سياسة

في ظل عزلة أمريكية وانشغال ألماني داخلي.. فرنسا “العائدة” والتموقع في المغرب العربي

 

يزور الرئيس الفرنسي إيمانوال ماكرون، تونس يومي 31 جانفي/ كانون الثاني و1 فبراير/ شباط 2018، في زيارة هي الأولى بعد توليه منصب رئيس للجمهورية الفرنسية في ماي 2017.

وسيكون الرئيس الفرنسي مرفوقا بوفد يضمّ وزراء الخارجية والتربية والتعليم العالي وكاتب دولة لدى رئيس الوزراء، وكاتب الدولة لدى وزير الاقتصاد والمالية. كما سيضم الوفد عديد البرلمانيين والشخصيات ورجال الأعمال، إضافة إلى مسؤولين أمنيين وعسكريين كبار.

وبالإضافة إلى اللقاءات الرسمية سيلقي الرئيس الفرنسي في اليوم الثاني لزيارته خطابا أمام نواب البرلمان التونسي. وستكون أبرز المحطات لماكرون الإشراف مع رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد على المنتدى الاقتصادي التونسي الفرنسي الأوّل بمشاركة نحو 800 رجل أعمال من البلدين.

ومن المنتظر حضور رؤساء كبرى المجموعات الاقتصادية الفرنسية على غرار إيرباص، وأورنج، وفاليو وليزور للزيوت النباتية، وستافيم بيجو لصناعة السيارات. وتشير الأرقام الرسمية إلى أنّ 1400 مؤسسة فرنسية تنشط في تونس وتشغل 138 ألف عامل. وهو ما يمثل 30 بالمائة من إجمالي الاستثمارات في البلاد.

وحسب إحصائيات وزارة التجارة التونسية فقد تحقق في إطار المبادلات التجارية التونسية الفرنسية، فائض تجاري لصالح تونس مع نهاية سنة 2017 بنسبة 140 بالمائة لفائدة تونس.

من الثورة إلى الانتقال الديمقراطي.. فرنسا تراقب

ظلت السياسة الفرنسية حذرة من مخرجات الثورة التونسية في بداياتها ولم تكن المساعدات المالية الفرنسية لتونس في مستوى الانتظارات من بلد “صديق”. وهو ما اعترف به الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند عندما صرّح بأن فرنسا لم تكن إلى جانب تونس في ثورتها، في إشارة إلى وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي حتى اللحظات الأخيرة قبل مغادرته البلاد وكان بعض الحقوقيين والسياسيين يصفون فرنسا بكونها هي الداعم الأول للدكتاتورية.

وفي السنوات التي تلت الثورة، اتجهت تونس إلى تنويع علاقاتها وأصبحت شريكا مع ألمانيا التي ركّزت شركات هامة في تونس في مختلف المجالات، كما اتجهت تونس نحو تركيا والولايات المتحدة الأمريكية طلبا لدعم الاحتياجات الاقتصادية والمالية.

لكنّ ماكرون أكّد في مناسبات عديدة، بعد وصوله قصر الإيليزيه، خلال لقاءات رسمية مع مسؤولين تونسيين أنّ “العلاقة مع تونس ذات أولوية”، وأن باريس معجبة بالنموذج الانتقالي وبالإصلاحات الجارية في تونس. ومن المتوقع حسب ما أفصحت عنه مصادر رسمية أن يتم الإعلان خلال زيارة ماكرون عن منح فرنسا مساعدات مالية وهبات وقروض ميسرة لفائدة تونس.

ماكرون والسبسي في باريس في ديسمبر الماضي

وفي الوقت الذي أصبحت الإدارة الأمريكية في عهد ترامب وعلى لسانه، تنذر بنهاية مرحلة السخاء الأمريكي، وتلوّح بالمساعدات المشروطة سياسيّا، وفي ظل عدم استقرار التوازنات السياسية الألمانية التي فرضتها نتائج الانتخابات الأخيرة، وانشغال ميركل وفريقها بالوضع الداخلي بسبب صعوبات تشكيل الحكومة، تتوثب فرنسا بقيادة ماكرون لاستعادة دور فرنسا الذي تراجع في المنطقة، خلال السنوات الماضية، وخاصة في تونس التي تنظر إليها فرنسا باعتبارها يمكن أن تشكل امتدادا طبيعيا لنفوذها في المنطقة ومدخلها إلى إفريقيا.

ولعلّ من الدلائل على هذه الرؤية أنّ زيارة ماكرون لتونس ستهتم بمستقبل الفرنكوفونية في الدول الناطقة باللغة الفرنسية، وستكون السنغال المحطة الثانية للرئيس الفرنسي بعد زيارته تونس. وذلك باعتبار أنّ مستقبل الفرنكوفونية، هو إحدى أولويات السياسة الفرنسية الجديدة.

وفي هذا المجال، سيدشن ماكرون مؤسسة “أليانس فرانسيز” بتونس العاصمة، وهي منظمة ثقافية دولية فرنسية مستقلة تعنى بتعليم اللغة الفرنسية.

فرنسا عادت

بهذه العبارة هتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي في مستهل مداخلته أمام منتدى دافوس الاقتصادي. ونطق العبارة بالأنقليزية على وقع تصفيق الحضور، قبل أن يطالب في كلمته بـ”عقد عالمي جديد” ضد شكل “انحداري” من العولمة، محذرا من أن عدم القيام بذلك سيجعل “المتطرفين يربحون في كل البلدان”.

ترامب وميركل وماكرون

وذكرت وسائل إعلام أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقطب الاهتمام خلال مشاركته في منتدى دافوس “في إطار مساعيه لتحقيق “نهضة” في الأعمال التجارية في فرنسا والعالم”. ونُقل عن رئيس شركة علاقات عامة بارز قوله: “ليس لدى ميركل حكومة بعد. ماكرون هو محط الأنظار”.

كما كتبت صحيفة “هاندلسبلات “الاقتصادية الألمانية، أن ميركل تذهب إلى دافوس بيدين “مكبّلتين”. ورأت الصحيفة أن المستشارة النافذة ستضطر إلى “البقاء في ظل ماكرون وترامب”. وأنّ ماكرون في وضع مريح حيث نجح في تمرير إصلاحات بشأن قوانين العمل والضرائب في بلاده.

وكتب معهد “كارنيغي أوروبا” للأبحاث: “ولّى الزمن الذي كانت فيه ميركل تفترض أن أوروبا ستمضي قدما تحت قيادتها وليس تحت قيادة ضعيفة جدا في فرنسا”. وأضافت أن “إيمانويل ماكرون غيّر بشكل جذري الديناميكية والوتيرة وتطلعات الاتحاد الأوروبي”.

تونس.. محطة ثالثة وبوابة العبور

تأتي تونس محطة ثالثة من زيارات ماكرون في المغرب العربي، فقد أدّى زيارة إلى المملكة المغربية في جوان/ يونيو 2017، بعد شهر من فوزه بالرئاسة، ووصف دبلوماسيون فرنسيون الزيارة بكونها تأكيد لسياسة ماكرون الذي يريد رسم شراكة جديدة بين أوروبا وأفريقيا والمتوسط حيث يمكن لدول المغرب أن تلعب دورا أساسيا بحسب الإليزيه. ثم توجه إلى الجزائر في ديسمبر/ كانون الأول 2017، والتي كان قد زارها خلال حملته الانتخابية. وقد شغل تصحيح العلاقة التاريخية بين البلدين النقاشات التي حفت بهذه الزيارة، وكان ماكرون قد مهّد للتصحيح أثناء الحملة الانتخابية حين أقرّ بـ”جرائم الاستعمار ضد الإنسانية”.

ورغم أنّ المحطة الثالثة لماكرون ستكون معبرا إلى السينغال، فلا شكّ أنّ “لقاءات تونس” لن تقفز عن الملف الليبي الذي

حفتر والسراج في ضيافة ماكرون

أظهرت الرئاسة الفرنسية رغبة كبيرة في أن يكون لها دور محوري فيه. ففي يوليو/ تموز الماضي احتضنت باريس لقاء ثلاثيا حول ليبيا تحت عنوان “تجديد اتفاق الصخيرات”، وجمع ماكرون رئيس حكومة الوحدة الوطنية فائز السراج، والمشير خليفة حفتر، والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة.

 

وتأتي أهمية الملف الليبي عند الفرنسيين من زاوية ثلاثة تحديات أمام فرنسا والاتحاد الأوروبي وهي: 1) الاستقرار في شمال إفريقيا وبلدان الساحل و2) الحرب على الإرهاب و3) الخوف من تحول ليبيا إلى معبر لتدفق تيارات الهجرة غير الشرعية نحو الاتحاد الأوروبي انطلاقا من الشواطئ الليبية بسبب غياب الدولة.

فهل تكون جولة ماكرون التونسية والإفريقية اختبارا لمصداقية قوله “فرنسا عادت”، التي هتف بها في دافوس، متحديا قوى العولمة الأخرى؟ والأهم من ذلك، هو: بماذا عادت فرنسا لتقنع بنفسها شريكا دائما و”متميّزا” ووجهة مفضّلة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “في ظل عزلة أمريكية وانشغال ألماني داخلي.. فرنسا “العائدة” والتموقع في المغرب العربي”

اترك رد