربعينية من أصول مغاربية، هندة العياري، وهي سلفية سابقة تحولت إلى “مسلمة علمانية” كما تعرف نفسها. 

وقد أصدرت كتابا نشر سنة 2016 باللغة الفرنسية بعنوان “اخترت أن أكون حرّة .. الهرب من السلفية في فرنسا”، روت فيه أن مثقفا إسلاميا اعتدى عليها، ورمزت إليه باسم “الزبير” لتعلن لاحقاً أن المقصود – بحسب زعمها – هو طارق رمضان، وذلك إثر ما كتبته على صفحتها على الفيسبوك.

وقالت العياري في كتابها انها كانت تلتقي رمضان بشكل مستمر للاستماع إلى نصائحه الدينية والاجتماعية، إلى أن كان اللقاء في فندق بباريس في 2012، اللقاء الذي فجّر الأزمة التي أعلنتها وتحدثت عنها في وسائل الإعلام مؤكدة على ما خلفته تلك التجربة من آثار نفسية تمنعها حتى من ذكر اسمه.

 

 

 

ذكرت العياري في كتابها “اخترت أن أكون حرة، وهي تروي مزاعم اغتصابها أن طارق رمضان قد ألقى محاضرة في ذلك اليوم على هامش مؤتمر اتحاد المنظمات الإسلامية في باريس، ومن ثم دعاها إلى غرفته بالفندق، وتقول إنه استفاد من ضعفها ليقوم بمعانقتها وتقبيلها، وعندما تمردت عليه – بحسب روايتها – قام بصفعها بعنف، مضيفة: “لقد صمتت لعدة سنوات خوفاً من الانتقام”، موضحة أنه هددها وأنها كانت خائفة كل هذا الوقت.

هندة العياري

 

عاشت هندة العياري تجربة الالتزام السلفي طيلة 21 سنة منذ سن الثامنة عشرة، قبل أن تقرر “التحرر” وهي في سن التاسعة والثلاثين عقب الهجمات الإرهابية التي وقعت في فرنسا بباريس في 2015، إذ شكّلت لها ردة فعل لمغادرة الحركة السلفية، ومن ثم إصدار كتابها الذي لقي صدى كبيرا لدى وسائل الإعلام الفرنسية، واستضيفت في لقاءات تلفزيونية وصحفية للتحدث عنه.

ورفعت العياري شكوى ضد طارق رمضان في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبعد بضعة أيام على رفعها الدعوى، اتهمت امرأة مقعدة لم يكشف عن اسمها، الأكاديمي باغتصابها بعنف في فندق في مدينة ليون بجنوب شرق فرنسا سنة 2009اتهامات سبق لرمضان تفنيدها على صفحته على فايسبوك وتأكيد كيديتها.

طارق رمضان يردّ

في فيديو منشور له على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب توجيه هندة العياري الاتهامات له باغتصابها، قال طارق رمضان: “حتى يكون الأمر واضحا، وسيتوضح إن شاء الله، لن أتحدث عن هذا الموضوع. فالقضاء هو من سيرد ومحاميّ سيرد”.

من جهته، نفى ياسين بوزرو، محامي طارق رمضان في بيان أصدره في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي – على لسان رمضان -، قطعيا هذه المزاعم، ليعلن أن موكله قدم شكوى “افتراء” أمام مدعي عام الجمهورية في “روان” شمال غرب فرنسا. وقال رمضان إن “شكوى ثانية سترفع خلال الأيام القليلة المقبلة ما دام خصومي قد أطلقوا باتجاهي ماكينة كذب”، مضيفا: “أتعرض منذ أيام عديدة لحملة افتراءات يديرها أعدائي الدائمون”.

 

رمضان: مفكر إسلامي مثير للجدل

رمضان هو أستاذ الدراسات الإسلاميّة المعاصرة في جامعة أوكسفورد، قسم الدراسات الشرقيّة بكلية القديس أنتوني، وأستاذ الأديان وحوار الأديان في قسم الدراسات اللاهوتيّة بنفس الجامعة. كما يعمل أستاذًا زائرًا في كلية الدراسات الإسلاميّة بدولة قطر، وفي الجامعة الماليزيّة “بيرليز”، وباحثًا في جامعة دوشيشا باليابان، كما يرأس مركز الدراسات التشريعيّة والأخلاق بالدوحة.

يعدّ الأكاديمي والوجه الإسلامي البارز في الوسط الأوروبي، طارق رمضان، من أكثر الشخصيات المؤثرة في أوساط الشباب المسلم مع ما تثيره مواقفه من جدل دائم في أوساط المسلمين بسبب رؤيته التجديدية للإسلام.

كما يدعو رمضان مسلمي أوروبا إلى العيش باستقلالية مادية وفكرية عن مسلمي الشرق، وإلى ضرورة الخروج من التقوقع داخل البوتقة الثقافية وفتح فضاءات ثقة مع الآخرين.

 

 

ولا يتوقف الجدل الذي تثيره شخصية طارق رمضان في أوساط المسلمين فحسب، إذ يمتد ذلك إلى الحكومات الغربية، ففي الوقت الذي لجأت فيه الحكومة البريطانية إلى استشارته في علاقاتها مع الجالية المسلمة بعد هجمات لندن عام 2005، حظرت الولايات المتحدة الأمريكية دخوله إلى أراضيها في وقت سابق بدعوى خطر الإرهاب الذي كان لا يتوانى في كل مرة عن التنديد به! فيما مُنع من الكلمة في الجامعات الفرنسية طيلة ثماني سنوات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2003، تناظر رمضان مع نيكولا ساركوزي الذي كان وزيرا للداخلية الفرنسية آنذاك حول الحجاب، كما دخل في مناظرات قوية مع عدد من المثقفين اليهود الفرنسيين واتهمهم فيها بدعمهم المطلق للسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

 

 

اتهام طارق رمضان بالاعتداء الجنسي جاء عقب ما يعرف بـ”فضيحة واينستين” وإطلاق حملة “Me too” الشهيرة، ومع كل ما تقدم فيما يتعلق بشخصية رمضان وتأثيره الشديد في الأوساط الغربية، ممّا يخلق له “أعداء دائمين” على حد تعبيره، يبقى السؤال المطروح، هل ان هذه الادعاءات تأتي فعلا في إطار حملة كيدية هدفها إخماد صوت واحد من أكثر الشخصيات المسلمة الفاعلة والمؤثرة في أوروبا في واقع غربي لا يزال يعيش على وقع الإسلاموفوبيا؟ خصوصا مع ما رافق نشر كتاب “اخترت أن أكون حرّة” لهندة العياري من احتفاء من قبل الإعلام الفرنسي الذي دأب على ترويج كل ما يهاجم الإسلام والجاليات المسلمة، خصوصا الشخصيات الفاعلة منهم.

الوسوم

هزار الفرشيشي

عضو فريق ميم التحريري وناشطة حقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد