مجتمع

من بحاجة إلى الآخر : الحكومات أم نساء الأرياف؟

 

منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول من كل سنة يحتفل العالم بربع مجموع سكان العالم، وهن النساء الريفيات. في هذا اليوم يعترف العالم بمجهود الملايين منهن في توفير غذاء و طعام شعوب بأكملها. لا تكلّ هذه النساء من العمل والعطاء رغم ظروف العمل القاسية والظالمة في كثير من المجتمعات. إذ تمثل النساء 43 في المائة من القوة العاملة الزراعية.

تتعرض المرأة الريفية لحيف اجتماعي مقيت على اختلاف المجتمعات العالمية وخاصة الدول الفقيرة والنامية، تجدها تكد لساعات طويلة في الأرض والبيت، تتنقل كيلومترات بحثا عن الماء لعائلتها زمن الجفاف، تواجه ويلات المجاعة والفقر والحروب والأمية. لكنها في المقابل لا تلقى اهتماما من الحكومات والدول ولا تذكر حقوقها إلا في بعض المواسم أو عند حصول حوادث تودي بحياة العشرات منهن، بعدها يعود الصمت عن حقوقها و تُنسى في زحمة الملفات و أولويات السلطة.

 رغم أن الدراسات تشير إلى أن سد الفجوة بين الجنسين، في قطاع الفلاحة، من شأنه أن يزيد الإنتاج بنسبة تتراوح بين 20 و 30 بالمائة ويرفع مجموع الإنتاج الزراعي في الدول النامية إلى ما يقارب الـ 4 في المائة ويقلل من نسبة الجياع في العالم بنسبة 17 في المائة.

تشير تقارير أممية إلى أن خلاص العالم من الجوع يمر حتما عبر تحسين ظروف المرأة العاملة في القطاع الزراعي، و تمكينها من مختلف آليات التشجيع للتقدم في هذا المجال، فيما نشرت منظمة الأغذية والزراعة أنه لو تمكنت النساء المزارعات من الحصول على نفس الإمكانيات والمصادر المتاحة للرجال المزارعين، لنقص عدد المحتاجين للغذاء في العالم بـ 150 مليون شخصا.

 

 

فالأرياف تتمتع بإمكانات هائلة لتحقيق النمو الاقتصادي المرتبط بإنتاج الأغذية والقطاعات ذات الصلة. ومع وجود غالبية فقراء وجوعى العالم في هذه المناطق، فإن تحقيق خطة التنمية لعام 2030 سيتوقف على إطلاق العنان لهذه الإمكانات المهملة.

كما يبلغ المتوسط العالمي لمساهمة المرأة في إنتاج الغذاء 50 في المائة، حسب منظمة الأغذية والزراعة العالمية، لكن في بعض الدول الافريقية تزرع النساء ما بين 80 و90 في المائة، من المواد الغذائية، خاصة في دول جنوب الصحراء.

 

توفر الغذاء لكنها جائعة

وفي تونس، وحسب إحصائيات رسمية، تمثل المرأة الريفية ما يزيد عن 32 بالمائة من مجمل النساء، و50.4 في المائة من السكان في الوسط الريفي. وتساهم بـ 70 بالمائة من العاملين في القطاع الفلاحي وتتجاوز هذه النسبة 90 بالمائة في الأعمال الفلاحية الموسمية، كغراسة و جني الخضر و الغلال.ولا تتجاوز نسبة النساء المالكات للأراضي 6 في المائة.

وتضيف الإحصائيات أن 10.3 في المائة من العاملات في الأرياف هن ضحايا حوادث شغل وأن 62.3 في المائة يشتغلن في ظروف صعبة. وتتراوح أعمارهن بين 16 و 82  سنة.

أما في مصر فإن المرأة الريفية تمثل 48 بالمائة من حجم اليد العاملة، وتقوم بما يقارب 75 بالمائة من حجم العمل المبذول في الزراعة، لكنها لا تحصل سوى على 10 بالمائة من المداخيل الفلاحية و الأرباح.

 

 

كما أن حوالي 71 بالمائة من هؤلاء النسوة لا يحصلن على أي أجر مقابل عملهن، لأنهن يشتغلن في مزارع عائلية، يتولى فيها الرجل البيع والشراء و تحصيل الأرباح، فيما تتولى هي البذر والجني دون أي مقابل مادي.

ومن خلال دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ، فان 87 بالمائة من ساعات العمل في الزراعة تقوم بها المرأة الفلسطينية، وهو ما يعادل 70 بالمائة من الإنتاج الغذائي الذي يستهلكه المجتمع الفلسطيني. وتشتغل أغلب هاته النسوة في أراضي يملكها أزواجهن وأسرهن. أما في الأردن، تشارك المرأة بنسبة تتراوح ما بين 40 إلى 75 بالمائة  في مجال الإنتاج النباتي، وتصل إلى 100 بالمائة في مجال الإنتا

ج الحيواني، فيما لا تملك من الأراضي الزراعية سوى 4.5 بالمائة، ومن آلات الري و الآلات الزراعية سوى 1.8 بالمائة.

 

في المقابل، هذه الجهود من المزارعات لتوفير الغذاء للعالم تواجه النساء خطر الجوع  فخلال سنة 2016 انضاف إلى العالم 38 مليون جائع أغلبهم من النساء. من خلال تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” لسنة 2017 . إذ أشار التقرير إلى أن انعدام الأمن الغذائي كان منتشرا لدى النساء أكثر من الرجال، مما أدى إلى إصابة 33 في المائة من النساء في العالم بفقر الدم، النسبة الأهم منهن في المناطق الريفية الفقيرة. وتعاني 613 مليون امرأة من هذا المرض تتراوح أعمارهن بين 15 و49 سنة . ويتجاوز هذا المعدل في كل من إفريقيا وآسيا 35 في المائة .

على الحكومات في مختلف أقطار العالم أن تنتبه إلى أنها بحاجة إلى نساء الريف وليس العكس. فماذا لو توقفت المزارعات في أفريقيا أو آسيا عن العمل في الحقول لشهر أو اثنين؟ عندها ماذا سيحل بسوق الغذاء العالمي؟ 

الحقيقة هي أن المرأة الريفية عنصر قوة وليست عنصر ضعف، والاستثمار في قدراتها وتمليكها الأراضي والمشاريع الفلاحية لن يعود بالمنفعة عليها فقط، و إنما على العالم كله.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد