مجتمع

هل استطاعت المرأة المصرية شق عُباب الغربة بعد الثورة؟

الثورة المصرية

 

“بعد الإنقلاب العسكري، شعرت بالفرق بين الثورة والحرية، ومشاعر الظلم والقهر والديكتاتورية.. عشت كل هذه التفاصيل في مصر، ما جعلني وأنا هنا في غربتي أنتظر ثورة تعود من جديد”.

بصوت حزين خافت، ومشاعر مضطربة لا ينقصها الصدق؛ تعود “أسماء اسماعيل” بذاكرتها إلى أيام انطلاق الثورة المصرية بتاريخها المحفور في ذاكرة كل مصري اتفق مع مُخرجاتها وظروفها أو اختلف..  25 يناير 2011.

تقول إسماعيل: “عاصرت الثورة منذ بدايتها لغاية عام 2016، شهدت سقوط مبارك، وأحداث رابعة، كنت أشارك في كل مظاهرة تواجه كل من يقف ضد مصلحة الثورة، هذه المظاهرات ساهمت في نيل حقوقنا بالتعديلات الدستورية. كم شعرت بمعاني الثبات وأنا أقف في طابور لأضع صوتي وانتظر النتيجة، حضرنا الاستفتاء وانتخابات مجلس الشعب والشورى وانتخابات الرئاسة… أتذوق لأول مرّة طعم معانٍ مختلفة، لها قيمتها فتمسكنا بها”.

تعيش معترك الغربة مجموعة شابات من مصر، خصوصاً بعد أحداث الإنقلاب على الخيار الديمقراطي؛ فمنهن من هربن خوفاً على أنفسهن من الاعتقال أو مُصادرة حقهن في التعبير عن آرائهن، وأخريات وجدن خارج مصر فضاء رحبا لتحقيق الطموح والعمل، وقد رافقت مجلة “ميم”رحلتهن في تركيا على متن الثورة والغربة.

 

جدوى الثورة المصريّة

بعد مرور سبعة أعوام على انطلاق الثورة المصرية، يحط الرحال على تساؤل؛ هل مازال الإيمان بجدوى الثورة المصرية قائما ويحمل حماس البدايات؟

 

صباح حمامو

 

“مؤمنة بالقيم لكن لم أعد مؤمنة أن الثورة وحدها كفيلة بالتغيير”، هكذا تقول صباح حمامو، وتضيف: “هناك الكثير قبلها وبعدها لابد أن يحدث، الثورة سبيل يحتاج من يسير فيه أن يكون لديه ما هو أكثر من النزول إلى الشارع والاعتصام والصراخ”.

الشابة نادين خليل حديثة العهد بالغربة، وتعاني من قدرتها  على احتمال العبء المادي في تركيا، فلم تجد العمل المناسب. تؤكد إيمانها بالثورة المصرية لأنها -حسب وصفها -: “غيرت في عقولنا وتفكيرنا حتى لو لم يتغير النظام الحاكم، والثورة لم تجلب الخراب، بل فضحت الفساد في الدولة”.

 

نادين خليل

 

تؤمن أسماء إسماعيل بفكرة “الثورة السلمية” التي حدثت في 25 يناير، ولا تأمل بحدوث قتال مُسلّح فقد رأت عواقب الدمار السيئة – كما تصف – في نماذج حيّة ببعض الدول العربية، وتضيف: “لو عاد الزمن لثورة جديدة سننتصر لسلميّة الثورة الموجودة في قلب المصريين”.

غربة

لجأت الشابات المصريات إلى خيار الغربة والاندماج مع مجتمعات جديدة، ناهيك عن اضطرارهن للبحث عن عمل مناسب وسكن مريح تتوفّر فيه معايير الراحة والأمان.

 

منى أبو عمير

 

ترى منى أبو عمير أن تجربة الغربة ليست بالأمر السهل، لكنها مهمّة في تكوين الشخصية، تقول: “الفتيات قويات جداً خاصّة عندما يصررن على أمر يستطعن تجاوز الصعاب”.

تختصر نادين خليل الصعوبات التي تتعرض إليها الفتاة في الغربة في استغلالها ومحاولة سرقتها والنصب خصوصاً عندما لا يكون في رفقتها “رجل”.

“كانت الفترة الأولى صعبة للغاية، لدرجة أنني كنت أحياناً أبكي في سيارة التاكسي التي تقلني مساء لبيتي عندما أفشل في التواصل مع السائق لأصف له الطريق”. هكذا كانت بداية الغربة مع صباح حمامو، تكمل: “الآن لم يعد الأمر كذلك، اسطنبول جزء من قلبي ولا أشعر فيها بغربة، وبالطبع تواجهني مشكلات لا تختلف كثيرا عن المشكلات التي واجهتها في القاهرة أو الولايات المتحدة، كمغتربة أعيش بصورة مستقلة معتمدة على نفسي تماماً، لكن إسطنبول مدينة رحيمة، مؤنسة للروح، تسر العين والقلب لذلك تخف فيها الغربة”.

تجد أسماء إسماعيل غربة الفتاة قسريّة بعد الظروف الطارئة في مصر؛ فقد تكون لديها قضية أو اعتقلت ثم قررت الخروج من البلد بصعوبة خشية تعرّضها للخطر، معايير الغربة تختلف عن تلك التي تحصل في ظروف طبيعية كالسفر بعد عقد عمل أو للزواج أو لتحقيق طموح، مضيفة: “فكرة الاندماج في المجتمعات الجديدة التي نحن فيها ليست سهلة بعد الإرهاق النفسي جراء أحداث مصر، فقد أصبحت لدينا أزمة تواصل مع بعضنا!”.

تؤكد أسماء أن المعاناة تزيد مع استحالة العودة إلى مصر في الوقت الراهن، عدا مسؤوليات العمل والاعتماد على النفس في توفير المصروف الشخصي، وأحياناً قد تُجبر على العمل الشاق لساعات طويلة مرغمة غير مخيّرة.

 

ذكريات 25 يناير

عَلِقت بأذهان المصريين في 25 يناير مشاهد لا تُنسى، فقد كان حدثاً مليئاً بالدهشة والغضب ولا يخلو من أحلام الحرية والعدالة، لكنهم لم يدركوا حينها ما المآلات المُرتقبة..

تستذكر منى أبو عمير وقائع تلك الأيام فتقول: “ذكرياتي في الثورة متمثلة في أحداث كوبري قصر النيل يوم 28 يناير، وأنا أُشاهد لأول مرة ناس دمها يسيح قدام عيني، وناس تموت، وأصدقاء فقدوا عينيهم”، تضيف: “لا أنسى ضربي ذات مرة من قبل العساكر وتوجيه السلاح في وجهي حتى فقدت الوعي”.

أما نادين خليل فتقول: “كنت في مرحلة الثانوية العامة بداية ثورة يناير، وشاركت فيها في اليوم الثامن والعشرين من يناير لمساعدة أختي الطبيبة في إسعاف المصابين في ميدان التحرير، مشهد المصابين أثّر فيّ جدا ولم أعرف كيف أساعدهم”، تكمل حديثها عن لحظة التحول التي صنعها هذا المشهد: “شعرت أنني ممكن أموت في أي لحظة، فبدأت بالالتزام دينيّاً وذهبت إلى المسجد وتعلّمت الإسعافات الأولية ثم بدأت الاهتمام بالسياسة”.

تعتقد صباح حمامو أنه رغم الصراع في الثورة المصريّة إلا أنها كانت لحظة حقيقية، ليس بها زيف أو خوف، تقول لـ”ميم”: “ذكريات يناير كثيرة، عشت الثورة منذ اللحظة الأولى ولا يمكن أن أصفها في عبارات قصيرة. رغم قسوة ما قبلها وما بعدها، لكنها الفترة الوحيدة في حياتي التي تنفست فيها الحياة الحقيقية”.

سرحت أسماء إسماعيل بعيداً وهي تعيد شريط ذكريات ثورة يناير، وأكثر ما عَلق في ذهنها ضياع صورها التي توثّقت فيها أحداث الثورة بعد اقتحام الأمن العسكري منزلها بعد الانقلاب والاستيلاء على جهازها “اللابتوب”، تقول: “لم تبق لديّ صورة واحد أحيي بها ذكرى الثورة!”.

مشهد آخر علق في ذاكرة إسماعيل في طريق عودتها إلى منزلها في الشرقية (تبعد عن القاهرة ساعتين ونصف) عبر القطار، إذ تقول: “سمعنا خبر تنحي مبارك، اهتز القطار من فرحة الناس العظيمة وشدّة حركتهم بتلقي الخبر، وأنا لم أعرف حينها هل أضحك بالخبر السعيد أم أحزن، فقد كنت قبلها بساعة بميدان التحرير وضاع منّي الاحتفال مع الآخرين بهذه اللحظة”.

وتشيد إسماعيل بفضل الثورة في اختلاطها مع مجتمع واسع جديد يضم مختلف الأطياف ووجهات النظر بعد أن كانت تدور في محيطها الخاص المُتجانس بالأفكار.

الوسوم

آلاء الرشيد

كاتبة صحفية من سوريا

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق