مدونات

أيها المحتفون بالطغاة .. المبادئ لا تتجزأ!

بقلم: خديجة الدبشة

 

ما إن ينطق الطاغية شعرا معسولا للشعب المقهور، حتى تهب فئة المغفلين ترقص طربا وتهتف باسمه.  يعيشون يومهم بصعوبة يكدحون ليلا نهارا، مطارِدين أقل الحقوق المسلوبة، وحين يلقى إليهم بريحٍ منها يطلقون رماح ألسنتهم في شكر الوالي المتعطّف ثم يكملون المسير في رحلة الحياة الشاقّة وويلٌ لمن تسول له نفسه بالإشارة إلى حقيقة جهلهم وسوء ظنهم ودهاء سارقهم؛ يُرمَون بأبشع الخِصال فهم بكل تأكيد مأجورون متآمرون أعداء للوطن وكل مكوناته ولا بُدّ انهم يقبضون ثمن التشويه والتشويش مالا ومِلالا!

لسنا بصدد الوقوف طويلاً على سلوك الفئات البسيطة التي خُلِقت لِتتبع وقد أجّرت عقولها، إما لعدم أهليتها أو لبساطة لا تمكنها من استعمالها فضلاً عن التمحيص واتخاذ قرارٍ مبنيّ على دلائل وقرائن وهم لا يشكلون نسبة عظمى كما يبدو في اوساط شعوبنا العربية، المنكوبة منها خاصة.

لكن ما جعل العدّاد الرقمي متضخما هو عدم القدرة على تمييز الكتلة الكبرى بينهم، التي آثرت السلامة بالسكوت والتطبيل القهري رغم قناعتهم بالحقائق ممن لا يرون في الدفاع عن  الحقيقة أمرا مجديا. هؤلاء من فقدوا عزائمهم وخوّروا قواهم بأيديهم. اذن فالوقفة الحرّة تستدعي ان تطول امام الفئة التي حصّلت قسطا وافرا من التعليم وتمتلئ جدران مكاتبها بالشهادات والأوسمة،

ويتصدرون الشاشات مدعوين ويحتلون مواقع التواصل الاجتماعي عنوة، اولئك من يُطلق عليهم زورا بالنخبة كون حساباتهم تتكدس بالمتابعين ويحظون باعادة نشر لافكارهم وتبنيها وترديدها كدستور يفصّل الملبس للوقائع بدقة!

 

يا سادة هي واحدة: “المبادئ لا تتجزء”… تؤخذ في مضمونها الواسع وفي أثرها وطول أمدها.

 

استغرب بشدة كيف يقابل شريكَ حكم استبدادي استقبال الفاتحين حين انقلبت الدنيا رأسا على عقب واختير له ان يكون المحلل والوجه الانيق لما بعد الثورة ضمن صفقة المنتفعين واللاعبين الجيران والدوليين! السؤال الذي دار في خلدي هو هل أشكك بكل المثقفين المشاركين في عرس التطبيل ام اشكك بما اعتقد من لزوم كتلة المبادئ متماسكة؟ ام احفظ كلا الامرين من ذاك الشك متخيلة ان نبتة الوطنية بدأت تزهر الآن في هذا الفاتح المبجل, هل خلقت فيه ام زرعت له مؤخرا؟ هل يُعقل ان شريكا في حكم استبدادي قتل ونهب وخان وتآمر وباع وجوّع وأفقر بلدا من اعرق وأغنى البلاد وفي موقع متقدم لعقود، اصبح بغمضة صفقة شريفا فقمتم تنظمون القصائد في وطنيته! والانكى من ذلك الدعوة لحمايته من المتآمرين عليه والتبتل ان يفك الله حصاره ويبقيه ذخرا للوطن مع عدم التغافل عن دوره المرصود في المقاعد الخفية كيدا لبعض مكونات شعبه في القريب.

يا سادة هي واحدة: “المبادئ لا تتجزء”… تؤخذ في مضمونها الواسع وفي اثرها وطول امدها، فمن طال مقامه موغلا بالدم مباركا لمجزرة طالت ارواحا بريئة بالآلاف حرقا وقتلا، فكيف به أن يصبح بطلا لمجرد انه خرج غاضبا من تحت عرش رئيسه وشريكه وقد اختلفا على الغنيمة “دماؤكم والوطن” كيف تحتفون به وتصدرون بحقه وسما تلو الآخر تطلبون له النصر! أوَ يحتاج تبدل لون الاستبداد والاستعباد الى دعاء بالتوفيق! او تتطلع النخبة “النكبة” الى شكل آخر يبدد الملل، لا غرابة فالروتين مزعج والدنيا تطورت واصبح للظلم اثواب اكثر جمالا، متحضرة وايضا مختومة بفتاوى شرعية ومباركات علمية!

 

انها الواحدة اياها “المبادئ لا تتجزء“، فمن فطرته استمرأت القتل البشع وشاركت به لن يغيرها اختلافها مع القاتل الرئيس على فرع هش. ان الذي ثارت حميته لجدران صماء بدعوى انتهاك سيادة بلاد افرزتها له  سايكس بيكو ولم تهتز له شعرة لانتهاك حرمات ملايين من المسلمين في مشارق الارض ومغاربها، فضلا عن دعمه الظاهر والخفي، لا يمكن ان تقدسوا حملته حازمين، انها لنصرة الدين، فالإسلام الحق يقرّ بأن دم المسلم اقدس عند الله من بيته الحرام، فما بالكم ببيوت يعيث بداخلها الفساد والخديعة والاستسلام والهوان.

ليتكم صمتّم حين مات فاسد وجاء الافسد، اذ صدعتم الرؤوس وترستم الكؤوس سكارى العدل الذي جاء به حين عبث بالاسماء والمناصب، ولكنكم لم تكونوا لتعرفوا انها تصفيات داخلية ومصالح شخصية وقعدتم تضربون اخماسا بأسداس بعد ان اعلنها بكل فجاجة انه ما جاء الا بمباركة اعداء الاسلام، باع فيها كل الثوابت شاريا بطائل المال كل عدو وحاقد. كانت الحقيقة امام اعينكم، كان يكفي لو ألقيتم نظرة على منطلقه ومبادئه القريبة جدا او ما يفعل في الجوار القريب والشقيق والمسلم الضعيف! والبعض مازال ينكر ويطبل. الفاسد لا يصبح شريفا لأنه سرق فسدة آخرين! اللص لص… والشريف شريف ولا تغير الحقائق نشرة اخبارية من تلفزيون حكومي.

 

الفطرة الإنسانية عصية على قبول القهر والظلم والقتل والاستبداد..

 

لا ادري كيف اصبح من كان مكوّنا رئيسا لمنقلب سلبكم صناديق حريتكم وإرادتكم وألقى بها في غياهب الظلمات وسحق كل صوت ورهن الشجر والحجر وباع الوطن بثمن بخس، كيف رفعتموه لمجرد ان ظننتم انه سيخلصكم من المنقلب الاعظم، كلهم واحد ولكن الآن اختلف المجرمان على الذبيحة والكثير منكم مازال  يبحث عنه وعن كثر امثاله في اي مظلمة هو… ويستمر المسلسل وكأنها يوميات خائن تائب!

الاسوء ان يبتز الطغاة هذا الغباء الساحق من الثلة الناعقة المغفلة المستجدية املا من عدوها، فيفتعل  افلاما تلمع بعض رجالاتهم ليكونوا ذراعا ضاربا له في عقر دارهم، فتتلقفهم بحفل مهيب منظفة اياهم من تاريخ لا تتسع له ارض ولا بحار لهول نجاسته. هل تكفي نزوة خطوتين للوراء لتعلنوها براءة تامة وتوبة عامة، والدلائل تسبح امام الناظرين كسطوع شمس الربيع!

لو كانت هذه العقول تجلس في مكانها الصحيح لغفرت هفوات اصحاب المبادئ الحقيقيين الذين لا تعدو اخطاؤهم عن كونها ذرة في بحر مهالك المجرمين، ولكن الخلل عميق فأسقط المحقّ ورفع المفسد.

الفطرة الانسانية عصية على قبول القهر والظلم والقتل والاستبداد، الفطرة السليمة لا تقبل التجزئة وان تعاملت بسياسة وتجاوزت بعض القصور والانكفاء، ولكنها ابدا لا تقبل مبادئ متناقضة، فهل سمعتم بقاتل رحيم او عابد فاسق او مستبد عادل او ظالم مظلوم؟

هل سمعتم عن ملحد مؤمن! لا يستويان ولا يجتمعان وكذلك التنظيف الفوري للطواغيت والتسبيح بحمد المستغفلين ابدا لا يرتقي لقبول ما لم يكن نابعا عن كتلة المبادئ الواحدة الموحدة وغير المجزئة، وذاك ما نسميه “المبادئ لا تتجزء”.

أوقفوهم في بقعة تحت المجهر، سلطوا عليهم كل امتحان حتى تتأكدوا انهم فعلا يستحقون وسام الشجاعة والتوبة، عندها فقط اصنعوا الاحتفالات دون ان تجرحوا مشاعر الراقدين تحت الارض والرابضين في الزنازين.

خديجة الدبشة

تربوية وكاتبة أردنية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.