سياسة

سياسي تونسي ينشر شهادته عن اليسار في تونس والعمل المسلح

سياسة

 

كشف الوجه اليساري التونسي محمد الكيلاني أنّ حركة “العامل التونسي”، كبرى التنظيمات اليسارية في تونس خلال السبعينات، أرسلت إلى لبنان سنة 1973، وفدا كبيرا للتربص سياسيا وعسكريا. وتم ذلك بالتنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حسب الكيلاني.

ووردت شهادة محمد الكيلاني أمين عام الحزب الاشتراكي، ضمن سلسلة مذكراته التي تنشرها صحيفة “الشروق” اليومية التونسية.

وقال الكيلاني، في حلقة بعنوان “مسدّس الرّفيق والعنف الثّوري“، يوم 24 جانفي/ كانون الثاني 2018، إنّ الوفد الذي توجه إلى معسكرات الجبهة الشعبية في لبنان، قاده أحمد نجيب الشابي (أمين عام الحزب الجمهوري سابقا والمرشح للانتخابات الرئاسية سنة 2014).

وتابع السياسي اليساري روايته، مشيرا إلى أنّ تحول المجموعة اليسارية “أفاق” إلى منظمة ماركسية تحت اسم “العامل التونسي” خلق منعرجا جديدا في التفكير ومنهج العمل، وقال الكيلاني: “مع التحول الخطي ومع تحول اسم المنظمة ومع العناصر الجديدة التي التحقت بالتنظيم بدأت العقلية العامة داخل المنظمة تتهيأ في حقيقة الأمر في ثنايا غير محسوبة”.

معسكر تدريب للجبهة الشعبية

وتحدث الكيلاني في شهادته عن حيازة أحد مناضلي “العامل التونسي” لمسدس، كان مبرره “الحماية الذاتية في التنقلات”، وقد تقرّر، بعد نقاش طويل بين قيادة التنظيم “الاحتفاظ بالمسدس في دار القيادة” بأحد الضواحي الغربية للعاصمة.

وتطرق الكيلاني، وهو مناضل سابق في منظمة “العامل التونسي” اليسارية خلال السبعينات ثم عضو مؤسس بحزب العمال الشيوعي قبل أن ينفصل عنه ويؤسس مجموعة الشيوعيين الديمقراطيين التي اتخذت اسم الحزب اليساري الاشتراكي فيما بعد، وهو اليوم أمين عام الحزب الاشتراكي، إلى منهج التغيير عند مجموعة “العامل التونسي” الماركسية عند تأسيسها بداية السبعينات، والموقف من أدوات العنف والسلاح، وما يسمّى بـ”الحرب الشعبية”، فقال: “بعد نقاش طويل توصلنا الى اتفاق حول أن مفهوم العنف الثوري ليس فرديا وإنما هو يهم الجماهير والشعب في شكل انتفاضة أو في شكل حرب شعبية طويلة المدى”.

وهي الرؤية التي تضمّنها في وقت لاحق البيان التأسيسي لحزب العمال الشيوعي التونسي في 3 جانفي/ كانون الثاني 1986، الذي ورد في نصّه إشارة إلى “تسليح الشعب”: “إن حزب العمال الشيوعي التونسي يقول لكم إن أحوالكم لن تتغير إلا بالثورة ويدعوكم إلى تحقيق المهام التالية (…) القضاء على جهاز الدولة الاستعماري الجديد وعلى ثنائي البرجوازية الكبيرة والهيمنة الامبريالية من أجل تحقيق الاستقلال الكامل والفعلي لتونس وإقامة الجمهورية الديمقراطية للعمال والفلاحين (…) والتسليح العام للشعب بدل قوات البوليس والجيش”.

وفي حلقة بعنوان ” أوّل استعمـــال للمســــدس“، روى محمد الكيلاني يوم 25 جانفي/ كانون الثاني 2018، وقائع استخدامه المسدس الذي كان بحوزة “القيادة”، عندما حاولت دورية أمنية إيقافه فقرر إطلاق النار في الهواء ليفلت من الاعتقال.. “هربت وعندها لم يتمكنوا من اللحاق بي وهددوا بإصابتي بالرصاص كان أول ما خطر لي أن أطلق النار في الهواء واستغليت حالة الهلع التي أصيبوا بها وهربت”.

وحسب الراوي، فإنّ رأي القيادة، وإن اعتبر أنّ ما حصل يدخل في نطاق المحظور، لم يمانع في تكراره. وقال الكيلاني: “عندما عدت حصل نقاش جديد مع حميد عيادة ومحمد صالح فليس وعائشة قلوز، كانوا في حالة ذهول وكانوا يرون أنه حدث ما كان محظورا ولكنه في تلك المرة وضعني في موضع الخطر الأقصى لكن مع ذلك لم نتخذ قرارا بمنع حدوثه ثانية”.

والجدير بالذكر أن تنظيمات قومية يسارية تورطت في أعمال مسلحة داخل تونس أوائل الثمانينات من القرن الماضي وارتكبت محاولات أخرى بعد تدريبها في لبنان، الوجهة التي اتخذتها عناصر يسارية من “العامل التونسي”. ومنها ما يعرف بعملية قفصة سنة 1980 عندما سيطر مسلحون على نقاط حساسة بمدينة قفصة جنوب تونس، إضافة إلى ما يعرف بـ”مجموعة الرطيبي” سنة 1982، التابعة للحزب الثوري الشعبي التونسي (اليساري) الذي كان مقره بلبنان وأصدر نشرية ناطقة باسمه. وكذلك “الحركة الثورية لتحرير تونس” التي كانت باريس إحدى نقاط إدارة عملياتها.

محاكمة مجموعة قفصة المسلحة في مارس/أذار 1980

وتأتي شهادة محمد الكيلاني، الذي سبق أن وجّه نقدا جذريا لليسار التونسي في كتاباته، وفي شهادة تاريخية قدمها على منبر مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات في يوليو/ جويلية 2010، لتوثق لأفكار مرحلة من تاريخ اليسار التونسي، لا يتم تناولها عادة في الكتابات المؤرخة لليسار التونسي، ولا تزال المعلومات شحيحة، حتى اليوم، حول التجربة العسكرية لليسار التونسي في معسكرات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان وسوريا، ولا نعرف، عدا أحمد نجيب الشابي، قائمة أسماء من تدربوا على السلاح من القياديين السياسيين الفاعلين اليوم في الساحة الحزبية القانونية.

ويكاد الحديث عن اليسار اليوم، من قبل رموزه، يقتصر على مرحلة تبنّيه للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان، والتي جاءت متأخرة وتدريجيا، بداية الثمانينات. وربّما يعود ذلك إلى الحذر الكبير الذي يلازم من يروم فتح هذا الملف الغامض من تاريخ اليسار التونسي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.