مجتمع

عالية محمد باقر: أمينة مكتبة البصرة التي حالت دون إعادة محرقة بغداد

 

 

تستعيد عالية باقر، أمينة مكتبة البصرة المركزية، ذكريات بغداد أواسط القرن الثالث عشر، حيث كانت مركزا فكريا رئيسيا ب36 مكتبة عامة، تضم أثرا تاريخيا نادرا بمثابة الكنز. لتشوشها طبول الحرب التي تخوضها العراق في 2003 بعد الغزو الأمريكي والبريطاني.

 

تعود صورة بغداد إلى مخيلتها، بازدهارها الثقافي والفني، بمبدعيها وفنانيها قبل أن يقضي المغول بقيادة هولاكو، على تاريخها بتدمير المكتبات وإلقاء أغلب الكتب الثمينة في نهر الدجلة الذي تغير لون مياهه ليصبح بلون الحبر.

فتستحضر عبورهم فوق المجلدات إلى الضفة الأخرى متخذين منها جسرا لجهلهم.

ومع اقتراب الحرب إلى البصرة، قبل الإيقاع بالرئيس الراحل، صدام حسين، تستجمع باقر قواها من أجل حماية إرث حضاري وإنساني عظيم عايشته لمدة 14 سنة.

 

إنقاذ 30 ألف كتاب من الحرق

عملت عالية كأمينة لمكتبة البصرة، التي تضم كتبا ومخطوطات نادرة وقيّمة، علاوة على كونها ملتقى النخبة ورواد الأدب والثقافة في العراق.

ومع بداية الحرب على العراق مطلع سنة 2003، حاولت عالية صاحب ال50 سنة، إقناع المحافظ بإخلاء المكتبة وما تحمله من كتب جديدة وأخرى أثرية ودينية حتى لا تدمرها نيران القصف، إلا انه رفض نقلها إلى أي مكان اخر.

لم يثن قرار المحافظ عالية عن الالتزام بمسؤولياتها كأمينة على مكتبة، التي كانت ولازالت رمزا من رموز البصرة واشعاعها الثقافي عربيا وعالميا.

 

نهب جامعة البصرة

 

فقامت الأمينة بنقل بعض الكتب ليلا في سيارتها، اثر انتقال المكاتب الحكومية إلى المكتبة. وبعد أن “أصبحت الحرب حقيقة” ووصلت نيرانها إلى البصرة لتضيء لياليها بالمدفعيات والقصف المدوي، خلال الغزو البريطاني، غادر موظفو الحكومة المكتبة وهرب الجنود المكلفون بحراستها.

 

 

واستعانت عالية، بجارها أنيس محمد، صاحب مطعم في الجانب الآخر وطلبت منه المساعدة للمحافظة على الكتب بعد نهب السجاد وأثاث المكتبة.

وضعت الكتب في ستائر وصناديق، وساعدهم الكثير من الجيران في ذلك طيلة ليلة كاملة، حيث تؤخذ الكتب من رفوفها وتوضع في أكياس، لترفع عبر الجدار وصولا إلى المطعم، حيث يتم اخفاؤها.

 

 

 

وشملت الكتب المخفية إصدارات باللغة الإنجليزية، والكتب العربية والقرآن الكريم باللغة الإسبانية إلى جانب مخطوطات، منذ مئات السنين، وسيرة “محمد عليه الصلاة والسلام”، التي تعود إلى 1300 سنة. واستطاعت عالية إنقاذ حوالي 30 ألف كتاب، إضافة إلى الدوريات.

وبعد 9 أيام أحرقت المكتبة تماما، ليعود مشهد بغداد مرة أخرى بأقل حدة بعد انقاذ حوالي 70 في المئة من الكتب.

 

المكتبة بعد نهبها وحرقها

 

تحدث صاحب المطعم لصحيفة “نيويورك تايمز”، عن دخول الجنود البريطانيين لمطعمه ليسألوه عن سبب حمله لسلاح، فأجابهم أنه بصدد حماية محله وعمله، وغادروا دون تفتيش. مضيفا “لم يعلموا أن كل المكتبة أصبحت في مطعمي”.

وبعد هدوء الحرب قامت عالية رفقة زوجها باستئجار شاحنة، وأعادت توزيع الثلاثين ألف كتاب في منزلها ومنازل أصدقائها إلى أن تم إعادة بناء المكتبة وفتحها سنة 2004، لتستعيد باقر، منصب أمينة المكتبة.

التجربة الملهمة

وثقت صحيفة “نيويورك تايمز” بطولة باقر، لأول مرة، واستلهم من التجربة كتاب قصص الأطفال.

 

 

وصدر كتاب، “مهمة علياء: إنقاذ كتب العراق”، من قبل مارك آلان ستاماتي، في شكل قصة مصورة، موجهة للأطفال في الصف الثالث حتى الصف السابع، تخللتها معلومات عن تاريخ المكتبات في العراق والشرق الأوسط بشكل توثيقي.

 

 

 

وبالنسبة للإصدار الثاني، “أمينة مكتبة البصرة” لجانيت ونتر، فهو كتاب مصور موجه للأطفال الأصغر سنا، دون التطرق للحرب والقضايا السياسية بشكل تفصيلي.

 

 

وتم تكريمها في البصرة بعد تقاعدها من منصبها واحتفاء العالم بها، حتى أن البعض رأى أن هناك تقصيرا تجاه سيدة أنقذت تراثا ثمينا.

 

 

 

 

 

 

 

أمينة مكتبة البصرة كما صورتها قصة جانيت ونتر

 

البطلة الثقافية للعراق كما يحلو لهم تسميتها، جعلت من مكتبة البصرة مصدرا للعلم والثقافة لتخصص لها هبات من مختلف دول العالم، وتعود كما كانت رغم أسفها على ما ضاع منها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.