مجتمعغير مصنف

كتاب “ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى” للمنصف وناس: محنة بلد بين التشظي والاخفاق

ثقافة

شهد سلامة _ مجلة ميم

هل يمكن القطع علميا مع القراءة “الازموية” لمرحلة ما بعد ثورة 2011 في ليبيا وان تتخذ منطلقا لمرحلة جديدة؟
وما هي الموارد التاريخية و الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقيمية التي يملكها المجتمع الليبي والتي تؤهله لإعادة البناء وتجاوز حالة الإخفاق؟

تلك هي الإشكالية المحورية حاول الدكتور المنصف وناس في كتابه ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى محنة بلد الإجابة عنها عبر مقاربته للأوضاع الآنية الفائرة في الدولة الجارة والشقيقة.

وقد جعل قول هيغل منطلقا لكتابه ” لا شيء كبيرا يمكن أن ينجز دونما عاطفة كبيرة” وهو بذلك يعترف انه ولج هذا المبحث العلمي مدججا بعاطفة مخصوصة إزاء ليبيا التي يقول انه زارها لأول مرة عام 1986 وكانت ” زيارة فارقة علميا وإيديولوجيا لأنها كشفت له مفارقات الواقع الليبي وتعقيداته. ودشن خلالها علاقة علمية وشخصية بالمجتمع الليبي.

وقد صدر هذا الكتاب عن الدار المتوسطية للنشر وتم تقديمه مؤخرا في مقر الجامعة العربية فرع تونس وفي منابر عديدة نظرا لأهميته وراهنيته.

وقد أدرك الدكتور وناس مبكرا وربما قبل غيره ما وسمه بالفجوة الانتروبولوجية العميقة والمفارقة العجيبة بين ما كان يعتقد انه واقع الليبيين والمعيش اليومي الليبي المرهق في تناقض صارخ بين ثراء البلد وامتلاكه لموارد طبيعية كبيرة وبين ظروف عيش بعض فئات الشعب.

وكانت تلك بداية الاهتمام العلمي الميداني من قبل الدكتور وناس بهدف فهم وتفسير الظواهر المنبثقة عن المجتمع الليبي بكل تعقيداته.

وينقسم الكتاب إلى فصلين محورين أولهما هو جذور الأزمة والإخفاق والعنف في المجتمع الليبي وثانيهما المدنية الليبية الجديدة شروطها ومتطلباتها وكيفية إعادة البناء.

 

 

ويتنزل هذا الكتاب في إطار المغامرة البحثية التي يخوضها الأستاذ المنصف وناس والمتمثلة في متابعة تطور الديناميات الاجتماعية والسياسية في مجتمعات المغرب العربي وخاصة في تونس وليبيا.
ولهذه الأخيرة كرس جهدا بحثيا كبيرا و كان الشأن الليبي مبحثا أساسيا من المباحث التي اشتغل عليها وعنها كتب مجموعة من المؤلفات من بينها العسكر والنخب في ليبيا وصدر عن دار لارماتن في باريس عام 2009 ثم الشخصية الليبية الذي صدر عن الدار المتوسطية للنشر عام 2014 وفي السنة نفسها اصدر كتابه الانتفاضة وإعادة البناء في ليبيا عن دار لارماتن في فرنسا.

ويخلص الدكتور وناس في هذا البحث العميق إلى ان ليبيا اليوم هي مجتمع الورش المفتوحة باعتبار أن هذا

الدكتور المنصف ونّاس

البلد يعيش مرحلة التأسيس الجديد.

والتحديات أو الورش كما اسماها الكاتب تتمثل في ضمان الاستقرار في بلد يعيش تطاحنا منذ حوالي سبع سنوات حيث ترتع فيه الميليشيات المسلحة ولابد بدءا من عودة الهدوء وإرساء دعائم التوافق والحوار من اجل مأسسة الاستقرار بعيدا عن لعلعة الرصاص وسطوة السلاح.

كما ان ردم الهوة بين الفاعلين في المشهد الليبي من ساسة وقبائل من ناحية و المجتمع من ناحية أخرى في ليبيا راهنا والسعي الى تأسيس الثقة بينهم هو السبيل في رأي الباحث الى تجاوز الأزمة الراهنة.

وهذا الأمر من شأنه ان يسهل إعادة البناء بمختلف المعاني فعليا ورمزيا لهذا البلد الذي يعيش خرابا وتدميرا ممنهجا وفق مقاربة الدكتور وناس . وهو يقترح إيجاد تصورات متوافقة ومشاريع وخطط تلتقي حولها مكونات المجتمع الليبي على الأقل في المسائل المبدئية من اجل إعادة الاستقرار استلهاما من التجرية التونسية على سبيل المثال في مسار الانتقال الديمقراطي.

ويقدم الكتاب قراءة تحليلية التي هي بمثابة تشخيص دقيق وعميق للمحنة الليبية الراهنة التي يفسرها الباحث بوجود ثنائية القبيلة والبترول ، القبيلة باعتبارها المكون الأساسي الذي يتأسس عليه المجتمع الليبي وتدور في فلكه كل العلائق القائمة فيه.

أما البترول فهو الثروة الطبيعية التي تأسس عليها الاقتصاد الليبي وهو الذي أسال لعاب الطامعين في هذا البلد أيضا.

 

 

كما انه وفي هذا الإطار يؤكد الكاتب أن هذا الثنائية شكلت عائقا أمام إمكانات تجاوز المحنة على أساس أنها مصدر للنزاع والمسلح من ناحية وهي أيضا مثيرة للإطماع.

ومن خلال استقرائه للمشهد الليبي بشكل علمي دقيق اعتمد الباحث على الملاحظة السوسيولوجية والمقابلات المعمقة والتحليل السوسيولوجي وغيرها وهو ما أفضى به إلى استنتاج وسمه ب” نظرية المجتمع المعطل” وهو ما يعني أن البترول كان عائقا أمام التنمية والتحديث في المجتمع الليبي.

ولأن الدكتور منصف وناس من أهم الدارسين للمجتمع الليبي والعارفين لخباياه باعتباره انكب على تحليله منذ عقود واقترب من نخبه فهو يفسر محنته أيضا بغياب مؤسسات الدولة وتأثير النخب و وهو ما سهل عملية التشظي التي تلت سقوط النظام وما خلفته من تطاحن وصراع دموي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد