الرئيسيدين وحياة

آن ماري شيمل: مستشرقة ألمانية درست الإسلام وعشقت روحانيته

سلسة مستشرقات

 

يزخر الحقل الاستشراقي النسوي، في أوروبا بعديد الأسماء البارزة، التي اختصت في الحضارة والتاريخ الإسلامي، كما قدمت اسهامات فكرية ودراسات قيمة، على غرار “آن ماري شميل”، التي تعد نموذجا فريدا في حقل الاستشراق النسوي، فهي عميدة الاستشراق الألماني التي وضعت أسسه عبر أبحاثها التي سلطت فيها الضوء على الإسلام وجذوره وقيمه، وقد أصدرت ما يقرب من “120” مؤلفا وبحثا عن الإسلام وقضت في ذلك ما يزيد عن 60 عام من عمرها.

 

من عائلة بروتستانتية

ولدت آن ماري شيمل في ال 7 من أبريل 1922م، في مدينة إرفورت بوسط ألمانيا،  لأسرة بروتستانتية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، من أب يعمل في خدمة البريد والتلغراف، وأم تنتسب إلى مكان صغير بالقرب من بحر الشمال وإلى عائلة من قباطنة السفن المستقلين الذين يطوفون بحار المعمورة طلبا للرزق.

وقد ذكرت المراجع أن آن شيمل “قد نشأت طفلة وحيدة في جو تسيطر عليه غبطة الحياة وحب الشعر، وكانت منذ طفولتها شغوفة بكل ما يتعلق بالشرق ومعجبة بكل ما هو روحاني وصوفي في الإسلام والأديان الشرقية الأخرى”.

 

تعلم اللغة العربية

بدأت آن ماري بتعلم اللغة العربية، حين بلغت الخامسة عشرة من عمرها، وكان ذلك في حدود سنة 1937م، بمساعدة أستاذ ألماني كان يدرس في جامعة برلين. وقد ذكرت آنا أنها قد  أحبت لغة الضاد وعشقتها “نعم، عشقتها عشقاً حقيقياً”، حتى تمكنت شيئاً فشيئاً  من مطالعة الكتب وقراءة القصص التي كانت باللغة العربية. علاوة على ذلك استطاعت ماري أن تحفظ في فترة وجيزة جزءاً من القرآن الكريم.

 

مرحلة الجامعة الحرجة

تميزت الفترة الزمنية، التي التحقت فيها آن ماري بالجامعة، باندلاع الحرب العالمية الثانية، التي كانت قائمة على مصرعيها الى جانب  قدوم الاشتراكية القومية والتي تعرف بالنازية إلى الحكم، غير أنها تمكنت من المضي قدما في طريقها الجديد الذي يتمحور أساسا حول اكتشاف التراث الاسلامي في الشرق.

وقد حصلتْ على شهادة الدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة برلين على يد المستشرق “ريتشارد هارتمان” وكان ذلك عام 1941م. وفي سنة 1946م حصلت على إجازة تدريس العلوم العربية والإسلامية في جامعة “ماربورج”، كما حصلت سنة 1951 على درجة دكتوراة ثانية في تاريخ الأديان.

أول أستاذة فقه غير مسلمة

قامت آن ماري شيمل بأول زيارة لها الى العالم الاسلامي سنة 1952م، حيث سافرت الى تركيا، أين عينت أستاذة لتاريخ الأديان في كلية الشريعة الإسلامية في جامعة أنقرة، اين قضت 5 سنوات.

وقد كانت بذلك  أول أوروبية غير مسلمة في دولة مسلمة، تتمكن من تدريس الفقه في حين تم رفض طلبها للتعيين من جميع الجامعات الألمانية، باعتبار أنها “امرأة”. كما عملت آنا على تكثيف دراستها عن الإسلام في شبه القارة الهندية.

 

الانجذاب الى المذهب الصوفي

انجذبت المفكرة الاسلامية الألمانية آن شيمل الى التصوف، الذي اعتبرته شكلا من أشكال التربية الروحية، فضلا على أنه  خلاص الروح من أثقال الجسد، وقد خصته بدراسة باللغة الانجليزية، المعنونة ب “الأبعاد الصوفية للإسلام في حقبة السبعينات1974”.

وقد عملت شيمِّل على تفسير جوهر الصوفية برؤية دقيقة، نظرا لأنها كانت تتابع بشغف كتب تاريخية لكبار أئمة المذهب الصوفي في الإسلام.

كما ذهبت الى أن  الفضل في أسلمة بلدان عدة مثل الهند وأجزاء من أفريقيا، يعود إلى الصوفية الخالصة من الشوائب، حيث دعوا إلى المبادئ البسيطة للإسلام بنموذج الحب، من دون التطرق إلى مسائل معقدة ودينية وفقهية.

أشهر مؤلفاتها

استطاعت المستشرقة الألمانية آن ماري شيمل، أن تحقق خلال أكثر من 60 عام، العديد من الانجازات الفكرية والدراسات والبحوث، التي بلغت 120 اصدارا، التي ترجمت العديد منها، من أهمها “الإسلام دين الإنسانية”، الى جانب عدة عناوين أخرى

  • “كتاب السيرة لابن خفيف الشيرازي بالألمانية- 1955م.
  • باكستان قصر ذو ألف باب بالألمانية 1965م.
  • فن الخط الإسلامي بالإنجليزية 1970م.
  • الآداب الإسلامية في الهند بالألمانية 1975م.
  • الأبعاد الروحية في الإسلام بالإنجليزية 1975م.
  • الإسلام في شبه القارة الهندية الباكستانية بالإنجليزية 1980م.
  • وكتاب محمد رسول الله الذي ألفته سنة 1980م، وأعادت كتابته باللغة الانجليزية سنة 1986م.

لماذا تلومونني على حبي لرسول الله؟

بلغت الباحثة الألمانية، آن شيمل، في ايمانها بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حد العشق و قد سعت جاهدة لتأليف كتاب حوله صلى الله عليه وسلم، تحت عنوان” محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله “، الذي صدر باللغتين الألمانية والإنجليزية، وقد حرصت أن تكتب كلمة “محمد” باللغة العربية على غلاف كتابها.

وقد أثار عشق آن شيمل لرسول الله، حفيظة الكثيرين، كما أ ثار ضدها وسائل الإعلام الغربية، فكان أن كتبت “لماذا تلومونني على حبي ودفاعي عن رسول الإسلام الذي أحبه، في حين لم يتعرض شخص في التاريخ للظلم الذي تعرض له محمد صلى الله عليه وسلم في الغرب”.

“روحي أنثى.. الأنوثة في الإسلام”

وقد صدر لها في 2016 ، كتابها “روحي أنثى.. الأنوثة في الإسلام” عن “الكتب خان” بالقاهرة، الذي قامت بتعريبه من الألمانية المترجمة المصرية لميس فايد، التي خطت في مقدّمته “لا شك أننا ندين للمستشرقة آنا ماري شيمل بالكثير؛  بحياتها الحافلة التي قضتها بين المخطوطات وآداب العالم الإسلامي، العربي وغير العربي.

لها الفضل في تقديم التصوّف بنصوصه الأصلية بصورة واضحة للغرب لا لبس فيها، كشفت عن وجه آخر للإسلام يختلف عن ذلك الوجه النمطي المعروف لدى الغرب، الذي درسه وحلّله باستفاضة إدوارد سعيد”.

“في هذا الكتاب، تكتشف آن ماري شيمل العالمة المرموقة دوليا، التي كرست أكثر من خمسين سنة من حياتها لفهم العالم الإسلامي، كنزا من الأفكار والصور التي تزيح الستار عن دور المرأة في الإسلام الذي أسيء فهمه طويلا.

شمل تنتقد النسويات الغربيات تحديدا اللائي يتناولن الإسلام من دون الاستغراق الكافي في ثقافاته، ولغاته، وتقاليد مجتمعاته العديدة.

محطمة الأنماط والأفكار المسبقة، تعيد شمل إنشاء بابٍ هامّ لكنه مجهول في الروحانية الإسلامية. وبأمثلة عديدة، ترينا المساواة الإسلامية بين الرجل والمرأة في السنة، والقرآن، واللغة النسائية في التقاليد العرفانية الإسلامية، وأمهات الكتب الصوفية، والكتب الموجهة إلى الناشئات المسلمات.

كما شمل أعمال الخطاطات، والشاعرات، والفقيهات. الفرع العرفاني في الإسلام، الصوفية، يبدي احتراما كبيرا للنساء التقيات، الفقيهات، المتأدبات. رابعة العدوية أزاحت هذه الطريقة من التنسك والزهد إلى العشق المطلق لله هنا تكشف شمل عن الروح الأنثوية للوجود التي قال عنها جلال الدين إنها امرأة حبلى “تحمل في بطنها اللغز الذي يزداد عمقا مع كل خطوة”.

الوفاة

توفيت المستشرقة الألمانية آن ماري شيمل في 26 من شهر جانفي، كانون الثاني 2003، عن عمر يناهز 81 عام، أمضت أكثر من نصفه في التعرف على التراث الاسلامي، وفي البحث والتنقيب في خبايا الحضارة الاسلامية العريقة، التي  كان لها دور كبير في نهضة العالم وخدمة الفكر الإنساني، كما سعت شيمل إلى مد جسور بين الإسلام والحضارة الغربية.

وفي معرض دفاعها عن الإسلام تقول شيمل: “إن الحضارة التي سارت على سُنة تحية الإسلام، تمرّ اليوم بأطوار من الانغلاق والتصلب الفكري وتبريرية المواقف. وإننا نجد أنفسنا اليوم إلى حد كبير أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلام كشعار، وهي أبعد ما تكون عن أسسه الدينية وأصوله”.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد