الرئيسيثقافة

رواية الخباء لميرال الطحاوي: شاعرية عالم البدو عندما تحيكه الانثى

سلسلة الأدب النسوي

شهد سلامة- مجلة ميم

الصحراء عالم ثري بتفاصيله ومفرداته وحياة البدو مليئة تستهوي الراغبين في متعة الاكتشاف، كما تلهب خيال الشعراء والكتاب الذين نهلوا منها الكثير وقدموا عصارة ذلك في مدوناتهم الشعرية والسردية.

ولأن الثقافة العربية ترتبط ارتباطا وثيقا بعالم الصحراء والحقل الدلالي لمفهوم البداوة، فإنها تحفل بنصوص فذة تناولت هذا الحقل.

لكن الكتابة عن عالم الصحراء ظلت حكرا على الرجال تقريبا  وهم فرسان هذا الميدان بإمتياز.

غير ان هذا لا يعني عدم وجود استثناءات، والكاتبة التي نحن بصدد تصفح نصها الروائي تنتمي الى هذه الفئة من الكاتبات اللواتي ولجن مجاهل الصحراء مدججات بحس انثوي تمكن من حياكة عمل سردي مطرز بتفاصيل انثروبولوجية تعانق الروعة.

 

الكاتبة المبدعة ميرال الطحاوي

 

وهذا ليس بغريب عن كاتبة تتصل جذورها العائلية بعالم القبيلة البدوية ونحن نتحدث عن الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي ونعود الى مقاربة نصها الروائي الاول ” الخباء ” الذي تميزت فيه كما بات من اهم النصوص السردية التي  اتخذت من  تيمة الصحراء والبداوة عموما موضوعا اثيرا لمعالجة تفاصيل معيش اولئك الذين شاءت الاقدار ان يولدوا في البادية الصحراوية.

وفي الخباء تطالعنا شخصية فاطمة الطفلة البدوية المتمردة التي جعلتها الصحراء صلبة، رغم ان عودها اخضر ورغم يفاعة سنها، الا انها تتحدى صرامة المجتمع البدوي وتعبر عن رغبتها الدفينة في ان تغادر هذا العالم الذي تحكمه عصا الجدة وقسوة الموانع والضوابط.

ورغم ان الطفلة فاطمة تعبر في بعض الاحيان عن الحنو والتدليل الذي تنعم به الا انه مغلف بالصرامة التي هي الطبع الغالب على اهل البادية كما تقدمهم الكاتبة ميرال الطحاوي.

وتتخلل حكاية فاطمة تفاصيل هذا العالم السحري المفعم بحيوية خاصة تتجلى في تفاصيل الملابس البدوية ذات الالوان الحارة وكذلك الاغاني الفلكلورية والاهازيج الراقصة التي يرددها اهل الصحراء.

 

وتمعن ميرال الطحاوي في وصف هذا العالم بلغة شعرية موحية ولا تخلو من العمق في الوقت نفسه.

ولعل هذا الاسلوب الشعرية اضفى خصوصية على هذا النص الروائي وخفف كثيرا من صرامة الواقع البدوي كما قدمته الكاتبة.

وفي رواية الخباء تراوح الكاتبة بين تفاصيل حياة فاطمة في عالمها البدوي وبين حياة اخرى انتقلت لها عندما عاشت في بيت ” الخواجة ” حيث تغيرت مفردات العيش لديها وهناك تتعلم اللغات الاجنبية ومظاهر الحياة المتحضرة المناقضة تماما لنمط عيشها الاول.

لكن رخاء وليونة الحياة الجديدة تترافق مع شعور عميق لدى البطلة بالغربة والوحشة وهو ما يجعل وجدانها دوما متعلق بعالمالبداوة الذي تشتاق اليه وتحلم به .

في الخباء تتماهى تقريبا ميرال ابنة تلال البدوان وقبيلة الطحاوية مع فاطمة الطفلة الصغيرة التي تستحضر من خلالها جانبا من طفولتها القابعة في مكان ما من الذاكرة يصعب القبض عليه. وهي تمنح هذه البطلة بعض خبراتها الطفولية في عالم الصحراء الساحر المبهر والمفعم بالغموض ايضا.

 

وتحاول الكاتبة من خلال هذا النص اماطة اللثام عن عالم النساء في المجتمع الصحراوي البدوي، متجاوزة الصراع التقليدي بين الجنسين لصالح نوستالجيا تحاول اعادة الاعتبار لتفاصيل حياة البدو التي تنقلها بدقة انثروبولوجية لا متناهية. وهي  تستحضر في ذلك كل ما اختزنته ذاكرتها المكتظة بمفردات هذا العالم الذي عاشته في طفولتها التي احتضنتها قرية بدوية في مصر.  

وتعد رواية الخباء التي صدرت عام 1996 عن دار شرقيات بالقاهرة من اهم الروايات الصادرة في التسعينات، وقد وضعت اسم صاحبتها في قائمة اهم الروائيات العربيات.

فبعد مجموعتها القصصية الاولى الموسومة ب”ريم البراري المستحيلة” التي اصدرتها عام 1995،  جاءت الخباء لتكرس اسم ميرال الطحاوي كروائية مهمة وتلت هذه الرواية اعمال اخرى للكاتبة على غرار الباذنجانة الزرقاء ونقرات الظباء. كما اصدرت رواية بروكلين هايتس وإمراة الارق.

 

ويذكر ان ميرال الطحاوي اكاديمية درست بجامعة القاهرة قبل ان تهاجر الى الولايات المتحدة عام 2007 لتستقر بها وتعمل في مجال التدريس الجامعي هناك.

وقد حازت على جائزة نجيب محفوظ للرواية كما نالت عديد الجوائز الاخرى وترجمت اعمالها الى الالمانية والانجليزية.

واذا اردنا اختزال رواية الخباء فلن نجد ابلغ مما قالته كاتبتها عنها

“أنا بنت شيخ العربان رسمت في الخباء البطلة الممزقة بحثا عن طفولتها واحلام تحررها. كتبت الكثير من المقالات عن الخباء ربما لانها صورت عالما مختلفا لكن الاهم بالنسبة لي انها قدمت تجربتي واختصرتها، وهي تجربة خاصة وعالم خاص والخصوصية لا تعني التفرد ولا النجاح،  تعني فقط الاختلاف، ومازلت اقامر على اختلاف تجربتي واحلم بالكتابة التي تعبر بشفافية  عن روحي كانسانة وككاتبة”.

 

وعن الكتابة عموما، تقول ميرال الطحاوي “أعتقد أن حياتي حافلة بالتمرد مثل كتاباتي. تمردت على أسرتي باكراً، وتمردت على الكثير من المدارس الفكرية التي انتميت لها، تمردت على الشكل التقليدي للنص، وتمردت كثيراً على نفسي. وأعتقد أن التمرد قلق وجودي يعبر – ببساطة – عن ذات قلقة وطامحة ومليئة بالتوق، ودفعت ضريبة هذا التمرد. كل مرة كنت أدفع ضريبة ما. وحينما أختار شكل الكتابة المتمرد، فهذه أيضاً مخاطرة بالقارئ وبفهمه وبتلقيه لما أكتب.

أعتقد أيضاً أن التمرد تعبير عن الذات في مواجهة العادي، مثل اللغة الشعرية حين تكسر التوقع وتخالف المنطق اللغوي لبهجة الكتابة، ولتعميق مفهومك اللغوي. التمرد مثل استعارة لغوية تكسر القاعدة لتخلق الجمال المحض. أتمرد معظم الوقت حين أخلق نصاً جديداً، حين أغفل حسابات وتوقعات الآخرين عني وتوقعاتي عن ذاتي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.