مجتمعغير مصنف

العائدات من السرطان، قصص مغربيات انتصرن على الداء

 


سعيد غيدَّى | المغرب

“السرطان لا يقتل، إنما العلاج أحيانا من يقتل”، هكذا حكت انتصار، 27 سنة، التي عادت من براثين المرض منتصرة، شأنها شأن ثورية بدوي، أستاذة في التربية والتعليم، التي قوامت الداء، وقاومت المجتمع ومعجمه الذي يستعمله ضد المصابين بهذا الداء ، اما نادية القاسمي فلم تنس ما قدمه لها أصدقاؤها الذين وصفتهم بـ”خلية النحل” من مساعدة ودعم في عز مرحلة مرضها.

ما سننقل لكم عبر مجلة “ميم”  ليست قصص هؤلاء  النسوة الثلاث اللايي انتصرن على السرطان فقط، فكل قصة تختزل قصص آلاف المصابات، اللواتي يقاومن الداء، ويقاومن الآخر، من أجل حياة ثانية تنتزع من فك الموت.

ونحن ننقل إليكم هذه القصص، نستحضر أرقام وزارة الصحة المغربية التي صرحت في تقريرها لسنة 2017 ان المغرب يسجل 40.000 ألف حالة إصابة بالسرطان سنويا.

لتبقى خطوة الكشف المبكر أهم خطوة في الوقاية من هذا الداء، الذي يفتك بالنساء في صمت.

نادية القاسمي- شاعرة وفنانة تشكيلية

 

 

عندما طلب مني الكتابة عن تجربتي مع المرض ترددت كثيرا لسببين؛ هما أنني لحد الساعة لم تتح لي الفرصة مع ذاتي لأكتب عن هذه التجربة، والسبب الثاني هو أنني أساعد العديد من النساء مدعمة إياهن لتجاوز محنة المرض بعيدا عن الأضواء، ووسائل الإعلام، وعيون المستغلين لضعف الناس البسطاء والركوب على محنهم الأسرية.

وربما هذه نافذة صغيرة للانفتاح منها على الآخرين قصد التخفيف من معاناتهم. وهنا لا أقصد المرأة وحدها بل حتى بعض الرجال الذين لا يفصحون أحيانا عن معاناتهم.

تجربتي بكل بساطة مرت عبر ثلاث محطات مهمة. وقد وظفت كلمة محطة لحمولتها المكانية وعصا رحاها الزمنية كانت قد بدأت في الدوران سنة 2011 تحديدا. وكذلك لأن كل محطة هي رحلة سفر نحو المجهول مع الجسد والأخر ملتحفة بزمن مؤقت لرحلة الحياة كلما رفعت يدي إلى السماء أطلب الرحمة .

المحطة الأولى: كانت محطة مفصلية في رؤيتي للحياة، تميزت باكتشاف المرض في غمرة جنون الخلايا، وهو يلسع ربما أجمل شيء عند المرأة باعتباره رمز الأنوثة منذ الصغر ورمز عطاء الحياة باشتهاءاتها المخملية.

كانت نفسيتي متعبة وصعبة وأنا أتأمل جسدي وأتخيل مشرط الطبيب يخترقه. أنا التي حصنته منذ صغري عن الأعين واللمسات. بكل صدق كنت أتخيل الموت يقترب مني فأختبئ بين أحضان زوجي وأغمض عيني. كانت أنفاسه كندى صباح جميل أهفو إليه. أجيل عينيَ فأرى ابتسامة ابنتيَ رسالة كي تزهر الحياة في أحلامي وأناضل من أجل البقاء. وأما ما هو مكتوب فهو مكتوب. من هنا ابتدأت رحلة السفر الأخرى نحو المحطة الثانية.

المحطة الثانية: تم فيها التعرف على طبيبين مغربين أصبحا صديقين في ما بعد، وهما الدكتور المصلوحي الطبيب الأخصائي في جراحة الأورام والدكتور محمد رضا المرابط الطبيب الأخصائي في العلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة. فكانت الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة وما تطلبه ذلك من تنقل بين مصحات أكادير والرباط.

حقيقة كانت رحلة متعبة منهكة. سقط الشعر، وذبل الجسد وذهبت شهية الأكل. لكن رغم ذلك انتفضت كفرع زيتونة بنظام غذائي مفيد وتزيين وجهي بكل شيء طبيعي وجميل وارتداء أجمل الثياب ومشاهدة التلفاز والقراءة والكتابة. فعشت حياتي الطبيعية مع زوجي وابنتيَ. بما في ذلك السفر والاندماج مع الناس حاملة فرحي الدفين بين يدي.

في هذه الفترة بالخصوص والتي دامت ستة أشهر تعرفت على طيبوبة صديقات وأصدقاء مدوا إلي يد العون، وساهموا في تقوية عزيمتي وانتصاري على المرض. كانوا كخلية نحل من حولي رغم انشغالاتهم، في حين غاب عني بعض الأصدقاء والصديقات ممن أحببتهم كثيرا. وقد آلمني ذلك وأنا في فترة العلاج. وبقي الحال على حاله حتى رحلة السفر الثالثة.

المحطة الثالثة: برز شعاع الأمل لما حدد لي الطبيب المعالج حصص المراقبة الطبية والفحوصات المرتبة زمنيا، بداية من كل ثلاثة أشهر وصولا إلى دورات ستة أشهر وضمنها مقادير تناول أقراص الدواء. وكانت عناية الأطباء ونصائحهم والجوي الأسري ودعم الأصدقاء والصديقات سواء في العمل أو خارجه عوامل مساعدة على تخطي محنة التعب النفسي والجسدي إلى أن أخذت في التعافي تدريجيا.

انتشى جسدي بالمحبة وروح الأمل والابتسامة الدائمة بعيدا عن فوضى ضغوطات الحياة اليومية.. داعبت الرياح شعري من جديد، وصاحبتني أكثر الكتابة والشعر، وجاء بعدهما الفن التشكيلي ليكون بدوره بردا وسلاما على روحي الشاعرة.

من خلال هذه المحطات أود أن أوجه رسالتين:
الرسالة الأولى لكل النساء:

الفحص المبكر وعدم التهاون في القيام به – في حالة الإصابة بالمرض، يجب التعامل معه بشكل طبيعي ومواجهته بالإرادة والعزيمة النابعة من القلب – عدم التعاطي للأعشاب أثناء فترة العلاج – الابتعاد عن الأجواء المشحونة بالضغط – الاستماع إلى الموسيقى – العودة إلى الهوايات المحببة لديهن – الالتزام بنصائح الأطباء – عدم الاكتراث بمن ينقلون الأخبار المغلوطة ولو عن غير قصد عن المرض ويبثون الرعب في نفوس المرضى – ممارسة الرياضة – تقديم المساعدة والتعبير عن مشاعر التضامن خاصة من طرف النساء نحو المصابات وتحسسيهن بأن يعشن حياتهن بشكلها العادي- البحث عن الفرح أينما كان، والتقرب إلى الله في الصلاة .

رسالة إلى الأزواج:

تقبل مرض الزوجات – عدم تركهن وهن في تلك الحالة النفسية – مساعدتهن على تخطي فترة العلاج- استيعاب مفهوم المرض وأنه مثل أي مرض آخر – عدم ترك المريضات عرضة للإهمال بسبب الصراعات العائلية. – منح الزوجة المزيد من العناية والدفء العاطفي وعدم تعييبها والمس بمشاعرها.

انتصار خوخو ديبلوم تسيير المقاولات

 

 

اكتشفت المرض لأول مرة عندما انتابني شعور بوجود كرة صغيرة في ثديي الأيسر، شخصت حالتي عند الطبيب لكن ليس بشكل دقيق.  الطبيب أخبرني أن الأمر عادي جدا ولا يغدو كونه خللا في الهرمونات، وصف دواء آخذه لمدة شهر ثم أعود للتشخيص من جديد.

لم يقنعني كلام الطبيب وتوجهت إلى الدار البيضاء وفقا لتوصيات صديقاتي، قمت بالفحوصات اللازمة في عيادة بروفيسور متخصصة ولم يظهر بعد أي شيء يقنع فضولي.  ثم اقترح علي أن أجري عملية جراحية، كنت مرتابة جدا وخائفة أن يتغير شكل ثديي، اقتنعت في النهاية- لأن الحياة حينها بدت لي أهم من أي شيء آخر.

أجريت العملية وتأكدت شكوك الطبيب في أني أحمل سرطانا، لم يخبرني أحد بذلك وقتها، رغم أن إحساس الشك لا يفارقني، خصوصا وأنه أخبرني بكل الاحتمالات الممكنة قبل أن أجري العملية، من ضمنها احتمال اصابتي بالمرض وبتر الثدي كله، يصعب علي أن أصدق أو أتعايش مع الوضع حتى.

بعد العملية كنت فرحة جدا لأن ثديي لم يبتر.. عندما عدت إلى البيت وجدته غاصا بالأصدقاء والأهل، وإحساس ما يخبرني أن هناك شيئا ما لا يجري على طبيعته، أخبروني حينها أني سأخضع لحصص الأشعة فقط، رغم أني قرأت على النت أن الأشعة تأتي دائما بعد العلاج الكيميائي، لا أحد يخبرني بما يتحتم علي فعله وأهلي يرفضون تماما أن أغادر البيت إلى مكناس حيث أدرس.

اتصلت بصديقتي وسألتها سؤالا واحدا: هل أنا مصابة بسرطان الثدي، وردت علي بجملة واحدة مرتبة: نعم أنت كذلك.

كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، لم أكن أفكر لا في صعوبة العلاج ولا تبعاته، فكرت حينها فقط في شعري الذي سأفقده، فكرت كيف سأخرج، كيف سأقابل الناس وكيف ستستمر حياتي.

اكتئبت كثيرا، لكني في النهاية قررت مواجهة مصيري والذهاب إلى الطبيب المعالج لأفهم حالتي، والذي أرشدني بدوره إلى الطبيب المكلف بالعلاج الكيميائي، كي أفهم بروتوكول العلاج كله. كانت مرحلة صعبة جدا، لم أملك خيارا آخر غير العلاج، واخترت الحل الوحيد الذي املكه، تعالجت لمدة ستة أشهر، يعني ستة أشهر من المعاناة النفسية والمادية..

حصتي الأولى كانت صعبة ومرهقة، دون أكل ولا شراب ولا نوم، وكثير من الدوار والغثيان.. لحظتها فقط استوعب عقلي الباطني أني فعلا مريضة سرطان، سافرت لارتاح قليلا ثم عدت لاتمام العلاج، ومع الحصة الثانية والثالثة بدأت أمسك خصلات كثيرة من شعري بين يدي، كل يوم يزداد السقوط غزارة..

ذهبت إلى الصالون لأقنع نفسي فقط؛ أني أنا من قص شعري، وأنه لم يسقط بتبعات العلاج.

إحساس يصعب تفسيره، أن تحلق شعرك كله مضطرا، يختلف تماما عن رغبتنا الدائمة كنساء في تغيير تسريحات الشعر.

كنت على مشارف الاكتئاب، لا أفعل شيئا سوى المكوث في غرفتي متفادية أي تواصل مع أي أحد، لم أملك خيارا آخر، عوض أن أراه يسقط شعرة شعرة، حلقته كاملا.

خرجت لأول مرة في مظاهرات فاتح ماي، لأول مرة بشعر حليق عن آخره، يخيل إليّ أني محط أنظار الجميع، وأن منظري مثيرة للشك والريبة، رغم كل هذا كنت أظهر قوة لم أعهدها بنفسي، متعايشة مع كل ما يحدث لي ومهونة الأمر علي وعلى من حولي، محاولة أن أداري كل الجروح التي تنزف بداخلي، إذ أني لم أكن أستطيع النظر حتى إلى المرآة، الوجه التي تعكسه بشع ولا أعرفه.

حاولت جاهدة أن أفرغ انطباعات الناس من رأسي، وسطرت هدفا واحدا وحيدا، هو أن أشفى، وأن أكون مثال المرأة التي هزمت المرض..

تسلحت بكثير من الإرادة التي ساعدتني على تجاوز المرحلة بنفسية مرتاحة ومعناويات مرتفعة، انتشرت تبعاتها بين محيطي أيضا والذي أصبح يتعامل معي ومع حالتي بأريحية أكبر.

بعد مرحلة التقبل والتعايش مع المرض، قررت أن أضع شعرا اصطناعيا، جلت محلات كثيرة وجربت أنواعا عدة، خمنت بعدها أني شابة حداثية تؤمن بكل مبادئ الحداثة، والأولى أن تتجلى مبادئي التي أتسلح بها حتى في المرض، عدلت عن فكرة “الباروكة” وتقبلت شكلي الجديد، دون شعر..

يوما بعد يوم أصبح الجميع يعتاد شكلي، ولم أعد مضطرة أن أجيب كل مرة عن الأسئلة الروتينية حول المرض والعلاج.
احضر اجتماعات الحزب والمؤتمرات وكل أعمالي أتمها كما يجب، لم أجعل المرض عائقا، يجمد حياتي العادية.
تساقط الشعر ليس سوى عرضا من الأعراض الكثيرة المترتبة عن العلاج الكيميائي، أحيانا تنشل حركتي لعشرين يوما أو أكثر، وأعاني من حساسية..

حين أتحدث بالحاح عن سرطان الثدي وسرطان الرحم، لا أعني أنهما أخطر أنواع السرطان، بل لأنهما الأكثر تأثيرا على نفسية المرأة، كيف لامرأة ما أن تبتر جزءا من أونوثتها وتركيبتها، وكيف يمكن لشريكها أن يتقبلها ناقصة، طبعا اعتبارا لمنطق العقليات الذكورية.

السرطان وحده ليس قاتلا، علاج السرطان أيضا يهلك البدن كله.. خصوصا بالنسبة للمرأة.

حين تواجه فقط كل هذا بقوة كبيرة ورغبة أكبر في العلاج، بإمكان المجتمع أيضا أن يتقبلك بمرضك وشكلك، لن أخبئ مرضي ولا شكل شعري لأن صحتي فوق كل اعتبار.

في بداية المرض كانت أولوياتي محصورة في شعري وألا أبتر ثديي، بعد رحلة المرض أصبحت حريصة على أن أعيش فقط، أن أعيش بصحة جيدة متشبثة بجمال الحياة.

الجانب المادي أيضا يشكل عائقا كبيرا خصوصا للمرضى الذين لا يتوفرون على تغطية صحية مثلي، حصص العلاج باهضة الثمن.. مؤسسة لالة سلمى الخاصة بهذا المرض، وفرت لي حصص العلاج الكيميائي بينما تكلفتُ بمصاريف الأشعة في مصحة خاصة رغم التكاليف.

نظرة المجتمع ترافقك طوال فترة المرض، ولفظ “مسكينة” لا يفارقك.. يراك الجميع على حافة الموت، رغم أن السرطان لا يقتل، وأغلب الحالات التي فارقت الحياة، ماتت بسبب قسوة العلاج.

نفسية المريض تتحكم دوما في سير العلاج ونسبة نجاحه، كلما حافظت على معنويات مرتفعة كلما كان العلاج أقل ضررا.

اليوم بعد رحلتي الطويلة هذه، أوجه نداء للشابات والشباب الذين يعانون من المرض، أن يكشفوا مبكرا عن حالاتهم ويباشروا العلاج فورا، وأريد أيضا أن أصحح معلومة، سرطان الثدي أو الرحم ليس مقتصرا على نساء ما بعد الأربعين، أنا اليوم أمامكم حالة تعاني من سرطان الثدي في ربيعها السابع والعشرين..

لا تتردن في تشخيص حالاتكن مرة في السن.. المرض لا يقتصر على سن دون آخر.

ثورية بدري، استاذة في التربية والتعليم

 

كنتُ مع أختي نمزح معا، ونحن نقيس ملابس داخلية كانت هدية من ابنة أخي، في تلك اللحظة لامست ثديي الأيمن وشعرت بألم طفيف، ضغطت على الحلمة فخرج سائل زجاجي، فزعت طبعا لأني أعشق المقالات العلمية، وكان من بينها مقال يتحدث عن سرطان الثدي لم أشك أنه كذلك، المهم غيرت ملابسي بسرعة وطلبت من أختي ألا تبلغ أمي التي نقلناها لتصفية الكلى.

توجهت إلى القنيطرة عند طبيب نصحتني به صديقة لي، اعطاني بعض الأدوية ونصحني بالعودة إليه بعد اسبوع، مع بعض التحاليل وصور الأشعة. مر أسبوع ولاشيء، تحسن بل بالعكس بدأ ثديي ينتفخ والألم يزيد.

التحاليل الأولية لم تبين وجود المرض، لكن إحساسي الداخلي يؤكد أني لست بخير. بعدها توجهت أنا وأخي إلى المستشفى الجامعي ابن سينا الرباط، التقيت بإحدى الطبيبات التي نصحتني بالقدوم بعد ثلاثة أيام، أي يوم الثلاثاء للقاء البروفيسور المنصوري، التي أوجه لها عميق الشكر لإنسانيتها وحسن معاملتها  لنساء المغرب دون استثناء .

جاء يوم الثلاثاء فكنت في الموعد اخذت الطبيبة الملف، وبعد دقائق، أمرت بضرورة بقائي في المستشفى للعلاج، صدمت وخفت أيضا فلم يسبق لي أن بت بالمستشفى إلا من أجل ولادة جهاد.

مرت ثلاث أيام زارني بعدها البروفسور بنيحي قال لي “إن كل شيء سيكون بخير” وأخبرني أن موعد العملية سيكون الثلاثاء القادم، وأنه سيقوم فقط باستئصال الجزء المريض وأن لاشئ يخيف وكذلك كان.

حل الثلاثاء أجريت العملية واخذوا العينة للتحاليل وبعد أسبوع تقريبا؛ الجمعة بالضبط نزل الخبر الصاعق على أهلي، أما البروفسور فكانت صدمته أكبر، لأن الذي رآه كان سرطانا فكيف لم يفطن لذلك وهو الجراح ذو التجربة الطويلة في الجراحة السرطانية، ثم لأن ذاك النوع من السرطان يصيب بعد سن الخمسين أنا كنت وقتها في 33 من عمري.

زارني إخوتي وسلمتني زوجة أخي التحاليل دون اخباري، بعد ساعة غادروا جميعا ولم اطلع على التحاليل من الخوف.  وفي الصباح، مر أحد الأطباء، ناولته التحاليل، سألني هل أنا متزوجة ولدي أطفال قلت له نعم عندي طفلة، فقال لي هل يمكنه الحديث بصراحة، قلت له بالطبع، أخذ يدي بين يديه ونظر إلي ثم قال لديك سرطان، وانصحك ببتر الثدي، وستكونين باأف خير دمعت عيناي مع ابتسامة، وقلت له أنا مستعدة، متى العملية؟

حضرت العائلة بعد علمهم أني أعلم بالموضوع، فانقلبت الزيارة بمأتم، بعدها غادروا بعد أن طمأنوني أني سأكون بألف خير.

مر أسبوع وأنا كل يوم استقبل الوفود من العائلة والزملاء والأصدقاء، صراحة دعمهم الكبير لي كان علاجا حقيقيا وأنا دوما أقول أن بعد الله هناك رضى الوالدين وحب الناس وأنا محظوظة بهذا كله.

بدأت علاج الكيماوي واوقفوه بعد ثلاثة حصص فقط نظرا لأن السرطان كان في بداياته لكن لم اخضع للعلاج بالأشعة وهذا ربما سيخلق مشكلا فيما بعد طيلة 9 سنوات.

خضعت للعلاج الهرموني طيلة 5 سنوات مع المراقبة كل 3 أشهر ثم كل 6 أشهر ثم سنة.  خلال هذه المدة عشت حياتي بإقبال كبير ورغبة جارفة في الشفاء التام، ولم أحبط ولا مرة. كنت متفائلة جدا ودوما كنت أضع نصب عيني أمي التي كانت تصفي الكلى وابنتي جهاد ذات 3 سنوات آنذاك، بالنسبة لأمي طلبت من الجميع ألا يخبرها مهما حصل.  مازلت اذكر أنها كانت تحضنني وتبكي طويلا وهي تقول “ياربي بغيت نعرف غير بنتي باش مريضة”. كنت ابكي معها ويبكي من معنا دون أن نخبرها. الحقيقة كانت عمياء ومقعدة.

لكن ذات صباح وأنا غير موجودة طلبت من اختي أخبارها ما مرضي وألحت في الطلب، وطبعا أخبرتها بعد عامين من مرضي فكأنها سمعت بفقدان عزيز مرت سنوات، وتوفيت أمي سنة2011.

لكن بحلول سنة 2016 اكشفت أن السرطان عاد على مستوى الابط الأيمن أي نفس الجهة التي بترت منها الثدي، كانت الصدمة كبيرة وكأن روحي خرجت دون رجعة. خضعت لتحاليل مكثفة ومكلفة نفسيا جسديا وماديا أيضا دون الدخول في التفاصيل. وعدت للعلاج الكيماوي وعلاج آخر مكمل استمر لسنتين تقريبا.

أنا بخير الآن وانتظر علاجات أخرى، وأريد أن أقول لأي مريض، ان داء السرطان يحتاج لأمور كثيرة أهمها الدعم المعنوي والنفسي، أيضا يحتاج إلى أطباء يتميزون بالانسانية أولا، أشكر العديد ممن التقيت بهم كالدكتورة الحسني كوثر وسارة وغيرهما.

وعلى الدولة أن تقوم بواجباتها تجاه مريض السرطان حقيقة، وليس فقط أمام الكاميرات والمنابر الاعلامية، خاصة على مستوى الاجراءات الادارية المجحفة كثيرا في حقنا والمتعبة جدا أيضا، وأن تتحمل مجموعة من التحاليل والسكانيرات الباهضة الثمن.

أقول لمرضى السرطان؛ الموت أجل لانعلمه لذا تفاءلوا، عيشوا بحب، أحبوا أنفسكم كما أنتم في الحياة مايستحق، سافروا قدر إمكانيتكم، اقرؤوا، اكتبوا إن شئتم، إذا رغبتم في الصراخ اصرخوا، إذا رغبتم في البكاء ابكوا، عيشوا اللحظة حزنا أو فرحا، اضحكوا ولو من أنفسكم، لا شيء يستحق الحزن، فقط الحياة تستحق لأنكم تستحقون، ولأن السعادة في مكانين: قلب قانع ونفس مطمئنة بالقضاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد