مجتمعبيت وأسرة

عندما أوقع الاكتئاب صغيرتي في وحله

بقلم: د. زهرة خدرج

 

أحمد ربي كثيراً أنه خلص صغيرتي “مها” من الاكتئاب الذي انزلقت في وحله، وقد كنت أظن أن الاكتئاب لا يصيب الصغار أمثالها، وأحسبه بعيدا عنهم بعد القمر عن الأرض.. هي بطبيعتها مزاجية، سريعة الملل من كل شيء يصبح ملكها، ولكن ذلك لم يكن في نظري مبرراً لأن تقع في مستنقع الاكتئاب.

كانت صغيرتي في السادسة من عمرها عندما حاصر المحتلون بيتنا بعد منتصف الليل ودخلوه بطريقة همجية، وعاثوا فيه فساداً، وقيدوا والدها واعتقلوه أمام أعيننا، استيقظت من نومها على ضجيجهم، وشاهدت ما يجري لوالدها، فقفزت نحوه، وتشبثت به، إلا أنهم أبعدوها عنه بقسوة، واقتادوه إلى حيث لا نعلم..

وقفت حينها ترقب السيارة العسكرية المغادرة باكية بصمت كئيب، ضممتها إلى صدري وحاولت طمأنتها، إلا أنها بقيت صامتة وكأنها فقدت القدرة على الكلام.. سليت نفسي قائلة: ستمر الحادثة على خير، وستنساها بعد أن يخرج والدها من السجن، فالصغار ينسون عادة..

إلا أن تغيراً حل بها لم أعهده فيها من قبل، فقد أخذت تتشبث بي أينما حللت وارتحلت، وكأنها عادت ثلاثة أعوام إلى الوراء، وأصبحت سيئة المزاج كثيرة البكاء والتذمر بسبب ودون سبب، وبات الخوف من كل شيء يلقي بظلاله على شجاعتها وثقتها بنفسها..

كما فقدت الدافعية لكل شيء، وكأنه لم يعد للحياة طعم في نظرها، باتت تكره المدرسة ولا ترغب بالذهاب إليها، وترفض أداء الواجبات، واشتكت معلماتها من تراجع أدائها فيها، وغلبت عليها الرغبة بالعزلة والبقاء في البيت، وأخذت ترفض اللعب مع الصغار، كما لم تعد تندفع لتعلم الأشياء الجديدة واستكشافها كالسابق، أما توترها وعصبيتها الزائدة والمستمرة على مدار اليوم والتي لم تكن من شيمها، فكانت تصيبني بالقلق الشديد عليها..

وأستغرب جداً، لماذا تكون في أسوأ حالاتها المزاجية عند استيقاظها من النوم صباحاً، رغم أن الأطفال يستيقظون سعداء مرتاحين عادة.

المخيف في الأمر أن حالتها لم تتوقف عند هذا الحد، رغم بذلي لمجهود كبير للتخفيف والترفيه عنها، بل أخذ الأمر يزداد سوءاً مع مرور الوقت. غادرت الابتسامة وجهها إلى غير رجعة، وأخذت أسمع منها عبارات أرعبتني، “كان من الأفضل لو أنني غير موجودة في هذه الحياة”، “أفضِّل الموت على البقاء”، “أكره الدنيا ومن فيها”، “أكره البيت، والمدرسة، والألعاب… وكل شيء”.. وعندما ألومها على كلامها وأقول لها بأنني أحبها، وأحب أن أراها فتاة كبيرة ناجحة، كانت تسخر مني وتقول: “لديك من الأبناء ما يكفيك غيري، ما أنا إلا بنت فاشلة، سيئة، لا تصلح لشيء”.. وفي كل مرة أتحدث إليها عن حزنها وعصبيتها، أستغرب كيف غدت عنيدة صعبة الإقناع بهذه الطريقة، فهي لا تتجاوب معي، وتصر على رفضها للأشياء المحيطة بها، والأفكار التي أعرضها عليها..

ليس ذلك فقط ما حدث لها، بل امتدت التغيرات لتطال شهيتها للطعام وتناقص وزنها، واختلال نومها، فأصبحت تنام بصعوبة ولفترات قصيرة ومتقطعة، حتى شحب لونها، وغدت هزيلة خاملة قليلة النشاط والحركة، تشتكي الصداع وألم المعدة والبطن بشكل مستمر.

في البداية، اعتقدت أنها تمر بفترة من التغيرات الطبيعية في سلوكها وشخصيتها؛ ناتجة عن اعتقال والدها، وبعده عنها، ودخولها المدرسة وتعرضها لبيئة جديدة وأناس جدد، ولكن الأمر أخذ يقلقني استمراره.. تدخل الأقارب والأصدقاء مرات عدة ليعيدوا لقلبها بعضاً من الفرح.. ولكنها كانت كمن فقد القدرة على الاستمتاع بالحياة، وفضلت البقاء في عزلتها.

 

أخذت مها تعود إلى طبيعتها، وعادت البسمة تشرق على شفتيها، وعادت إلى نشاطها، وفضولها الطفولي، وعادت إلى مدرستها بشغف.. وخرج والدها من السجن بعد عام ونصف، فاكتملت سعادتي..

 

لا أستطيع أن أنسى كيف وجدتها ذات يوم وقد قطَّعت جميع الألعاب التي كانت تزين غرفتها، حتى ألوانها كسَّرتها، ودفاتر رسمها مزقتها ونثرت أوراقها أرضاً، وجلست تبكي في زاوية سريرها.. تفطر قلبي خوفاً عليها..

وتأكدت حينها أن خطباً ما قد ألمَّ بها.. وللمرة الأولى اعترفت أمام نفسي ومن دون مواربة أن ما يحدث معها غير طبيعي.. فمنذ ما يربو عن سنة وهي في دائرة الحزن والتعاسة ذاتها، لهذا أظنها بحاجة لمساعدة ما.. لا أدري ما هي، ولا أدري كيف أعثر عليها.. ولكني لم أستطع انتظار مزاجها لأن يتعدل أكثر من ذلك.

توجهت بمها إلى مركز للإرشاد النفسي، جلسنا مع مرشد نفسي جلسة طويلة، كان لطيفاً جداً، ومتعاوناً وعارفاً بمشكلات الأطفال النفسية، شرحت له خلالها وضع ابنتي وتفاصيل حالتها، وجه لي ولمها الكثير من الأسئلة، وناقشها في العديد من التفاصيل.. ثم أعطاني استمارة تحوي داخلها أسئلة كثيرة ودقيقة أجبت عنها بــ”نعم، أو لا، أو أحياناً”. بعد ذلك قال لي: “صغيرتك مصابة بالاكتئاب يا سيدتي، اعتقال والدها كان هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير، تقلباتها المزاجية التي ذكرتها، ليست عصبية أو مزاجية طبيعية، بل تعتبر من علامات الاكتئاب عندما تطول وتستمر، عدا عن العلامات الكثيرة الأخرى التي ذكرتها”.

شرح لنا المرشد الكثير عن مرض الاكتئاب عند الأطفال، أسبابه، أعراضه، تطوره وعلاجه، وأكد لنا بأن حالة مها ستتحسن، وستعود لطبيعتها كما كانت من قبل. ثم وضع لها خطة علاجية تتضمن جلسات علاج باللعب، وجلسات تفريغ نفسي، وجلسات علاج معرفي سلوكي.. استطاع المرشد كسب ثقة مها وتعاونها معه من الجلسة الأولى.

زودني المرشد ببعض النصائح التي تساعد في شفاء مها من الاكتئاب، ومنها: تخصيص وقت للإصغاء لمها، وسؤالها عن مشاعرها، والتعبير عن حبي لها، تشجيعها على الرياضة والنشاط، والنوم المبكر، والتغذية الصحية والسليمة، الالتزام بمواعيد الجلسات، وطمأنتها دائماً أنها ستتحسن.

أخذت أصحب مها للمركز ثلاث مرات أسبوعياً، لمدة ساعتين لكل جلسة، بدأت ألحظ تحسناً في مزاجها، وأصبحت تقدر ذاتها، ولا تتعامل مع كل شيء بعصبية ومزاجية كما كانت تفعل سابقاً.. كما كان يعطيها المرشد واجبات تنفذها في البيت.. وأصبحت لها حصة من الرياضة اليومية الصباحية تحت أشعة الشمس.

أخذت مها تعود إلى طبيعتها، وعادت البسمة تشرق على شفتيها، وعادت إلى نشاطها، وفضولها الطفولي، وعادت إلى مدرستها بشغف.. وخرج والدها من السجن بعد عام ونصف، فاكتملت سعادتي.. إلا أن هاجس عودة الاكتئاب لمها بقي يلازمني لسنوات عديدة بعد ذلك.. رغم مضيِّ مها في دروب الحياة.

 

الوسوم

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق