سياسة

من الأسواق إلى التاريخ المشترك.. إحياء الفرنكفونية في خطاب ماكرون للتونسيين

سياسة

 

خاطب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التونسيين قائلا: “أنتم أمّة عظيمة”. ومضى أبعد من ذلك في حديثه عن القيم فأشار إلى أنّ تونس ألغت العبودية قبل فرنسا بعامين.

واستخدم ماكرون في كلماته أمام نواب الشعب التونسي يوم الخميس 1 فبراير/ شباط 2018 معجما من مجالات التاريخ واللغة والقيم، وزاد عليها شحنة عاطفية فمدح “الربيع التونسي الرائع” وذكّر بـ”التاريخ المشترك” و”اللحظات العظيمة واللحظات القاتمة”. وختم خطابه مؤكدا أنّ “متواضع” ودعا إلى تأسيس “مستقبل مشترك”.

ومارس الرئيس الفرنسي النقد الذاتي، فاعترف بأنّ فرنسا تركت ليبيا للمجهول سنة 2011 وأنّ ذلك هو ما عرّض تونس للمخاطر.

لقد كان المحور الاقتصادي، الذي يكون عادة محور تطلعات الحكومات من الزيارات الرسمية، ثانويا بالنسبة إلى ماكرون وهو يتحدث لنحو ساعة تحت قبة البرلمان التونسي. وخصص لهذا الملف جلسة استقباله بقصر قرطاج عقب وصوله مساء الأربعاء، حيث أعلن عن حزمة التعهدات الفرنسية تجاه تونس، وتضمنت ضخ مساعدات تفوق 8ر1 مليار يورو حتى عام 2022 لدعم الديمقراطية الناشئة.

من الأسواق إلى المصلحة المشتركة

كانت فرنسا بقيادة ساركوزي قد أطلقت مشروع “الاتحاد من أجل المتوسط” بعد أن تقلصت مكانتها وضعف وزنها الأوروبي مقابل تصاعد وزن ألمانيا وبريطانيا من الناحية المالية والعسكرية والسياسية.

لذلك شرعت فرنسا في استعادة مكانتها بالعودة إلى مستعمراتها السابقة، فتحا للأسواق وتوسيعا للمجال الفرنسي في المنطقة. وكان هذا التوجه محكوما بالعقلية الاستعمارية عند اليمين الفرنسي. فتحرك ساركوزي، وحتى هولاند اليساري، من بعده، في المنطقة كممثل تجاري، فكلما تنقل فتح أسواقا جديدة وأبرم صفقات حرص فيها على ضمان حركة نقل الأنشطة الاقتصادية الفرنسية التي تعاني من صعوبات.

وقد حرصت الزيارات المتتالية لرؤساء فرنسا للمنطقة على إبرام الاتفاقيات الأمنية والمساعدات المالية التي تجعل من بلدان الجنوب “حارسا” للسواحل الأوروبية من موجات الهجرة غير الشرعية.

ولم يتردّد بلد مثل تونس، كان يرزح تحت الاستبداد عن إبرام أي اتفاقية تضمن الاستقرار السياسي والدعم الدولي للنظام القائم، وذلك في ظلّ ضعف الحركات الاجتماعية وغياب رأي عام داخلي ضاغط.

ولا تزال مخلفات التخوفات قائمة في تونس من مخلفات اتفاقيات ستدخل حيز النفاذ مثل اتفاق التبادل الحر الشامل “أليكا”، وهي اتفاقية أبرمت عندما كان النظام فاقدا للشرعية السياسية والشعبية.

لكنّ مانويل ماكرون يدرك اليوم أنّ الإرادة الشعبية في تونس بعد الثورة، أصبح لها حساب في القدرة التفاوضية. فقال أمام نواب الشعب التونسي إنّ “الحلول تأتي من الشعوب وتونس نموذج لذلك”، وأضاف: “لقد ولّى الزمن الذي أملي فيه عليكم، أنا أودّ أن أدعوكم للحديث عن مشروعات مشتركة”، ودعا إلى “سياسة متوسطية نقوم بتصميمها معا”.

وتحدث ماكرون عن المستقبل بـ”نون” الجمع، فقال: “نقرّر معًا” و”علينا اتخاذ سياسات مشتركة”، وحضرت الشحنة الإيديولوحية والعاطفية عندما تحدث عن التاريخ فقال: “لدينا تاريخ مشترك فيه لحظات عظيمة ولحظات قاتمة.. لدينا لغة نتشاركها، وهي تمثل نقطة قوّة”.

مشروع الفرنكفونية

حث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على تطوير الفرنكوفونية لتعزيز فرص الشباب التونسي. وقال في لقائه مع نظيره التونسي الباجى قايد السبسي: “من المهم أن تبقى اللغتان متصلتين. لهذا أشجع على تطوير الفرنكوفونية وأن يكون لأبناء تونس مصدرا للثروة”.

وفي برنامج زيارة ماكرون لتونس، تدشين مقر لمؤسسة “أليانس فرانسيز” بتونس العاصمة، وهي منظمة ثقافية دولية فرنسية تعنى بتعليم اللغة الفرنسية. كما سيتم بناء خمسة مراكز أخرى للمنظمة في تونس لـ”تعزيز فرص التعاون في مجال التعليم والبحوث والتبادل الأكاديمي”. وأعلن ماكرون أنه يجري التحضير لقمة الفرنكوفونية بتونس عام 2020.

وكان وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، أطلق مبادرة قبل أسبوع تتعلق بوضع استشارة حول مستقبل الفرنكوفونية، باعتبارها إحدى أولويات السياسة الفرنسية في عهدة الرئيس إيمانويل ماكرون.

وفي خطابه أمام النواب التونسيين قال ماكرون إنّ “الفرنكفونية ليست مشروعا فرنسيا، فتونس هي من البلدان التي حملت الفرنكفونية، فهي ملك لهذا البلد”. وبدا على ماكرون الحماس وهو يتطرق إلى هذا المشروع، فرسم بيديه المجال الفرنكفوني وهو يتحدث عن الجغرافيا وذكر نهر الكونغو والكاريبي والمحيط الهادي.. ثم قال مبشّرا بمشروعه: “أتمنّى أن تحيا الفرنكفونية في بلادكم”.

وقد مثلت الفرنكفونية نقطة محورية في خطابه في البرلمان التونسي، فنبّه في مستهل كلمته إلى أنّه سيخصص حيّزا للموضوع. وهو أمر متوقع باعتبار أنّ مستقبل الفرنكوفونية هو إحدى أولويات السياسة الفرنسية الجديدة، بقيادة ماكرون، الذي ستكون السنغال محطته الثانية بعد تونس، في إطار الترويج لمشروعه.

ويضع مشروع إحياء الفرنكفونية زيارة ماكرون في سياقها المركزي، الذي تسعى عبره فرنسا لاستعادة مجالها الإفريقي الذي تراجعت فيه بالتغلغل العسكري الأمريكي والشركات الصينية العملاقة والتجار الأتراك. إنّها عودة فرنسا لمستعمراتها بعنوان روابط التاريخ والقيم واللغة المشتركة.

ولئن مارس ماكرون النقد الذاتي، وذكر اللحظات القاتمة للاستعمار، فإنّ مقرّ إلقاء كلمته يذكّر بتلك “اللحظات” التي دامت 75 عاما. فقد ألقى ماكرون كلمته في مدينة باردو بتونس العاصمة، تحت قبة البرلمان على بعد أمتار من قصر السعيد الذي وُقّعت فيه معاهدة باردو يوم 12  مايو/ أيار 1881 بين حكومة فرنسا وباي تونس محمد الصادق باي، وتم بمقتضاها تكريس “نظام الحماية”، وتدشينا لمرحلة الاستعمار الفرنسي لتونس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد