سياسةغير مصنف

في النيوورك تايمز: مقال لوزير إسرائيلي يصف الناشطين ضمن حركة المقاطعة لإسرائيل “بجنود العدو” ويشبههم بالنازيين

ترجمة مجلة ميم

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” في افتتاحيتها مقال رأي لوزير التعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، الذي سعى من خلاله إلى “توعية العالم بشأن الناشطين ضمن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات”. وقد وصف بينيت الناشطين “بجنود العدو”، في حين شبههم، بأسلوب مبطن، بالنازيين. 

 

في الواقع، عمد هذا الرجل في مناسبة سابقة إلى تشبيه الفلسطينيين “بالشظايا المغروسة في المؤخرة”، كما لم يتوان عن الاعتراف بأنه قد قتل الكثير من العرب وأن ذلك لا يمثل له مشكلة البتة”. وقد ابتكر نفتالي بينيت مؤخرا مصطلح “المعاداة الذاتية للسامية”، على اعتباره بديلا جديدا لـعبارة  “اليهودي الكاره لنفسه” (للتشنيع باليهود الذين ينتقدون ممارسات اسرائيل)، في حين طالب بسجن كل من عهد التميمي وابنة عمها نور مدى الحياة بسبب صفعهما  للجنود الإسرائيليين.

تم نشر هذه المقالة في افتتاحية عمود مقالات الرأي تحت عنوان “بلادي تمنع الأعداء من الدخول. فهل ستقوم بلدك بالأمر ذاته؟”. و يعتبر هذا البيان نوعا من التحريض غير الصريح والخطير.

 

الزير الإسرائيلي نفتالي بينيت

يسعى نفتالي بينيت إلى تبرير وتبرئة عمليات الحظر الذي فرضته إسرائيل على  منظمات مختلفة، بما في ذلك منظمة  صوت اليهود من أجل السلام. ويعزى ذلك إلى دعم هذه المنظمة المدني والسلمي والديمقراطي  للفلسطينيين، من خلال مساندة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، التي اعتبرها بينيت “عدوا جديدا”  “يشكل تهديدا خطيرا على الدولة اليهودية” على الرغم من افتقاره “للدبابات والصواريخ”.

وفي إطار تعليله لطبيعة هذا الحظر وصف بينيت الناشطين في حركة المقاطعة “بجنود العدو”، مؤكدا من خلال مقاله أن “المنطق الذي تستند إليه هذه السياسة الجديدة يعتبر سليما، فنحن لن نرحب بجنود العدو في أراضينا.  وإذا كنت تعمل جاهدا من أجل تدميرنا، وهذا بالتأكيد ما يفعله هؤلاء الأفراد، فلا يمكنك أن تزور وطننا”.

لقد أقر بينيت في وقت سابق بأن هؤلاء الجنود لا يحملون أسلحة. وبالتالي، وحتى بالنسبة لبينيت، يعد هؤلاء الناشطين ببساطة  “جنودا أيديولوجيين” يستمدون قوتهم من أفكارهم السياسية، أي أن تحركاتهم تستند فقط إلى مبدأ الديمقراطية.

 

في الوقت الراهن، يعمل نفتالي بينيت على دحض الاتهامات التي تحيل إلى أن هذا الحظر شامل وقد طال العديد من الجماعات بعينها. ولكن المشكلة تتمثل في أن هذا الأمر صحيح فعلا. وبالتالي، يحتاج بينيت إلى اللجوء إلى المغالطة البهلوانية حتى يتمكن من إقناعنا بالعكس. وفي هذا السياق، أورد بينيت أن “البعض يعتبرون أن هذه السياسة الجديدة نوعا من الحظر الشامل لبعض المجموعات. ولكن حركة المقاطعة تعتبر حالة مختلفة، وذلك يعود للأكاذيب التي تنشرها. يتيح القانون لسلطات الهجرة خيار حظر الأفراد، إلا أنهم ليسوا مجبرين على القيام بذلك”.

 

من خلال هذا التصريح، يقترح بينيت أن سلطات الهجرة تستطيع، بموجب هذا القانون، حظر الأفراد الذين ينتمون إلى بعض المنظمات، ولكن ليسوا مجبرين على فعل ذلك. ولكن إذا سمح القانون بفعل أمر ما فعلى الأغلب سيتم تطبيقه، علما وأن هذا القانون مصدره المشرعون بالضرورة.

