مجتمعغير مصنف

هل يمكن للفن أن يصلح ما أفسدته السياسة؟

كيف يمكن أن يغير الفن العالم؟

 

ماذا يحدث حين يلتقي الفنّ بالسّياسة؟ في العادة إما الفضائح، أو المصالح والحسابات الضيقة..

لكن في هذه الحالة التّوليفة مختلفة، يجتمع الفنّ مع النّشاط السّاعي لتحسين الواقع السّياسيّ ، ففي ” مركز الجمال السّياسي ّ “يعمل  الفنّانون الأدائيّون والنّاشطون  المؤمنون بقوّة العمل الفنّي في إحداث الوعي، الذي يغيّر القناعات، وبالتّالي المواقف السّياسيّة، وشعارهم “Changing the world with art”.

البداية كانت في عام 2009 مع فيليب روتش، الفيلسوف الألماني -السويسري الشاب، الذي أسس المركز وشرح الهدف منه بقوله “كسر اللامبالاة من جيلي “

 

ومنذ ذلك التّاريخ انضمّ إليه مئات المتطوعين من أنحاء أوروبا، يتميّزون بطلاء الفحم على وجوههم أثناء قيامهم بنشاطاتهم، ويطلقون على أنفسهم لقب “الإنسانيوّن العدوانيّون “، ويعبّرون  عن  فلسفة  تمزج بين الفنّ الأدائي الذي يتعمّد استفزاز  المشاهد  وطرح وجهات نظر في  القضايا السّياسية  المثيرة للجدل، لإنهاء حالة اللامبالاة التي يتعامل بهاالمواطنون مع تلك القضايا، وأن يصنعوا من الفن حالة فريدة من العصيان المدني، وأعمال المقاومة، والمشاركة التّفاعلية مع الجمهور.

من أهم ّ القضايا التي تبنّاها مركز الجمال السّياسيّ: تصدير السّلاح، إغلاق الحدود في وجه اللاجئين إلى القارّة الأوروبية، الإبادة الجماعيّة، وخطورة اليمين المتطرّف.

في التّصاميم الفنّيّة  التي يقوم بها المركز ،يركّز على إبراز جمال ونبل بعض الأعمال، وتناقضها مع سخرية ووحشية أعمال أخرى، فمثلاً أطلق مركز الجمال السياسي في برلين عملاً مسرحيّاً استفزازياً يدعى “افتراس اللاجئين”. استهدف المركز من هذا العمل  قانوناً يمنع اللاجئين من السفر إلى الاتحاد الأوروبي دون الحصول على تأشيرة دخول ويطالب المركز بتعديله.

نمور تفترس اللاجئين

 

وأقام ناشطو المركز عرضاً مسرحياً خارج مسرح مكسيم غوركي في برلين  يتضمّن أربعة نمور في قفص،  يرتدي القائم عليه رداء مصارع روماني، تشير شاراته إلى الاتحاد الأوروبي، يظهر ملصق ضخم فتاة صغيرة تسأل والدتها: “لماذا لا يستقلّ اللاجؤون  طائرة فحسب؟” في رد فعل على عدد لا يحصى من الناس الذين يغرقون أثناء عبورهم في البحر أو يعانون من محاولة الوصول إلى أوروبا سيرا على الأقدام، وإزاء هذا الوضع، أعلنت المجموعة أنها تبحث عن اللاجئين اليائسين  بما فيه الكفاية ليكونوا مستعدين ليلتهموا  من قبل هؤلاء النمور الليبية.

في شريط فيديو، يدّعي الناشطون أن أنجيلا ميركل والحكومة الألمانية، مثل الإمبراطور الروماني أثناء مشاهدته المصارعة بين العبيد حتى الموت في العصور القديمة، لديهم القدرة على وقف ما يحدث  من خلال إيماءة بسيطة.

 

 

عمود العار

وفي ذكرى مذبحة سربرينتسا، أقام المركز مشروعه الفنّي “عمود العار “ أمام احدى معالم برلين الشهيرة وهو  نصب  ضخم يجسّد الأمم المتّحدة على شكل حرفي N و U.

وملأه بـ 16744 حذاء لـ 8372 ضحية سقطوا نتيجة لتقاعس الأمم المتحدة عن مهمّتها بحماية مدينة سربرينتسا التي أعلنتها منطقة آمنة. وفي رسالة مفتوحة الى الامين العام للامم المتحدة قال الفريق “اذا واصلنا العيش مع اليقين الاخلاقى باننا تعلمنا شيئا من أسوأ أحداث القرن العشرين، لن يعود بإمكاننا مراقبة مؤامراتكم ،الأمم المتّحدة هي الأداة الوحيدة التي لدينا لوقف الإبادة الجماعيّة، لكن ما فعلته الأمم المتّحدة في البوسنة قد كسر حلمنا اليوم بأنّنا سنتمكّن من منع بناء أوشفيتز”،في اشارة لاوشفيتز وهو  معسكر للأبادة الجماعية أقامه النّازيون أيام الحرب العالمية الثانية.

 

عمود العار

 

وبلغ المركز مستوى من الشّهرة على الصعيد  الوطنيّ في ألمانيا خلال أزمة اللاجئين، إذ أنّه في أيار / مايو 2014، أعلنت الوزيرة الألمانية لشؤون الأسرة  مانويلا شويسيغ على موقع إلكتروني جديد أنها ستقدم اللجوء إلى خمسة وخمسين ألف طفل سوري.

وهذا الموقع عرض نماذج على الانترنت للألمان ليقوموا بتسجيل أنفسهم  كأسر مضيفة لهؤلاء الأطفال، وانتشرت تلك النماذج بشكل كبير  على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتجمعت حشود كبيرة بشكل عفوي أمام مكاتب وزارة شؤون الأسرة في برلين، أقامت تلك الحشود احتفالاً وتركوا محيطاً من الزهور ودمى الدببة.

هذا هو الجمال السياسي الذي يتصوره المركز، وكان أفراده هم الذين أنشأوا الموقع الإلكتروني، فضلا عن برنامج الطوارئ الاتحادي الكامل، بما في ذلك البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، والإطار التشريعي الجاهز للتنفيذ، والمواد الإعلامية الشاملة، والخطوط الساخنة النشطة مع الجهات الفاعلة الإجابة على الأسئلة حول البرنامج، والاتصالات مع المدارس والمنظمات الأخرى داخل سوريا. للأسف تراجعت الوزارة عن وعدها  ولم ينقذوا الأطفال.

ويضمّ المركز الى جانب أعماله الفنّيّة مشاريع تطوّعيّة من أجل العمل على تحقيق الأهداف التي يطالب بها ففي خطوة هي الأولى من نوعها بدأ متطوعون من النمسا يتبعون للمركز  تثبيت منصات إنقاذ في المياه الدولية بالبحر المتوسط، لتكون حبل نجاة للاجئين في حال غرق مراكب الهروب.

جسر عائم لانقاذ الأرواح

 

مبادرة رمزية لاقامة جسر عائم يصل بين ساحل الهوارية في تونس وأغرجنتو في إيطاليا لانقاذ حياة المهاجرين اللا شرعيين الذين يغرق المئلت منهم في عرض المتوسط

 

“إن إنقاذ الأرواح أمر سهل، ولكن يجب أن نرغب بذلك” هي العبارة التي جمعت المتطوعين في المشروع ، يهدف المشروع إلى  تثبيت 1000 منصة إنقاذ في المياه الدولية بالبحر المتوسط.

 

ضد اللامبالاة تجاه مأساة اللاجئين

 

وكذلك قام المركز بأعمال إنسانيّة تتجاوز في رمزيّتها الحدث ذاته اذا  استخرج جثّة أم غرقت في طريقها إلى أوروبا ودفنتها السلطات المحلّيه في صقلية  بصفة أنّّها “مجهولة الهويّة “ -“بسبب تقاعسنا “ كما قال المركز في صفحته الرّسميّة، “وأخذناها  إلى أحبائها في ألمانيا” يكمل المركز بيانه للأسباب التي دفعت نشطاءه لدفن المرأة وبصورة كريمة لائقة بعد أداء صلاة الجنازة عليها في ألمانيا.

 

من أجل فتح الحدود

وفي بعض الحالات، كانت هناك خشية لدى السّلطات من تجاوز نشطاء المركز للحدود القانونيّة في سبيل سعيهم لإحداث الإصلاح في السّياسة الأوروبية، ففي حملة ضخمة دعا لها المركز لفتح ثغرة في حدود الإتّحاد الأوروبي مع العالم الثّالث ،وفي يوم مغادرة المتطوّعين  حاصر أفراد الشرطة الفيدرالية المسرح ،معتبرين ما يجري تهديداً جدياً  ومع ذلك، فإن الشرطة لم تجد أي أسلحة أو أدوات تقطيع بين المشاركين وكان عليهم أن يسمحوا لهم مواصلة الرحلة.

بدأ 100 متطوع في اثنين من الحافلات طريقهم. وقد تم البحث عن الحافلات فى صربيا وبلغاريا واليونان ورافقتها الشرطة عبر البلاد. وفي اليونان، تلقت أربع حافلات مليئة بشرطة مكافحة الشغب المشاركين. وقد أصبح الجو مليئاً بالتّوتّر  حيث اعتبرت حماية الحدود الخارجية أولوية عليا. وواجه المشاركون العواقب القانونية لفتح الجدار: يعاقب على التعدي على الحدود غير القانونية بالسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات أو غرامة قدرها 150 يورو. في النهاية كان على المجموعة التخلي عن الفكرة  لدواعي الأمن  وعادت إلى برلين.

 

ناشطو مركز الجمال السّياسي بدهنون وجوههم بالفحم الأسود

 

واعترافاً بالمجهود الشجاع والإبداعي الذي يقوده مركز الجمال السّياسي ،والإلهام الذي منحوه لملايين النّاشطين حول العالم منحت قناة دويتشة فيلا  المركز جائزة بوب دو للنشاط عبر الإنترنت، في فئة الفنون والثقافة، عام 2016.

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “هل يمكن للفن أن يصلح ما أفسدته السياسة؟”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.