مجتمع

الارتباط بمعتقل تضحية أم تهور؟

خلف القضبان حكايا لم تُروَ، وقصص حبّ بدأت قبل الاعتقال أو أثناءه،

القاهرة- خاص بمجلة ميم

خلف القضبان حكايا لم تُروَ، وقصص حبّ بدأت قبل الاعتقال أو أثناءه، لا يعرف الطرفان فيها متى سينتهي بهما المطاف تحت سقف واحد، بعيدا عن عيون السلطة والمعتقل، ومضايقات أهل السجن والمنع والترهيب.. زوجات صغيرات أو صغيرات مخطوبات، وبين الإثنين سنوات تنقضي والطرف الآخر خلف القضبان.

تلك قصص حاولنا أن نرصد بعضا منها لنتعرف عن قرب كيف بدأت قصة حب غيّبوها وراء الأسوار فكان هذا اللقاء.

زواج مع إيقاف التنفيذ

يمنى، (25 عاما)، طبيبة أسنان، كانت خطبتها عادية، رآها خطيبها فأعجبته وتقدّم لها لتتم الخطبة في ظل غياب الوالد المغيب بالمعتقل.

تتحدث يمنى عن قصتها لـ”ميم”، فتقول: “تمت خطبتي في 2015 وكان والدي وقتها محبوسا في سجن العقرب سيء السمعة، لم أكن أفضّل الارتباط في أي حال لغيابه، إلا أنّ “محمود” حينما دق بابي لم أستطع أن أصده، فقد كان سندا حقيقيا لي، في غياب أبي، وكنت أشعر معه بأمان مختلف، وكان يوم عقد الزواج الذي تم في 2016 أقسى وأجمل اللحظات التي مرت عليّ في حياتي، اجتمعت مع من أحب ولكن غاب أبي خلف القضبان”.

وتتابع يمنى: “حددنا موعد العرس وقد جهزنا الشقة واشترينا الأثاث واخترت فستان عرسي الأبيض، وكل شيء كان يبشّر ببداية جميلة لحياة مستقرة، وقبل العرس بأسبوعين فقط فوجئت باتصال يخبرني أن قوات الأمن ذهبت إلى خطيبي في البيت وأخذوه معهم، وظل 40 يوما كاملة مخفيا قسريا، لا نعلم عنه أي شيء، حتى ظهر في السجن. ولأننا لا نعلم متى سيخرج قمت بإفراغ شقتي من الأثاث، ويرقد الآن فستان زفافي في المخزن، لوقت لا يعلمه إلا الله”.

“عام كامل قضيته بين الزيارات وطوابير التفتيش، وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى زيارة خطيبي كنت أشعر بالقهر والذل والظلم فأنا أراه دقائق معدودة وأرحل، وكل يوم أصحو على أمل أنه اليوم الأخير واصطدم بالواقع الذي يقول إنه لا يزال في السجن ولا أمل في خروجه، وكل ما أشعر به هو التعب الشديد والضيق حتى تذكرت (جئنا بقدر الله وسنخرج بقدر الله) فأثبت وأصبر”.

وتواصل يمنى حديثها قائلة: “لو سألتني إحداهن إن كانت ترتبط بمعتقل أو لا سأقول لها: فكّري كثيرا وجيّدا بالعقل لا بالقلب، فالأمر ليس بالسهل أو اليسيير على النفس، خاصة لو طالت فترة الاعتقال وكان الأمر رماديا لا شيء واضحا فيه، والسجون كلها وجع وتشويه نفسي لأقصى درجة ربما لن تتحمليها”.

بيني وبينه سور وحدود

ومثل يمنى جمعت “سارة” ( 27 عاما)، بـ”محمد” قصة حب قوية شهد عليها القاصي والداني، وبين تحديات
الأهل والظروف، تمت خطبتهما ثم عقد الزواج بعد عام بالضبط، وكانا يرتبان كل شيء، أين سيكون الملتقى وكيف سيكون البيت الذي سيجمع بينهما ومتى سيكون العرس، فقد كان كلا الأهلين في دولة عربية مختلفة، ويجب أن يتمّا كافة التفاصيل ليبدأ التحرك نحو زواج مكتمل الأركان يجتمعان فيه تحت ظل بيت واحد، إلا أن الأمن كان له وجهة نظر أخرى ..!

تحكي سارة لـ”ميم” قائلة: “تم القبض على محمد بعد 25 يوما من عقد الزواج أثناء سفره إلى حيث يعمل، وتم إخفاؤه ثلاثة أيام كامه لم نعرف عنه فيها شيئا حتى ظهر بعدها في السجن، وقد مر حتى اليوم ثلاث سنوات على اعتقال محمد، دون جريمة ارتكبها أو سبب لاعتقاله. وقد مرت السنة الأولى علينا بأمل في خروجه سريعا وكنا في كل جلسة ينعقد أمل في أن أسمع قرار الإفراج عنه ليعود معي إلى المنزل إلا أنه لم يحدث.

وفي السنة الثانية كان لدي استسلام تام وقبول للأمر الواقع أن محمد معتقل وأننا لا ندري متى يكون لقاؤنا، وحين بدأ العام الثالث على غيابه بدأت أنهار تماما وهاجمتني أمراض جسدية شديدة بسبب الإجهاد الشديد والإنهزام النفسي الذي كنت أشعر به خاصة أنني أعيش خارج مصر مع أهلي بينما يقبع زوجي خلف الأسوار، فأتحمل مشقة السفر من دولة لدولة ثم مشقة الزيارة كل أسبوع فكنت أعيش في حالة من عدم الاستقرار والتشتت طيلة الوقت”.

 

سارة: أنا حقا أعيش أجمل قصة حب في العالم رغم الأسوار

 

وتقول سارة إنّ زوجها يحاول التخفيف عنها دائما فكان يفاجئها بأشياء تبهجها، فقد أوصى أحد أصدقائهما بأن يرسل إليها أربع وردات بيضاء بعدد سنوات ارتباطهما الأربعة رغم سجنه وفرق المسافات بيننا.. “أنا حقا أعيش أجمل قصة حب في العالم رغم الأسوار، فالجميل في قصتنا أنّ الحب بيننا يكبر والتفاهم يزيد وبدأنا معا أولى خطوات استنادنا إلى بعضنا البعض من داخل المعتقل”.

شدّ وجذب فبراءة

أما “مروة” فتختلف قصتها قليلا، تقول: “تقدّم لي إبراهيم قبل اعتقاله بوقت قليل، وكنا ننتظر حضور والدي من السفر لكي نقرأ الفاتحة ونتمم الخطبة، لكن سبقت يد الاعتقال إليه قبل أن تسبقها دبلة الخطبة، فلما اعتقل تواصل مع والدي وهو بالداخل لنتمم الأمر وجاءتنا والدته زائرة وأعلنت خطبتنا رسميا وهو خلف القضبان”.

“قبل اعتقاله كنا نرتب للزواج بعد الخطبة بـ 6 أشهر واليوم يمر عليه عامان ونصف العام في المعتقل وقد نال البراءة مؤخرا والتي لم تتم حتى اللحظة ولا يزال في معتقله رغم مرور 11 يوما على الحكم”، تضيف مروة.

 

 

سألناه ما المطلوب منا أن نفعله لكي يسمح لنا بالزيارة، سخر منا وقال: “قولوا بنحبك يا مصر وبنحبك يا سيسي”

 

“لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لزيارة خطيبي ورفض المأمور أن يدخلني أنا و3 بنات أخريات ولما سألناه ما المطلوب منا أن نفعله لكي يسمح لنا بالزيارة، سخر منا وقال: “قولوا بنحبك يا مصر وبنحبك يا سيسي” وهو يضحك فوقفنا صامتات، دون أن نرد عليه وشعرت بالقهر الشديد لما يحدث ومن استهزائه بنا ومنعه لنا من الدخول لزيارة ذوينا”، تروي مروة بحرقة.

اعتقال فخطبة فعقد

وتأتي قصة إسراء (23 عام) لتكون الأكثر غرابة، فقد كانت معتقلة منذ 3 سنوات تحديدا في عام 2014، لم تكن
تعرف في هذا الوقت د.حسين خطيبها ”

كنت معتقلة وتم ترحيلي إلى سجن يسمى منية النصر وهو السجن الاحتياطي الوحيد الموجود بمحافظة الدقهلية ويتم ترحيل كل السجينات إليه. بعد اعتقالي بشهر كان حسين في زيارة لأخيه المعتقل بنفس مركز الشرطة الذي أتواجد فيه، وكان معي صديقتي من نفس بلدته فكانت والدتها الوحيدة التي تستطيع الوصول إلينا لأن أهلي من محافظة بعيدة.  وكان يصعب على أمي السفر إلىّ كل أسبوع خاصة أن إخوتي جميعهم مطاردون، فكانت والدة صديقتي تتولى أموري مع ابنتها.

وفي إحدى المرات حاولت أن تدخل إلينا الطعام فرفضوا، في ذلك اليوم رآها حسين وهي تقف على باب مركز الشرطة وعلى وجهها التأثر الشديد فأخذه منها وأخبرها أنه سيقوم بإدخاله.  تحدث حسين إلى الضابط طويلا حتى وافق على أن ينادينا لنأخذ الطعام من أم صديقتي، فكان لقاءنا الأول، واليوم مر على عقد زواجنا وخطبتنا عامان ونصفا”.

وتابعت إسراء التي أخلي سبيلها فيما حكم على “خطيبها” بالسجن 3 سنوات بقي منها 5 أشهر لإطلاق سراحه،:

“استمر شهر ونصف يأتي مع والدة صديقتي ليدخلوا لنا ما نحتاجه حتى اختفى تماما ولم يعد يأتي للزيارة معها، فعلمنا وقتها أنه تم اعتقاله هو ووالده واثنين من أشقائي، ليتم حبسه بنفس السجن الذي نتواجد فيه لأفاجأ بأمي في الزيارة تخبرني بأنه وصل إلى هاتف أبي وحدثهم من داخل السجن وطلبني للزواج فلم أعرف هل أفرح أم أحزن، كيف لنا أن نتزوج ونحن الإثنين خلف القضبان”

وتستطرد إسراء قائلة: “تجربة الارتباط بمعتقل ليست بالسهولة التي قد تبدو لمن يرى الأمر من الخارج، خاصة أن لدي في أسرتي ذاتها شقيقين معتقلين أحدهما حُكمَ عليه بالإعدام. وما شهدته من سوء معاملة وبهدلة الزيارات يدفعني لأتجنب تماما نصح أي فتاة مقبلة على الإرتباط بالموافقة على معتقل، خاصة لو كان الأمر خطبة فقط حينها الأمر يكون أشد فظاعة لأنها في القانون ليست من الدرجة الأولى المسموح لها بالزيارة وستعاني حقا في كل مرة أرادت أن ترى فيها خطيبها..!”

تعارف عائلي

أمّا سمية (22 عام) فكانت خطبتها تقليدية، الخاطب الذي أتى عن طريق وسيط من العائلة، الاستثناء هو أن الوسيط والعريس بالمعتقل..!

وتقص سمية حكايتها قائلة:

“تمت خطبتنا منذ عام و9 أشهر، بينما هو معتقل منذ 3 سنوات وأربعة أشهر، كان التعارف بيننا من خلال

صديق والدي، وقد كان معتقلا بنفس المكان الموجود فيه خطيبي، وافق أبي وطرح عليّ الأمر فوافقت، وكنت ألاقي صعوبة شديدة في استصدار تصريح للزيارة، فقد كان والدي مطاردا وكنت أخشى عليه أن يتعرض بسببي للاعتقال، ومن ناحية أخرى كان يوجد دائما تعنت في التصريح لي بزيارة خطيبي لذلك كان القرار بجعل الزيارات على فترات متباعدة حفظا لأمن والدي وتقليلا للمعاناة التي كنت أعانيها في التصريح والزيارة”.

وتتابع روايتها: “كان شعوري وأنا في طريقي لرؤية خطيبي غريبا، بين سعادتي لأني سأراه وسأتحدث معه، وقلق من المواجهات والمضايقات التي أتعرض إليها والتعنت الشديد حتى الوصول لقاعة الزيارة، ولست نادمة أبدا على قرار ارتباطي بخطيبي، فأنا أختار شريك حياة وأب لأولادي، وأشعر بالفخر الشديد وأنا أتشارك معه في وضع كهذا بل أراها رسالة وهدفا نؤديه سوية للوصول لغاية أسمى وأكبر، فالفكرة عندي لم تكن هل ارتبط بمعتقل أم لا، لكنها كانت هل المتقدم يصلح لي ليكون زوجا اعتمد عليه قادر على تحمل المسئولية أم لا.”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.