من جهته، يحاول بينيت بشدة التأكيد على أن المشرعين ليسوا مذنبين، لأن الأفراد الذين ينتمون إلى سلطات الهجرة مسؤولون، في نهاية المطاف، عن اتخاذ القرار الذي سيحدد ما إذا كان القانون سيطبق أم لا. ويعتبر هذا التصرف مخادعا بشكل واضح. عموما، لا يمكن أن يدحض هذا التصريح المتحيز الادعاء الذي يصنف هذه الممارسات على اعتبارها حظرا شاملا، في حين أن أسلوب بينيت  المخادع في شرح كيفية تطبيق هذا الحظر، لا يشير إلى حقيقة أنه يعد شاملا لمختلف أعضاء هذه المنظمات. سواء كان مسؤول الهجرة يقرر تطبيق القانون أم لا، وفقا لادعاءات بينيت، يعد هذا القانون غير منطقي في علاقته بالطريقة التي يطبق بها الحظر على هذه المنظمات. في الواقع، يعد القانون شاملا في هذه الحالة. نتيجة لذلك، يمكن القول إن حركة المقاطعة لا تنشر الأكاذيب مثلما ادعى بينيت، بل إن بينيت نفسه يعمل على ينشرها.

 

المتعاونون مع النازيين

في الواقع، يعمل بينيت على بناء قضية مزدوجة لتبرير الحظر. وقد عمد في البداية إلى استهداف الأمريكيين، أملا في تفهمهم لهذا القرار، الذي يفترض أنه قد وقع اتخاذ قرار مماثل في بلادهم. إلى جانب ذلك، عمل بينيت على المساواة بين الناشطين ضمن حركة المقاطعة والنازيين. وفي هذا الصدد، وفي مقاله الذي نشرته نيويورك تايمز، أفاد نفتالي بينيت أن “هذه هي الحقيقة: إن الإجراءات المماثلة تعتبر ممارسات شائعة في معظم البلدان الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، تقدم الولايات المتحدة نموذج أي ـ 94 دبليو الصادر عن وزارة الأمن الداخلي لزوارها حتى تعرف ما إذا كانوا من أصحاب السوابق العدلية أو متورطين في قضايا تجسس أو ساعدوا ألمانيا النازية. وإذا كانت الإجابة على أي من هذه الأسئلة إيجابية، على الأرجح لن يسمح لذلك الشخص بدخول البلاد. وقد استمدت إسرائيل قرارها انطلاقا من المبادئ ذاتها”.

في المقابل، لا يعد الناشطون في حركة المقاطعة مجرمين أو جواسيس ولا يشاركون في أي نشاط من هذا القبيل، نظرا لأن مثل هذه الأنشطة لا تمت بصلة لطبيعة ما يقومون به في إطار هذه الحركة. في الأثناء، يتمثل عنصر المقارنة الوحيد المتبقي، الذي من شأنه أن يرتبط ظاهريا بالناشطين في حركة المقاطعة في التعاون النازي. بناء على ذلك، يقترح بينيت أن هؤلاء الأفراد بصدد التعاون مع النازيين.

التحريض ضد عمر البرغوثي

يعد التحريض ضد عمر البرغوثي، أحد الأعضاء المؤسسين لحركة المقاطعة، بمثابة منهجية وطنية في إسرائيل. في سنة 2016، دعا وزير النقل الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، خلال مؤتمر لمكافحة القرصنة الذي ترعاه صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، إلى “التصفية المدنية” لقادة الحركة، مركزا على البرغوثي. في الحقيقة، تعد عبارة “التصفية المدنية” مثالا على التلاعب بالمصطلحات من قبل الإسرائيليين، حيث تفضي إلى التصفية الجسدية. ومع إضافة عبارة “المدنية”، يكتسب الأمر طابعا مدنيا… وفي الأثناء، طالب وزير الداخلية أرييه درعي بإلغاء تصريح إقامة البرغوثي.

من جانب آخر، ولدعم قضيته بشأن “جنود العدو”، عمد نفتالي بينيت إلى الاستشهاد بجزء من تصريحات البرغوثي، بغية تقديم ما يفترض أن يكون دليلا قاطعا ليثبت أن حركة المقاطعة تهدف إلى “القضاء على إسرائيل”، وليس تغيير سياساتها.

وفي هذا السياق، قال بينيت، إن “عمر البرغوثي، أحد مؤسسي الحركة قد جعل نواياه واضحة”، ناقلا البيان التالي عن البرغوثي: “نحن نعارض بكل تأكيد قيام دولة يهودية في أي جزء من فلسطين. لن يقبل أي فلسطيني عاقل ويدين بالولاء لأرضه وجود دولة يهودية في فلسطين”. وقد علق بينيت على هذا التصريح قائلا: “بعبارة أخرى، لا يحاول قادة الحركة أنفسهم إخفاء حقيقة أن هدفهم ليس تغيير السياسة الإسرائيلية، بل القضاء على البلاد”.

عمر البرغوثي، عضو الهيئة التأسيسية لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات

ولكن ما الذي يعنيه البرغوثي حقا؟ سيبدو هذا التصريح بسيطا وصريحا إذا وضع في سياقه. في الواقع، يسعى البرغوثي إلى الفصل بين الدولة والدين، كما أنه يعارض تصنيف الدول على اعتبارها دولة مسلمة أو مسيحية.

وفي هذا الشأن، أقر البرغوثي بأنه “لا يمكن للدولة اليهودية في فلسطين بأي شكل أو صيغة إلا أن تتعارض مع الحقوق الأساسية للسكان الفلسطينيين الأصليين وتعمل على ترسيخ نظام التمييز العنصري الذي يجب معارضته بشكل قاطع. كما نعارض وجود ” دولة مسلمة” أو “دولة مسيحية “، أو أي نوع من الدول الإقصائية. نحن نعارض بكل تأكيد قيام دولة يهودية في أي جزء من فلسطين. لن يقبل أي فلسطيني عاقل ويدين بالولاء لأرضه وجود دولة يهودية في فلسطين”.

في الواقع، تعتبر هذه المطالب منطقية للغاية. وفي الأثناء، يدعو البرغوثي إلى إقامة دولة ديمقراطية وغير إقصائية. ولكن تم اقتباس جزء من تصريحاته فقط، علما وأن ذلك يندرج ضمن الممارسات الاعتيادية من قبل الصهاينة الذين يسعون إلى تأويل كلامه على اعتبار أنه ينادي إلى”القضاء على إسرائيل”. في الحقيقة، يعارض البرغوثي الصهيونية. وفيما يلي فيديو يعرض تصريحات البرغوثي دون حذف، على الرغم من أن مصادر صهيونية أخرى حذفت الجزء الحاسم من الاقتباس، كما فعل بينيت.

 


بالنسبة للكثيرين، قد يمثل الاقتباس الجزئي من تصريحات البرغوثي، الذي استشهد به نفتالي بينيت دليلا قاطعا على أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات تهدف إلى “القضاء على البلاد”. أما العديد من الصهاينة، وبغض النظر عن التوضيحات الإضافية التي قدمتها إلى جانب الاقتباس، سيعتبرون ذلك غير مجد وبلا معنى إلى حد ما، لأنهم سينظرون إليها على اعتبارها مجرد إضافة لتصحيح موقف سياسي.

ويعزى ذلك إلى أن الدعاية الصهيونية نجحت في ترسيخ مفهوم في أذهان الكثيرين مفاده أنه إذا لم توجد “دولة يهودية”، فسيكون مصيرهم الدمار والاستبعاد والموت. ومن خلال هذا الأسلوب، نجحت الصهيونية في تأكيد ذاتها على أنها مشروع إنساني للبقاء على قيد الحياة. وبالتالي، سيكون إما الصهيونية أو لا شيء.

 

زعيم صهيوني سابق أكد وجهة نظر البرغوثي

في حقيقة الأمر، تمكنت بعض الشخصيات الإسرائيلية من النجاة من غسيل الدماغ الصهيوني. وبعض هؤلاء الأشخاص يعدون من اليهود الذين كانوا بدورهم قادة صهيونيين سابقين. وعلى الرغم من أن ذلك أمر نادر، إلا أنه يحدث أحيانا، كما يمكن أن تكون مبرراته لافتة للانتباه. وقد حدث هذا الأمر مع هنري سيغمان، علما وأن تجربته قد وقع تغطيتها مؤخرا على هذا الموقع.

كان سيغمان، وهو أحد الناجين من المحرقة، الذي شارف على التسعين من عمره، صهيونيا، ورئيسا للمؤتمر اليهودي العالمي. وقد طالب سيغمان في مقاله الأخير في الناشيونال، تحت عنوان “تداعيات حيلة الرئيس ترامب بشأن القدس”، المؤسسة الأمريكية واليهودية، التي يعتبر عضوا فيها، بإعلان أن خيار حل الدولتين قد انتهى ودمر.

 

في الوقت ذاته، دعا سيغمان الأمريكيين اليهود إلى التخلي عن تعلقهم بالصهيونية لأنها حبر على ورق، التي لا تختلف عن تأسيس دولة مسيحية في الولايات المتحدة. وأكد سيغمان أن اليهود يجب أن يستعد لمستقبل تعزل فيه إسرائيل على اعتبارها دولة منبوذة، في حين سيشهد العالم “هجرة كبيرة ليهود إسرائيل”.

 

ويؤيد هنري سيغمان النضال الفلسطيني من أجل المساواة في الحقوق، حيث صرح، أنه “هذا هو الخيار الصحيح. نضالهم من أجل دولة خاصة بهم لن يكلل بالنجاح، في حين أن الكفاح من أجل الحفاظ على نظام الفصل العنصري يعتبر أمرا لن تتمكن إسرائيل من تحقيقه”.

تمثل تصريحات هنري سيغمان صفعة في وجه الادعاءات التي ما فتئ بينيت يكررها بشأن حركة المقاطعة والبرغوثي. وفي هذا السياق، لا بد لي من أن أضيف أن حركة المقاطعة لا تدعو بالضرورة إلى حل الدولتين أو دولة واحدة، بل هي في الواقع لا تؤمن بتلك الفكرة رسميا.

في الواقع، ما يزعج حركة المقاطعة فعلا أن انتهاك إسرائيل للقانون الدولي وسياسات الفصل العنصري والتطهير العرقي لا تقتصر على الأراضي التي تسيطر عليها منذ سنة 1967 إلى الآن. ففي الغالب، تنتشر هذه السياسات في جميع أنحاء إسرائيل. وعلى أي حال، لا تهتم إسرائيل حقيقة ما إذا كان المرء قد قاطعها “انتقائيا” (أي المنتجات الاستيطانية وما إلى ذلك) أو بشكل غير انتقائي، فبالنسبة لها، أي مقاطعة تعد غير قانونية.

يتبنى هنري سيغمان مواقف صارمة فيما يتعلق بتقييمه لما سيحدث، بطريقة أو بأخرى. ووفقا لسيغمان، “ستدمر” أو “يقضى” على “الدولة اليهودية” عن طريق الإسرائيليين أنفسهم وليس حركة المقاطعة. في هذا الصدد، أفاد سيغمان أنه “من المرجح أن تكون النتيجة نهاية إسرائيل على اعتبارها دولة يهودية. وإذا حدث ذلك، فلن يكون الأمر نتيجة حركات المقاطعة ولكن بسبب الإسرائيليين أنفسهم. ليس فقط بسبب رفضهم لحل الدولتين، بل نظرا لإصرارهم على تعريف الهوية الوطنية لإسرائيل والمطالبة بحيازة الأراضي الفلسطينية على خلفية اعتبارات دينية”.

 

على العموم، يعد هذا الأمر مهما جدا، فقد أثبت سيغمان، الزعيم الصهيوني المخضرم، وجهة النظر التي تؤكد في الواقع ما قاله البرغوثي في ذلك التصريح المقتضب الذي نقله نفتالي بينيت، الذي لم يقدم حجة غيره في حين يرغب في استخدامه على اعتباره دليلا قاطعا يدين هذه الحركة.

 

وتجدر الإشارة إلى أن سيغمان عمد إلى التقليل من حدة مسألة حل الدولة أو الدولتين إلى مستوى هامشي. ففي الواقع، لا يمثل رفض حل الدولتين أكبر قضية وإنما الصهيونية، أي رغبة إسرائيل في تحديد “هويتها الوطنية والمطالبة بحيازة الأراضي الفلسطينية على خلفية اعتبارات دينية”.

يمكننا أن نفهم، الآن، أن نفتالي بينيت يكافح من أجل إنقاذ الصهيونية بشكل بائس. وفي الأثناء، يرغب بينيت في أن يسوق ذلك في إطار محاربة الدولة اليهودية “لجنود العدو”، ليتضح أحيانا أن هؤلاء الأعداء هم في الواقع من يهود. وقد يطال الأمر قيادات صهيونية بارزة، مثل سيغمان، التي ما فتئت تدعو اليهود الأمريكيين للتخلي عن ارتباطهم بالصهيونية لأنها حبر على ورق.

فكيف سيتصرف نفتالي بينيت إزاء مثل هذه التحركات؟ هل سينشر الآن مقال رأي آخر في صحيفة نيويورك تايمز، متهما هنري سيغمان “بالمعاداة الذاتية للسامية”.

جوناثن أوفير

مدون وكاتب مقيم في الدنمارك

ترجمة مجلة ميم لمقال نشر في موقع موندووايس  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.