مدوناتغير مصنف

ملهاة انتخابات الرئاسة المصرية

بقلم: لمى خاطر

 

ما جرى على مسرح انتخابات الرئاسة المصرية خلال الأيام الفائتة كان محط متابعة كثيرين، ما بين منكر ومتعجب وذاهل من حجم رداءة الإخراج لتلك المسرحية، فبعد التخلص من أحمد شفيق وإجباره على التراجع عن نية الترشح للانتخابات، تم اعتقال المرشح الفريق سامي عنان، وتلفيق اتهامات متنوعة له، والاعتداء على بعض أعضاء فريقه الرئاسي، وصولاً إلى محاولة اغتيال المستشار هشام جنينة، مع انسحاب المرشح خالد علي الذي كان سيحظى بدعم طائفة من مناصري ثورة يناير ومعارضي نظام الانقلاب.

لمى خاطر

في عهد ما بعد إجهاض الثورات من الطبيعي أن يكون المشهد متهافتاً على هذا النحو، وأن يكون الاستخفاف بالخصوم والمعارضين وعموم الشعب سمة ملازمة لذوي السلطة المطلقة والساعين لتكريسها، مثلما أنه من العسير أن يظل الطاغية متحكماً بمصير البلاد والعباد من غير انتخابات تحلل انتهاكاته وترقّع أسمال سياساته، وتهوّن من جنايته على القانون ومنطق الدول، وتزين آلية إحكام سطوته بملهاة انتخابية، لا مجال فيها للتأثير على النسبة الفلكية التي يجب أن تكون عليها النتيجة، والتي لا يمكن أن ترضي طموح الحاكم العربي إن انخفضت عن 95%.

ويبدو أن نظام الانقلاب في مصر حساس لدرجة أنه لا يودّ أن يسجل عنه التاريخ أنه مدد لرئيسه دون انتخابات، بغض النظر عن شكلها، فالعملية الانتخابية ضرورية، لأغراض إعلامية داخلية ولمغازلة مزاج العالم الخارجي، لكنّ المهم هندسة ظروفها وتكييف أجوائها لتأتي ملائمة لرغبات الرئيس المنقلب على أول عملية انتخابية نزيهة في مصر.

لكنّ الطريقة التي جرى عبرها التخلص من كل منافسي السيسي الذين كانت لديهم فرصة لمنافسته بقوة لا تقدّم فقط دلالات على مدى التدهور في المشهد السياسي المصري، وتصدّع منظومة الحريات بالكامل، بل تقول أيضاً إن من يفعل ذلك هو حتماً نظام مهزوم ومهزوز، وإن رأسه فقد الثقة بكل من حوله، حتى الذين جاؤوا من داخل مؤسسته أو دولته العميقة، وإنه بات موقناً وعارفاً بأن الجمهور ينتظر فرصة أو فسحة ليعاقبه على جرائمه وعلى أكاذيبه وعلى مسؤوليته عن التردي السياسي والاجتماعي والاقتصادي للواقع المصري.

 

من العسير أن يظل الطاغية متحكماً بمصير البلاد والعباد من غير انتخابات تحلل انتهاكاته وترقّع أسمال سياساته، وتهوّن من جنايته على القانون ومنطق الدول، وتزين آلية إحكام سطوته بملهاة انتخابية

 

يريد عبد الفتاح السيسي تحييد وتغييب المنافسين الأقوياء حتى لو ضمن النجاح والتفوّق عليهم بفعل آلة التزوير، في ظل غياب الحياة السياسية الحزبية وضمور نشاط منظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تتولى الرقابة على العملية الانتخابية، ويبدو أن ضمان نجاح السيسي ليس كافياً لكي يفسح نظامه المتهتك الفرصة لمنافسته، فالمنافسة قد تحرّك الحياة السياسية في مصر، وقد تعيد بعض المنسحبين من المشهد إلى الواجهة مجدداً أو قد تتيح لبعض التيارات المغضوب عليها والمحظورة في مصر عقد تحالفات غير معلنة مع بعض خصوم السيسي في انتخابات الرئاسة، وكل تلك الاحتمالات تجلب الرعب والهلع لسلطة انقلابية تأسست على القمع وسفك الدماء واعتقال وتعذيب الخصوم.

لذلك يبقى شكل المنافسة الوحيد المسموح به الإتيان بمرشح بائس وضعيف الشخصية والحضور، ولا يحظى بأدنى درجات القبول داخل المجتمع المصري، فهذا النموذج وحده من يمكن للسيسي أن يهزمه وهو مطمئن البال، ودون بذله أي جهد في مواجهته.

لا يليق هذا المشهد بمصر، مصر التي كانت في عهود الاستبداد السابقة للثورات تنفسح فيها آفاق للمعارضة الشجاعة، وتعلو في ساحاتها أصوات تنكر ظلامية الأنظمة وسياساتها القمعية، لكنها اليوم تعيش أسوأ حالاتها وتندب حظها وتتحسر على عهود الاستبداد السابقة لزمن السيسي، لأنها كانت أقل توحّشا، وقمعها أخف ضراوة مما هو عليه الآن.

لكن كل هذا يبدو اليوم ضرورياً لتذكيرنا بحقيقة الطغاة وهويتهم الأصيلة وطبيعتهم التي لا ينفكّون عنها، ولإحالتنا إلى ضرورة انتهاج مسار آخر لمن يريد الخلاص من طغيان وضيع بهذا القدر، وباطش بهذا القدر، ومستخف بشعبه ومعوّل على هوانه بهذا القدر أيضا.

لمى خاطر

كاتبة فلسطينية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد