تقاريرثقافة

عبد الحليم حافظ: محظوظ في زمن العمالقة

 

سطع نجم العندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ، في فترة عرفت اكتساحا فنيا من قبل أم كلثوم في الغناء ومحمد عبد الوهاب في التلحين، فكان محظوظا إلى جانب أبناء جيله من المطربين والملحنين، ببلوغ شهرة فنية في مصر وخارجها، في تلك الفترة.

محمد عبد الوهاب وأم كلثوم

 

ويعود ذلك، حسب عدد من الكتّاب، إلى ثقة عبد الحليم بنفسه التي فرض من خلالها فنه ليجلس مع قامات أراد أن يصل إليها بل واستطاع أحيانا تجاوزها.

فقد أكد عبد الحليم مرارا أنه محظوظ لأنه غنىّ في الزمن الذي غنت فيه أم كلثوم وعبد الوهاب، معتبرا أن “أم كلثوم معجزة فنية لن تتكرر”. وقال العندليب: “لقد تعبنا للوصول إلى ما نحن عليه، ولكنهم تعبوا أكثر منا بكثير”.

علامة فارقة في زمن العمالقة

عكس صعود عبد الحليم إلى الساحة الفنية وبداية انتشاره رؤية فنية جديدة، ظهرت في تعامله مع طاقات فنية جديدة من أبناء جيله بمعهد الموسيقى في القاهرة.

عبد الحليم حافظ في تونس

ورأى موسيقار الأجيال، محمد عبد الوهاب، أنه قدم نظرة مختلفة للفن وتميز بأشكال تعبيرية، فكان ممثلا مبدعا علاوة على كونه مطربا، وهو ذكي في تعامله مع الجمهور، فلم تكن علاقته به رسمية، بل تفاعلية وحميمية، فتشعر كأنما يؤدون معه الغناء في غرفة وليس في المسرح، ليجعل من الميكروفون وسيلة للكلام أحيانا وليس للغناء.

موقف يؤكده الروائي المصري يوسف إدريس، الذي قال عن ظهوره إنه “لم يكن سهلا وسط عملاقين منفرّدين، لم يكن لهما مثيل في كل عصور الموسيقى”.

فقد تفرد عبد الحليم، ببحثه المتواصل عن كلمات جديدة ليغنيها، وموسيقى ذات إيقاع جدي التحمت مع ألحان كمال الطويل ومحمد الموجي، مع كلمات محمد حمزة، فكانت عوامل جعلت منه ظاهرة جماعية، أضحى من خلالها أكثر مطرب محبوبه في زمنه.

وأكد إدريس، أنه جديد الصوت والأداء وحتى الشخصية التي تنفذ إلى الآخرين بإرادة الوجود التي مكنته من الوصول ومقاومة المرض والآلام، في الوقت الذي عجز فيه أبناء  جيله عن إثبات وجودهم. واستدلّ بذلك على صوته في “قارئة الفنجان”، حيث استجمع في حنجرته كل المقاومة والجمال فكانت من أفضل الأغاني التي أداها رغم المرض الذي ألم به حوالي 20 سنة، وفق إدريس.

كما اتسمت روائع عبد الحليم، بقصرها مقارنة بالأغاني الطويلة لكوكب الشرق، فكان من خلالها يسعد ويشجي ويواسي ويحمّس مع احترام النغم والموسيقى، وقال عنه الكاتب الصحفي، كمال الملاخ، إنه “أعطى ألفة وعراقة واحتراما للزمان، لم يقل كثيرا، إلا أنه كان قادرا على الإمتاع في 10 دقائق من خلال ذكائه وموهبته”.

مدير العلاقات العامة

تميز عبد الحليم الحافظ إلى جانب فنه وطابع التجديد الذي أضافه، بعلاقاته المتماسكة التي سمحت له بتشكيل شبكة هامة مع أبناء عصره والبروز الهام الذي شهده.

وقال عنه عبد الوهاب إنه “مدير العلاقات العامة”، يقضي يومه في المواعيد مع الملحنين والكتاب والصحفيين، ويبقى مع كبار المبدعين في عصره.

فكان اليتيم والفقير الذي غزا المدينة وخلد اسمه في تاريخ الفن. وحمل في صوته حزنا وعاطفة، أثرت في الكثيرين. يقول يوسف إدريس: “أحببته منذ اليوم الأول الذي سمعته فيها، وشعرت أنه مثل ابني لأنه حرم من والديه، كان لديه إحساس جذب عطف الآخرين بشكل لا واع”.  

وجمعت عبد الحليم علاقة مميزة بالإذاعي المصري الشهير “حافظ عبد الوهاب”، الذي قدمه لـ”لجنة استماع للأصوات الجديدة” التي تضم، القصبجي وأم كلثوم وعبد الوهاب، بعد أن سجل له أغنية عن نهر النيل من تلحين محمد الموجي.

وبعد أن قدّم للجنة تسجيلاته، أعجب عمالقة الفن بصوته وتوقعوا له مستقبلا زاهرا في الأغنية العربية. كما طلب محمد عبد الوهاب لقاء عبد الحليم، وذُهل بذكائه الصوتي وإمكانياته المتميزة. ولشدة تأثره أراد أن يتبنى لقب “حافظ” من المذيع بدل لقبه الأصلي “شبّانة”، وقد كان له ذلك فعرف واشتهر به لاحقا.

خلافه مع الست

أعجب عبد الوهاب بصوت العندليب منذ أن استمع إليه، وجمعته لقاءات يومية به، حتى تولدت صداقة بينهما. ولحن له العديد من الأغاني “توبة وصفيني مرة وأهواك وفاتت جنبنا”.. والعديد من الأفلام، إضافة إلى شراكتهما في شركة الإنتاج “كايرو فون” التي أنتجت أغلب أسطوانات عبد الحليم وأفلامه.

وكان خلافه مع أم كلثوم خلال احتفالات ثورة 23 يوليو 1964، حيث استمرت كوكب الشرق في الغناء حتى الساعة الثالثة صباحا.

وعلق عبد الحليم: “منتهى الجرأة أن يغنّي فنان بعد أم كلثوم أو يختم حفلة غنت فيها، والأستاذ عبد الوهاب والأستاذة أم كلثوم أصرّا أن أختم الحفلة، ولا أعرف حقيقة إن كان ذلك شرفا لي أم مقلبا”. وسببت هذه الكلمات خلافا بينهما بعد غضب أم كلثوم وقطعت علاقتها به لمدة 5 سنوات، وتم منعه من الاشتراك مع أم كلثوم في الاحتفالات التالية لعيد ثورة 23 يوليو من قبل المشير عبد الحكيم عامر.

وفض الخلاف بعد أن قبّل عبد الحليم يد أم كلثوم دون أن يعتذر لها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد