مجتمعالرئيسي

الخرافات العشر حول إسرائيل

تقديم لكتاب المؤرخ إيلان بابي "الخرافات العشر حول إسرائيل"

 

لا يزال الشرق الأوسط يمثل موضوعا يتطلب المزيد من البحث والمناقشة.  ويبدو أن آفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين آخذة في الانحسار. ففي أوائل سنة 2018، وافق حزب الليكود الحاكم في إسرائيل بالإجماع على قرار يدعو إلى ضم مستوطنات الضفة الغربية. ويستند هذا القرار إلى مبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة كجزء من اتفاق السلام المستقبلي. في هذا السياق، قال وزير الأمن العام، جلعاد أردان: “إننا نقول للعالم، من خلال هذا القرار، إن ما تقوله دول العالم عنا لا يهمنا. لقد حان الوقت للتعبير عن حقنا التوراتي في امتلاك هذه الأرض”.

في الواقع، يعد فهم العالم للادعاءات المتضاربة بشأن تاريخ فلسطين، مشوشا. فعلى مدى سنوات، سمعنا الرواية الفلسطينية والإسرائيلية أيضا. في المقابل، كانت هناك جهود ضئيلة للغاية لفهم ما حدث حقا في هذه المنطقة، وللتوصل إلى اتفاق حول المكان الذي تنتهي فيه الخرافة وتبدأ فيه الحقيقة.

في هذا الصدد، كتب الأستاذ إيلان بابي، وهو المؤرخ الإسرائيلي الذي يُدرّس حاليا في جامعة إكسيتر في المملكة المتحدة، كتاب “الخرافات العشر حول إسرائيل” في الذكرى الخمسين لاحتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية. ويتناول هذا الكتاب أكثر الأفكار إثارة للجدل حول أصول وهوية دولة إسرائيل المعاصرة.

وتجدر الإشارة إلى أن الخرافات العشر التي سيعرضها بابي تؤكد على حقيقة الوضع الإقليمي الراهن. كما حاول بابي تقصي حقيقة الادعاء الذي يفيد بأن فلسطين كانت أرضا خالية من السكان في وقت إعلان بلفور، فضلا عن الادعاء المتعلق بتشكيل الصهيونية والدور الذي اضطلعت به في العقود الأولى من بناء هذه الأمة.

وفي هذا الكتاب، تساءل بابي عما إذا كان الفلسطينيون قد تركوا وطنهم طوعا في سنة 1948، وما إذا كانت حرب حزيران/يونيو سنة 1967 تعتبر حرب الخيارات المنعدمة. علاوة على ذلك، تطرق بابي إلى الخرافات المحيطة بإخفاقات اتفاقيات كامب ديفيد، والأسباب الرسمية للهجمات على غزة. كما فسر السبب الذي يجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق بعد الآن.

 

بروفسور إيلان بابيه المختص في تاريخ الصهيونية

التضليل التاريخي

في أحد مقتطفات الكتاب، قال بابي: “كما يُظهر ذلك مثال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يمكن أن يلحق التضليل التاريخي ضرار هائلا حتى بالأحداث التي جدّت في الماضي القريب. ويمكن أن يعمق سوء الفهم المتعمد للتاريخ من قبل الأنظمة القمعية ويحمي نظام الاستعمار والاحتلال. بناء على ذلك، ليس من المستغرب أن يظل استخدام سياسات التضليل قائما حتى اللحظة الراهنة،  نظرا لأنها تلعب دورا حاسما في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وتقوم قصة التاريخ الصهيوني حول الأرض المتنازع عليها التي أصبحت تمثل دولة إسرائيل، على مجموعة من الخرافات التي  تلقي بظلال من الشك على حق الفلسطينيين الأخلاقي في الأرض…ويتحدى هذا الكتاب هذه الخرافات، التي تظهر عموما كحقائق لا جدال فيه. ومن وجهة نظري، تعد هذه الحقائق مجرد مغالطات وافتراءات، يمكن ويجب دحضها من خلال إجراء بحث دقيق في السجل التاريخي”.

وبدأ الكاتب باعترافه بأن “ما ورد في هذا الكتاب غير متوازن، حيث أنه بمثابة محاولة أخرى لترجيح ميزان القوى لصالح الفلسطينيين المُستعمَرين والمحتجَزين والمضطهَدين على أرض إسرائيل وفلسطين. وإذا كان دعاة الصهيونية أو المؤيدون الأوفياء لإسرائيل يرغبون أيضا في التعامل مع الحجج الواردة في هذا الكتاب، فسيُعتبر ذلك مكسبا حقيقيا.

ولكن، في نهاية المطاف، من كتب هذا الكتاب هو يهودي إسرائيلي يهتم بمجتمعه بقدر ما ينشعل بالفلسطينيين. وينبغي أن يكون دحض الخرافات، التي تُغذي المظالم، مفيدا لكل من يعيش على هذه الأرض أو يرغب في العيش عليها. كما يشكل ذلك أسسا يمكن من خلال إرسائها أن يتمتع جميع سكان هذه الأرض بإنجازات عظيمة، لا يحق سوى لمجموعة مميزة واحدة في الوقت الحالي بالنفاذ إليها”.

وتتمثل الأسطورة الأولى في الادعاء الصهيوني القائل إن فلسطين كانت أرضا خالية من السكان في حين أن هناك إجماعا بين العلماء على أن الرومان هم الذين أعطوا لهذه الأرض اسم “فلسطين”. وخلال عهد الرومان، وفيما بعد، البيزنطيين، كانت هذه الأرض تعتبر إحدى المقاطعات الإمبراطورية، التي تطمح مختلف الإمبراطوريات الإسلامية للسيطرة عليها، لأنها كانت موطنا لأقدس مكان في الإسلام، فضلا عن أنها تعد من الأراضي الخصبة وتحظى بموقع إستراتيجي.

وخلال سنة 1517، بدأ العهد العثماني الذي استمر على امتداد 400 سنة. وعندما وصل العثمانيون إلى هذه الأرض، وجدوا مجتمعا يتكون معظمه من المسلمين السنة والريفيين، فضلا عن وجود بعض النخب الحضرية الصغيرة التي تتحدث العربية. وكان هناك أقل من 5 بالمائة من السكان اليهود، وربما ما بين 10 و15 بالمائة من المسيحيين.

 

صورة لسكة الحديد التي تمر عبر القدس التقطت في 1892

 

تراوحت نسبة السكان اليهود ما بين 2 و5 بالمائة

في هذا الإطار، أشار المؤرخ يوناثان مندل إلى أن “نسبة اليهود، قبل صعود الصهيونية بالتحديد، تعتبر غير معروفة. ولكن، من المرجح أنها تراوحت بين 2 و5 بالمائة”. ووفقا لما جاء في السجلات العثمانية، كان يبلغ عدد سكان تلك الأرض، التي تُعرف اليوم باسم فلسطين وإسرائيل، 462.465 نسمة خلال سنة 1878.

وقد ضم هذا العدد 403.795 مسلما (أي ما يعادل 87 بالمائة من مجموع السكان،  )بالإضافة إلى 43.659 مسيحيا (أي حوالي 10 بالمائة(، 15.011من اليهود (ما يعادل 3 بالمائة(. ومن وجهة نظر إيلان بابي، سوف يتوصل أولئك الذين يتلقون معلوماتهم من مصادر إسرائيلية رسمية، إلى وجهة نظر مفادها أنه “خلال القرن السادس عشر، كانت فلسطين أرضا يهودية في المقام الأول، فضلا عن أن شريان الحياة بالنسبة للأنشطة التجارية في المنطقة كان يتركز على المجتمعات اليهودية”.

واستنادا إلى موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، أشار بابي إلى أنه “وبحلول سنة 1800، أصبحت فلسطين بمثابة صحراء. ومع مرور كل سنة، كانت هذه الأرض تصبح قاحلة أكثر، حيث ارتفع فيها معدل إزالة الغابات وتحولت الأراضي الزراعية إلى صحراء. وفي الحقيقة، يعد الترويج، من خلال موقع رسمي للحكومة، لمثل هذه الصورة المُلفّقة سابقة فريدة من نوعها”.

في المقابل، طعن العديد من العلماء الإسرائيليين في هذه الرواية الكاذبة، ومن بينهم ديفيد غروسمان (الديموغرافي وليس الروائي)، وعمنون كوهين ويهوشوا بن أريه. وتُبين أبحاث هؤلاء العلماء أن فلسطين كانت، على مر القرون، مجتمعا عربيا مزدهرا عوضا عن صحراء قاحلة. خلافا لذلك، أفاد بابي أن “خارج إسرائيل، وخاصة في الولايات المتحدة، لا يزال الافتراض الذي يفيد أن الأرض الموعودة كانت خالية وقذرة وقاحلة قبل وصول الصهيونية، متداولا. في حين بدأت فلسطين تتطور كدولة قبل فترة طويلة من وصول الحركة الصهيونية.

وتحت حكم حكام محليين نشطين من قبيل ظاهر العمر (1690-1775)، تم تجديد مدن على غرار حيفا، وشفا عمرو، وطبرية، وعكا، وبث النشاط فيها. فضلا عن ذلك، ازدهرت الشبكة الساحلية للموانئ والبلدان من خلال روابطها التجارية مع أوروبا، في حين أن السكان الذين يقطنون في السهول الداخلية كانوا يربطون علاقات تجارية داخلية مع المناطق المجاورة.  ولذلك من المستحيل أن تكون الأرض عبارة عن صحراء”.

 

نسبة اليهود تراوحت بين 2 و5%

 

كثافة سكانية مرتفعة

وفي نهاية القرن التاسع عشر، كانت الكثافة السكانية في فلسطين مرتفعة، بالإضافة إلى نسبة قليلة من اليهود الذين عاشوا بين الفلسطينيين في ذلك الوقت وعارضوا الأفكار التي تروج لها الصهيونية.

وعلى عكس المفهوم الذي رُوج له بأن فلسطين “أرض غير مأهولة”، أكد إيلان بابي أن فلسطين: “كانت جزءا من منطقة غنية وخصبة شرق البحر الأبيض المتوسط، ​ومرت بعمليات تحديث وتأميم في القرن التاسع عشر. بناء على ذلك، لم تكن فلسطين أرضا صحراء تنتظر فترة ازدهارها. لقد كانت دولة رعوية على وشك أن تصبح مجتمعا حديثا في مطلع القرن العشرين، إلى جانب كل الفوائد والعلل التي ترافق هذا التحول. ولكن أدى استعمارها من قبل الحركة الصهيونية إلى جعل هذه العملية التحولية بمثابة كارثة بالنسبة لأغلبية السكان الأصليين الذين يعيشون هناك”.

أما الخرافة الثانية التي تم تبينها فمفادها أن “اليهود شعب بلا أرض”. وقد تساءل بابي عما إذا كان المستوطنون اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين يمكن اعتبارهم “شعبا” بالفعل. واستشهد بابي في ذلك بكتاب “اختراع الشعب اليهودي” لصحابه “شلومو ساند”، الذي يظهر أن العالم المسيحي قد تبنى، خدمة لمصلحته الخاصة، الفكرة القائلة إن اليهود كأمة يجب أن يعودوا يوما ما إلى الأرض المقدسة. وتشكل هذه العودة، في نظرهم، جزءا من المخطط الإلهي لنهاية العالم، جنبا إلى جنب مع قيامة الموتى وإحياء المسيح.

وقد أدت الاضطرابات اللاهوتية في زمن الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر إلى خلق ارتباط واضح، لا سيما في صفوف البروتستانتيين، بين فكرة نهاية الألفية وتحويل اليهود إلى المسيحية، بالإضافة إلى عودتهم إلى فلسطين.

وقد كتب عالم اللاهوت البريطاني من القرن 16، توماس برايتمان: “هل سيعود اليهود إلى القدس مرة أخرى؟ ليس هناك أي أدنى شك. إن جميع الأنبياء في كل مكان أكدوا، بل وراهنوا على ذلك”. وقد أكد برايتمان على رغبته في اعتناق اليهود للدين المسيحي أو مغادرتهم لأوروبا. وبعد مائة سنة، كتب اللاهوتي الألماني، هنري أولدنبورغ: “إذا سنحت الفرصة وسط المتغيرات التي تطرأ على الشؤون الإنسانية، فإن اليهود قد يبنون إمبراطوريتهم من جديد، وقد يجعلهم الإله شعبه المختار مرة ثانية”.

 

فلسطين قبل النكبة

المشروع الاستعماري المسيحي

دوّن إيلان بابي أن الصهيونية: “كانت مشروعا مسيحيا استعماريا قبل أن يصبح يهوديا. فقد برزت حركة لاهوتية إمبريالية قوية جعلت من مخطط عودة اليهود إلى فلسطين عنصرا أساسيا ضمن إستراتيجيتها للاستيلاء على فلسطين وتحويلها إلى كيان مسيحي. وقد أدى هذا المزيج الخطير من الحماس الديني والانحياز الإصلاحي إلى إعلان وعد بلفور في سنة 1917.

وقد مثل لورد شافتسبري (1801-1885)، أحد كبار السياسيين والمصلحين في إنجلترا في القرن التاسع عشر، الذي دافع بشدة عن عودة اليهود لفلسطين وإقامة دولة يهودية هناك. وكانت حججه من أجل تبرير توسع الوجود العسكري البريطاني في فلسطين، دينية وإستراتيجية على حد السواء.

فضلا عن ذلك، ذكر بابي أن: “لورد شافتسبري أقنع الأسقفية الأنجليكية والكاتدرائية في القدس بتوفير التمويل الأول لهذا المشروع. ولعل هذا لم يكن ليحدث على الإطلاق لو لم ينجح شافتسبري في تجنيد صهره، وزير الخارجية البريطاني ورئيس الوزراء في وقت لاحق، لورد بالمرستون، لخدمة هذه القضية.

وفي سنة 1839، كتب شافتسبري مقالا من 30 صفحة في مجلة “لندن كوارتيرلي ريفيو”، توقع فيه حقبة جديدة لليهود، حيث قال: “يجب تشجيع اليهود على العودة بأعداد كبيرة، ليصبحوا مرة أخرى أصحاب يهودا والجليل. فعلى الرغم من أنهم متزمتون وغارقون في الانحلال الأخلاقي، والجهل بتعاليم الإنجيل، إلا أنهم يستحقون الخلاص. ويشكل ذلك بصيص أمل للمسيحية في الخلاص أيضا”.

كما أشار إيلان بابي إلى وجود الكثير من التكهنات في السابق، حول ما إذا كان اليهود الذين استقروا في فلسطين كصهيونيين هم في الحقيقة أحفاد لليهود الذين تم نفيهم قبل 2000 سنة. من جانبه، كتب آرثر كوستلر (1905-1983) “القبيلة الثالثة عشرة” سنة (1976)، حيث قدم نظرية  مفادها أن المستوطنين اليهود ينحدرون من الخزر، وهي أمة تركية من القوقاز اعتنقت اليهودية في القرن الثامن، ثم أُجبرت على الهجرة نحو الغرب.

وقد حاول العلماء الإسرائيليون منذ ذلك الحين إثبات وجود علاقة وراثية بين يهود فلسطين الرومانيين وبين الفلسطينيين الموجودين اليوم. ولا يزال النقاش في المسألة قائما إلى غاية الآن.

 

مشهد لتنكيل الجيش البريطاني بالأهالي الفلسطينيين

ادعاء إسرائيل بأنها تمثل جميع اليهود

حاجج إيلان بابي أن “ما يهم فعلا لا يتمثل في ادعاءات الصهيونية في القرن التاسع عشر، أو الدقة التاريخية لهذه الادعاءات. إن ما يهم فعلا لا يرتبط بما إذا كان اليهود الحاليون في إسرائيل هم أحفاد أولئك الذين عاشوا في العصر الروماني، بل هو إصرار إسرائيل على أنها تمثل كل اليهود في العالم، وأن كل ما تفعله هو من أجلهم ونيابة عنهم”.

وأضاف بابي أنه: “إلى غاية سنة 1967، كان هذا الادعاء مفيدا للغاية بالنسبة لدولة إسرائيل، إذ أصبح اليهود في جميع أنحاء العالم، وخاصة في الولايات المتحدة، من المؤيدين الرئيسيين لسياساتها كلما تم التشكيك فيها. ومن عديد النواحي، لا يزال هذا هو الحال في الولايات المتحدة اليوم. مع ذلك، وفي الكثير من المجتمعات اليهودية الأخرى، حتى في الولايات المتحدة نفسها، أضحى هذا الارتباط الواضح محل تقويض في الوقت الحاضر.

وقد شرح بابي، فيما يتعلق بفبركة النظرية القائلة إن اليهود هم أمة تنتمي لفلسطين ومن الواجب مساعدتهم على العودة، أنه “كان على ثلة من المنظرين أن يعتمدوا على المسؤولين البريطانيين، وفي وقت لاحق، على القوة العسكرية. ويعود ذلك إلى أن اليهود والعالم بصفة عامة، لم يكونوا مقتنعين بأن اليهود كانوا شعبا بلا أرض. وقد أحب كل من شافتسبري، وفين، وبلفور، ولويد جورج هذه الفكرة لأنها ساعدت بريطانيا على اكتساب موطئ قدم في فلسطين.

ولكن أصبحت هذه النظرية غير قابلة للتحقيق بعد أن استولى البريطانيون على فلسطين بالقوة، ثم اضطروا إلى اتخاذ القرار من نقطة انطلاق جديدة، إن كانت الأرض يهودية أو فلسطينية، وهي مسألة لا يمكن الإجابة عليها بشكل صحيح. وبالتالي اضطرت بريطانيا إلى ترك المسألة معلقة ليقوم بحلها آخرون بعد 30 سنة من الحكم الذي غلب عليه الإحباط.

 

يمثل الفصل الذي يتناول خرافة أن “الصهيونية تعتبر يهودية”، فصلا مثيرا للاهتمام. وفي الواقع، كانت الصهيونية في الأصل بمثابة رأي أقلية بين اليهود. وقد كتب إيلان بابي أن: “الصهيونية، منذ تأسيسها في منتصف القرن التاسع عشر، كانت تمثل تيارا موحدا كتعبير أساسي عن الحياة الثقافية اليهودية. ونبع هذا التيار من وسط موجتين اجتماعيتين يهوديتين في وسط وشرق أوروبا.

وقد كانت الموجة الأولى تبحث عن الأمان داخل مجتمع رفض دمج اليهود على قدم من المساواة، بل واضطهدهم أحيانا. أما الموجة الثانية فقد كانت مدفوعة برغبة في محاكاة حركات وطنية جديدة تكاثرت في أوروبا في ذلك الوقت. ولم يكن هؤلاء اليهود، الذين سعوا إلى تحويل اليهودية من دين إلى أمة، فريدين من نوعهم بين الجماعات العرقية والدينية العديدة، التي رغبت في إعادة تشكيل نفسها كدول، في زمن حكم الإمبراطوريتين المتداعيتين؛ النمساوية-المجرية والعثمانية.

 

صورة من المؤتمر الأول للصهيونية

إعادة تعريف اليهودية

طرح الصهاينة الأوائل فكرتين جديدتين وهما؛ إعادة تعريف اليهودية كحركة وطنية، وضرورة استعمار فلسطين. وأصبحت هذه الأفكار أكثر شعبية بعد موجة وحشية من المذابح في روسيا في سنة 1881، التي حولت هاتين الفكرتين إلى برنامج سياسي نشرته حركة تسمى “أحباء صهيون”. وقد أرسلت الحركة مجموعة من الشباب اليهودي المتحمس لبناء أول مستعمرات جديدة في فلسطين في سنة 1882.

كما تُوجّت هذه المرحلة الأولى من الصهيونية بأفكار وأعمال “تيودور هرتزل”، وهو صحفي ملحد لا علاقة له بالحياة الدينية اليهودية. وقد توصل هرتزل إلى استنتاج مفاده “أن معاداة السامية على نطاق واسع جعلت ادماج اليهود مستحيلا، وهو ما يستدعي قيام دولة يهودية في فلسطين كأفضل حل “للمشكلة اليهودية”.

وفي الأثناء، اكتسبت هذه الأفكار بعض الدعم في بلدان من قبيل روسيا، حيث كان اليهود يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية. وفي هذا الصدد، قال بابي: “عندما كانت الأفكار الصهيونية تُبثّ في أوقات سابقة في صفوف المجتمعات اليهودية في بلدان مثل ألمانيا والولايات المتحدة، رفض الحاخامات البارزين والشخصيات المرموقة في تلك المجتمعات هذا النهج الجديد”.

وقد دحض الزعماء الدينيون الصهيونية كشكل من أشكال العلمانية والحداثة، في حين خشي اليهود العلمانيون من أن  تثير الأفكار الجديدة تساؤلات حول ولاء اليهود لدولهم القومية، وهو ما سيزيد من حدة موجات معاداة السامية. وقد رفضت الحركة الإصلاحية اليهودية فكرة الصهيونية وأعلنت عن أن اليهودية دين قيم عالمية وليست جنسية. وفي وقت لاحق، تقبلت الحركة الإصلاحية اليهودية الحركة الصهيونية. من جهته، وضّح بابي أن المجلس الأمريكي لليهودية قد أبقى فلسفة الإصلاح القديمة حية.

 

ثيودور هرتزل

علاوة على ذلك، أفاد بابي أنه “عندما تعرف الإصلاحيون على الفكر الصهيوني لأول مرة، رفضوا بشدة فكرة إعادة تعريف اليهودية كقومية وإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولكن موقفهم المناهض للصهيونية  تغير بعد قيام دولة إسرائيل في سنة 1948. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كون الأغلبية منهم حركة إصلاح جديدة في الولايات المتحدة. ولكن غادر بعد ذلك عدد كبير من اليهود هذه الحركة وكونوا المجلس الأمريكي لليهودية، الذي ذكّر العالم بأن الصهيونية لا تزال وجهة نظر أقلية بين اليهود. كما ظل هذا المجلس مواليا للمفاهيم الإصلاحية القديمة للصهيونية.

وفي سنة 1869، وضحت الحركة الإصلاحية اليهودية في الولايات المتحدة أن “الهدف المسيحي لإسرائيل، أي، الشعب اليهودي، لا يتمثل في استعادة دولة يهودية سليلة للنبي داوود، وهو ما ينطوي على فصل اليهود ثانية عن بقية أمم الأرض، بل نحن نصبوا إلى إقامة وحدة أبناء الله  كاعتراف بوحدانيته، وذلك من أجل تحقيق وحدة جميع أمم المخلوقات  ودعوتهم إلى القدسية الأخلاقية”.

لم تعد أمة بعد الآن، ولكنها تحولت إلى جماعة دينية

في سنة 1885، أعلنت مجموعة إصلاح أخرى، في اجتماع لها في بيتسبرغ عما يلي: “نحن لا نعتبر أنفسنا أمة بعد الآن، بل جماعة دينية، وبالتالي، نحن لا نتوقع العودة إلى فلسطين، ولا عبادة قربانية باسم أبناء هارون، ولا إحياء أي من القوانين التي تتعلق بالدولة اليهودية”.

أما في سنة 1897، وهي السنة ذاتها التي عُقد خلالها المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا، ولدت حركة يهودية اشتراكية في روسيا تسمى “البونت”. وقد اعتقد أعضاء هذه الحركة أن الثورة الاشتراكية ستكون حلا أفضل بكثير لمشاكل اليهود في أوروبا، من الصهيونية. وحتى بعد حدوث محرقة اليهود، كان هؤلاء مقتنعون بأن اليهود يجب أن يسعوا للعيش في مجتمعات تحترم حقوق الإنسان والحقوق المدنية، ولم يروا في قيام الدولة اليهودية علاجا شافيا.

في الأثناء، تلقت الصهيونية نقدا آخر من قبل اليهود الأرثوذكس. وفي هذا الإطار، لاحظ إيلان بابي أنه “عندما ظهرت الصهيونية لأول مرة في أوروبا، منع العديد من الحاخامات التقليديين أتباعهم من التعامل مع النشطاء الصهاينة، إذ رأوا أن الصهيونية تتعارض مع رغبة الله في الإبقاء على اليهود في المنفى حتى عودة المسيح. وقال الحاخام الألماني الكبير “دزيكوفر”، إن الصهيونية تطلب منه أن يقايض قرونا من الحكمة والقانون اليهوديين مقابل خرقة وتربة وأغنية، أي علم وأرض ونشيد”.

ولم يسعى الصهاينة إلى استعمار فلسطين فحسب، بل، وكما أوضح ذلك بابي، “يأملون في إضفاء طابع علماني على الشعب اليهودي لابتكار ‘اليهودي الجديد’، المناقض لليهود الأرثوذكس المتدينين في أوروبا. ويعد اليهود الأرثوذكس محل سخرية من قبل الصهاينة، بل ويرون أنهم ليس باستطاعتهم أن يتوبوا إلا من خلال القيام بالعمل الشاق في فلسطين”.

وأضاف بابي أن “الكتاب المقدس في الحياة اليهودية عرض اختلافا واضحا آخر بين اليهودية والصهيونية. إذ قدم الكتاب المقدس “خرافة حقنا في الأرض”. وفي الكتاب ذاته، قرأ اليهود قصصا عن المزارعين والرعاة والملوك العبريين والحروب العبرية، وأطنبوا في وصف العهد الذهبي القديم لليهود وولادة أمتهم. وتعني العودة إلى الأرض أنهم سيصبحون مزارعين ورعاة وملوك من جديد وفقا لاعتقادهم”.

بالإضافة إلى ذلك، أورد بابي أن “هؤلاء وجدوا أنفسهم في مواجهة مفارقة صعبة، لأنهم أرادوا جعل اليهود علمانيين، كما طمحوا في ذات الوقت إلى استخدام الكتاب المقدس كمؤيد مكتوب لاستعمار فلسطين. وبعبارة أخرى، وعلى الرغم من أنهم لم يؤمنوا بوجود الإله، إلا أن هذا الإله هو ذاته الذي وعدهم بأن ينالوا فلسطين”.

 

فلسطين لم تكن خالية

أما الأسطورة الأخرى التي يعمل بابي على دحضها، فهي التي تفيد بأن “الصهيونية ليست استعمارا”. فعندما وصل المستوطنون الصهاينة الأوائل سنة 1882، لم تكن أرض فلسطين قفرا. في الواقع، لقد كتب بابي “هذه الحقيقة معروفة لدى القادة الصهاينة حتى قبل وصول المستوطنين اليهود الأوائل. وقد أرسل وفد من قبل منظمات صهيونية مبكرة إلى فلسطين، الذي رفع بدوره تقاريرا إلى زملائه ذكر فيها أن ‘العروس جميلة، ولكنها متزوجة من رجل آخر’. ولكن عندما وصل المستوطنون الأوائل، فوجئوا بمجابهتهم السكان المحليين الذين اعتبروهم غزاة وغرباء. وكانت وجهة نظرهم تفيد بأن الفلسطينيين الأصليين قد اغتصبوا وطنهم. كما أخبرهم قادتهم بأن السكان المحليين ليسوا مواطنين، وأنهم لا يمتلكون الحق في هذه الأرض. ولكن في الحقيقة، لقد مثلوا مشكلة كان من الواجب حلها”.

كما يرى بابي أن ما حصل لم يكن مستغربا لأن “الصهيونية كانت حركة استعمارية مستوطنة شبيهة بحركات الأوروبيين الذين استعمروا الأمريكيتين وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا… إن الاستعمار الاستيطاني هو الدافع وراء الرغبة في الاستيلاء على أراضي الآخرين، في حين أن الاستعمار الكلاسيكي يطارد الموارد الطبيعية في الرقعة الجغرافية الجديدة الواقعة تحت سيطرته… وتكمن المشكلة في أن تلك “الديار” الجديدة كان يعمّرها أشخاص آخرون. وردا على ذلك، دافعت تجمعات المستوطنين عن أحقيتهم بالأرض الجديدة بالحجة الإلهية أو المعنوية، حتى وإن لم يدعوا بأنهم عاشوا هناك منذ آلاف السنين في إطار آخر غير الصهيونية. وفي الكثير من الحالات، كانت الطريقة المقبولة للتغلب على هذه العقبات ممارسة الإبادة الجماعية بحق السكان المحليين الأصليين”.

منذ البداية، قدمت المقاومة الفلسطينية على أنها تتحرك بدافع الكراهية لليهود، غير أن مذكرات الصهاينة الأولى تروي قصة مختلفة، فهي مليئة بالحكايات التي تكشف عن حسن استقبال الفلسطينيين للمستوطنين، حيث قدموا لهم المأوى، وعلموهم كيفية استصلاح الأرض. وفي هذا السياق، بيّن بابي “ولكن، عندما تبين لهم أن المستوطنين لم يأتوا للعيش مع السكان الأصليين، بل للعيش مكانهم بدأت المقاومة الفلسطينية. وعندما بدأت تلك المقاومة، أخذت بسرعة شكل كل نضال مناهض للاستعمار”.

أفواج اليهود الأوروبيين والروس في رحلتهم لاحتلال فلسطين


التمثيل المشترك

سنة 1928، وافقت القيادة الفلسطينية، على الرغم من مخالفتها لرغبة  شعبها، بالسماح للمستوطنين اليهود بالحصول على تمثيل متساو في الهيئات المستقبلية للدولة. وكانت القيادة الصهيونية تؤيد الفكرة ظنا منها أن الفلسطينيين سيرفضونها. لقد كان التمثيل المشترك لا يتماشى والرغبة الحقيقية للصهاينة، فعندما قبل الفلسطينيون بالاقتراح، رفضه الصهاينة. في نهاية المطاف، أدى ذلك إلى نشوب أعمال شغب سنة 1929. وحتى سنة 1947، عندما قررت بريطانيا إحالة القضية إلى الأمم المتحدة، اقترح الفلسطينيون بدعم من دول عربية أخرى، إنشاء دولة موحدة تحل مكان الانتداب في فلسطين، يتمتع فيها اليهود والعرب بحقوق متساوية، ولكن رفض الصهاينة هذا الاقتراح.

من وجهة نظر بابي، “يمكن للمرء أن يعتبر الصهيونية حركة استعمارية استيطانية، في المقابل كانت الحركة الوطنية الفلسطينية حركة مناهضة للاستعمار…. وبحلول سنة 1945، كانت الصهيونية قد استقطبت أكثر من نصف مليون مستوطن إلى بلد يبلغ تعداد سكانه نحو مليوني نسمة… لقد كان السبيل الوحيد أمام المستوطنين لتوسيع قبضتهم على الأرض وضمان أغلبية سكانية، يتمثل في اجتثاث المواطنين من وطنهم … ففلسطين لم تكن ديمغرافية يهودية بشكل كامل، وعلى الرغم من هذا فإن إسرائيل تسيطر عليها بشكل تام سياسيا باستخدام مختلف الوسائل، ومازالت تمارس فيها الاستعمار من خلال بناء مستعمرات جديدة في الجليل والنقب والضفة الغربية”.

 دعمت الحكومة الإسرائيلية منذ فترة طويلة الفكرة القائلة بأن مغادرة الفلسطينيين لوطنهم سنة 1948 كان بمحض إرادتهم. وعززت هذا الإداء بزعم أن الفلسطينيين قد فروا من قراهم من تلقاء أنفسهم أو بناء على أوامر من الجيوش العربية التي أرادت منهم الابتعاد عن طريقها. ولهذا السبب، لم تكن إسرائيل ملزمة بالسماح للفلسطينيين بالعودة. وبالنظر إلى هذا الادعاء يتبين أن إسرائيل كانت بريئة من ذنب نزوحهم. واعتبرت أن “أي متسلل” يحاول العودة مجرم.

في أواخر الثمانينيات، عمل ما يسمى “بالمؤرخين الجدد”، وأبرزهم بيني موريس، على فحص المحفوظات الإسرائيلية التي فتحت حديثا، فلم يجدوا أي دليل يفيد بأن اللاجئين قد فروا بناء على أوامر من القادة العرب، ولكنهم فعلوا ذلك في الغالب بدافع الرعب والإرهاب، بعد أن بلغتهم أنباء المجازر التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون في قرى مثل دير ياسين، حيث قتلت الميليشيات اليهودية أكثر من مائة مدني فلسطيني.

تهجير الفلسطينيين

إن الفكرة القائلة إن الفلسطينيين قد غادروا وطنهم عن طواعية هي أسطورة أخرى يدحضها بابي، الذي أكد “لم تتمكن القيادة الصهيونية والأيديولوجيون من تصور تنفيذ ناجح لمشروعهم دون التخلص من السكان الأصليين، إما بالاتفاق أو بالقوة. وفي الآونة الأخيرة، وبعد سنوات من الإنكار، قبِل المؤرخون الصهاينة، مثل أنيتا شابيرا، بأن أبطالهم، أي قادة الحركة الصهيونية، كانوا يفكرون بجدية في تهجير الفلسطينيين”.

في هذا الصدد، قال دافيد بن غوريون أمام الجمعية الصهيونية سنة 1937 “لن يكون من الممكن الاستيطان دون نقل ‘الفلاحين’ العرب من أجزاء كثيرة من البلاد،… ما من شأنه أن يوفر مساحة واسعة للاستيطان مع بداية التهجير القسري… لهذا أنا أؤيد التهجير الإلزامي، ولا أرى أي شيء غير أخلاقي فيه”.

في شأن ذي صلة، درس بابي في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين” مشروع وضع خطة محكمة للطرد الجماعيللفلسطينيين. وترفض الحكومة الإسرائيلية رسميا الادعاء بأن الفلسطينيين قد أصبحوا لاجئين، لأنهم غادروا بلادهم وفق إرادة قادتهم. ولكنه استدرك فقال “ولكن لا يوجد ما يثبت مثل هذا الادعاء، فهي أسطورة من تأليف وزارة الخارجية الإسرائيلية… لذلك، يبدو جليا أن التطهير العرقي ضد الفلسطينيين لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال على أنه ‘عقاب’ جماعي بسبب رفضهم خطة الأمم المتحدة للسلام، والتي تم وضعها دون التشاور مع الفلسطينيين أنفسهم”.

كانت الخطة الرئيسية لإسرائيل، المتمثلة في الخطة دال والتي أعدت جنبا إلى جنب مع القيادة العليا للجناح العسكري اليهودي الرئيسي الهاغانا، وتضمنت الإشارات الواضحة التالية؛ حول الأساليب التي سيتم استخدامها في عملية تطهير السكان وهي: “تدمير القرى من خلال إضرام النار والتفجير، وزرع الألغام في الأنقاض، وخاصة تلك المراكز السكانية التي يصعب السيطرة عليها على المدى البعيد، مع زيادة عدد عمليات البحث والمراقبة، وفقا للمبادئ التوجيهية التالية: تطويق القرى ومن ثم البحث داخلها. وفي حال ظهور المقاومة فيجب القضاء على تلك القوة المسلحة وطرد السكان خارج حدود الدولة”.

 

جرائم الحرب

صرح بابي بأنه “من هذه الزاوية لا مفر من إعلان أن الممارسات الإسرائيلية في الريف الفلسطيني كانت جريمة حرب… لقد كانت الجريمة التي ارتكبتها قيادة الحركة الصهيونية، التي تمخض عنها ولادة حكومة إسرائيل جريمة تطهير عرقي. ليس هذا مجرد كلام، ولكنها إدانة ذات التزامات سياسية وقانونية وأخلاقية بعيدة المدى. وقد تم توضيح تعريف هذه الجريمة في أعقاب الحرب الأهلية في البلقان سنة 1990، والتي تعرّف التطهير العرقي بأنه أي عمل ترتكبه مجموعة عرقية واحدة بهدف إخراج مجموعة عرقية أخرى لتحويل منطقة فيها عرقيات مختلطة إلى منطقة نقية. وقد تعتبر هذه الجريمة تطهيرا عرقيا بغض النظر عن الوسائل المستخدمة من إقناع أو تهديد بالطرد وقتل جماعي”.

ومن المهم أن نتذكر إشارة بابي التي قال فيها “هناك يهود في إسرائيل استوعبوا الدرس جيدا، فليس كل اليهود متجاهلون أو غير مبالين بالنكبة. وحتى إن وجدت أقلية غير مبالية، إلا أن من يشعرون بوجودها يثبتون أن هناك بعض المواطنين اليهود على الأقل، الذين ليسوا صما عن صرخات وآلام الفلسطينيين والأضرار التي لحقت بهؤلاء الذين قتلوا وجرحوا خلال سنة 1948”.

 

صورة للفلسطينيين المهجرين بعد مجزرة دير ياسين

ومن بين الأساطير الأخرى التي دحضها المؤلف أن  “حرب حزيران/ يونيو 1967 كانت حربا ضرورية” وأن “إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و” أساطير أوسلو” و” أساطير غزة”، و”حل الدولتين هو الطريق الوحيد إلى الأمام”.

أما فيما يتعلق بمسألة حرب 1967، فإن الرواية المستساغة تفيد بأن حرب 1967 قد أجبرت إسرائيل على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وإبقائها رهن الاحتجاز حتى يستعد الفلسطينيون لإحلال السلام. ويرى الكثيرون أن إسرائيل خلال حرب 1967 شنت هجوما دفاعيا احتلت فيه الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، من أجل الدفاع عن النفس.

ولكن الحقيقة تفيد بأن إسرائيل هي التي شنت الضربة الأولى ضد مصر سنة 1967. وحيال هذا الشأن، قال رئيس الوزراء مناحيم بيغن في وقت لاحق “لقد كان لدينا الحق في حزيران/ يونيو 1967 في اتخاذ القرار مرة أخرى. فتمركز الجيش المصري في سيناء لا يثبت أن جمال عبد الناصر كان على وشك مهاجمتنا. لذلك، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، لقد كنا نحن من قرر مهاجمتهم”.

 

فلسطينيات يبكين قتلى مجزرة صفد التي نفذتها العصابات الصهيونية في 1948

الهدف الصهيوني قبل 1948

يعتقد إيلان بابي أن الاستيلاء على الضفة الغربية على وجه الخصوص، نظرا لمعالمها التي وقع ذكرها في الإنجيل، تندرج ضمن أهداف النظام الصهيوني قبل سنة 1948، وقد تلاءم هذا الهدف مع منطق المشروع الصهيوني ككل. ويمكن تلخيص هذا المنطق على أنه الرغبة في الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين.

بعد الاحتلال، قام الحاكم الجديد بحصر فلسطينيي الضفة الغربية وغزة داخل متاهة مستحيلة، حيث لم يكونوا مواطنين أو لاجئين. ولطالما كانوا ولازالوا متساكنين دون أرض. ومع كامل احتراماتي، كانوا معتقلين داخل سجن لا تتوفر فيه أي حقوق مدنية أو إنسانية، فضلا عن عدم قدرتهم على إحداث أي تأثير في مستقبلهم الخاص.  في المقابل، يتقبل العالم هذه الوضعية لأن إسرائيل تزعم أنها مؤقتة، علما بأنه لم يقع تأكيد هذه المزاعم حتى وقت قريب. ولا تزال إسرائيل تسجن الجيل الثالث من الفلسطينيين، وتصور هذه السجون العملاقة على أنها مؤقتة.

في ما يتعلق بمزاعم إسرائيل بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، يشير بابي إلى أنه حتى قبل سنة 1967، كان الفلسطينيون الذين يمثلون 20 بالمائة من عدد المواطنين الإسرائيليين، يعيشون تحت وطأة الحكم العسكري القائم على لوائح الطوارئ البريطانية الإلزامية والتعسفية، التي رفضت أي حقوق إنسانية أو مدنية أساسية.

 

فيما كان البريطانيون يضيقون على الأهالي الفلسطينيين، كانوا يقدمون التسهيلات للعصابات الصهيونية ويحمون أفواج المستوطنين القادمين من أوروبا

 

كان المسؤولون العسكريون المحليون بمثابة الحكام المطلقين لحياة هؤلاء المواطنين، فقد كانوا قادرين على سن قوانين خاصة بهم، بالإضافة إلى تدمير منازلهم ومصادر رزقهم، فضلا عن إرسالهم إلى المعتقلات كلما رأوا أن ذلك مناسب. ولم تتراجع وتيرة هذه الانتهاكات إلا في أواخر سنة 1950، عندما ظهرت معارضة يهودية قوية لهذه الممارسات مما ساهم في تخفيف الضغوطات عن المواطنين الفلسطينيين.

حسب رأي بابي، يعيش الفلسطينيون تحت قيادة “دولة إرهاب عسكري”، ويتجلى ذلك من خلال مذبحة “كفر قاسم” في تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 1956، حيث تعرض 49 مواطنا فلسطينيا للقتل على يد الجيش الإسرائيلي عقب عملية سيناء. ومن جهتها، بررت السلطات الإسرائيلية فعلتها بأن المواطنين كانوا عائدين من عملهم في الحقول في وقت متأخر، في حين كان هناك حظر تجول مفروض على قريتهم.

في واقع الأمر، لم يكن ذلك هو السبب الحقيقي. وظهرت عدة أدلة في وقت لاحق أن إسرائيل نظرت بجدية في إمكانية طرد الفلسطينيين من كامل المنطقة التي تدعى وادي عارة، ومنطقة المثلث التي تمركزت عليها القرية. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل ضمت هاتين المنطقتين بموجب أحكام اتفاق الهدنة مع الأردن أبرم سنة 1949. ولطالما كانت الأراضي الإضافية أمرا محببا لدى إسرائيل، في حين كان ازدياد عدد السكان الفلسطينيين أمرا غير محبب.

عندما اندلعت الحرب من جديد، قام الإسرائيليون بإتباع عدة مقترحات لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وأطلقوا على هذا التوجه اسم “عملية حفر فيرت” أو عملية الخلد”. ويعتقد الكثير من الباحثين اليوم أن مذبحة 1956 كانت بمثابة الممارسة العملية من أجل معرفة ما إذا كان يمكن تخويف الفلسطينيين في المنطقة ودفعهم للمغادرة.

 

سيظهر هذال التقديم لكتاب “الخرافات العشر حول إسرائيل”، بقلم إيلان بابي، في قسم “القضايا” للمجلة الفصلية للمجلس الأمريكي لليهودية في شتاء 2018. كما تم نشر الكتاب من قبل شركة النشر “فيرسو”.

ترجمة مجلة ميم للمقالة المنشورة في موقع موندويس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد