مجتمع

الناشطة السورية نورا خليل: أحاول أن أضيء الحياة في سوريا الجريحة

#قصص_نجاح_عربية

 

نورا خليل امرأة ليست ككل النساء العربيات، فقد اختارت أن تتصدى للحرب التي تعيشها بلاد الشام، بطريقتها الخاصة، إلا أنها لم تبتعد كثيرا على بنات جلدتها، فقد اختارت نورا الالتحاق بالعمل المدني لتقف إلى جانب النساء السوريات اللاتي اكتوين بنار الحرب وإلى جانب الأطفال اليتامى والمشردين بسبب الصراعات المسلحة في سوريا.

نورا خليل (40 عاما)، ابنة محافظة الحسكة شمال سوريا، موظفة ببنك المصرف السوري، ومتحصلة على شهادة في إدارة الأعمال الدولية، وهي أم لثلاثة أطفال.

لم تغب عنها أهمية العمل الإنساني وحساسيته ودقة الوضع الذي ستعيشه وتنشط فيه على مدى سنوات من استمرار الحرب الدامية وما تخلفه من ضحايا، فاختارت أن تخضع لسلسلة من الدورات التدريبية في التنمية البشرية واكتساب الطرق المجدية في التعامل مع مختلف الشرائح من أطفال ونساء.

تقول نورا خليل لمجلة “ميم”: “لم يمنعني عملي في عالم المال والأعمال، من الانخراط في العمل الإنساني منذ اندلاع الثورة السورية في 2011، وقد اخترت هذا المجال بسبب ظروف الحرب، وتضاعف نشاطي أكثر بعد التحاقي بإحدى مؤسسات الفكر والثقافة”.

 

مناهضة العنف ضد المرأة

مع احتدام الصراع في سوريا تضاعفت مسؤولية نورا ورفيقاتها واختارت صحبتهن تأسيس أول منظمة تدافع عن النساء في سوريا ومناهضة للعنف ضدهن، وذلك في غرة يوليو 2013.

وحول هذا النشاط النسائي في ظلّ الأحداث الدامية التي تعيش على وقعها البلاد، تقول نورا: “رغم تعرضنا لأشرس الهجمات البربرية التي عرفتها الإنسانية في التاريخ الحديث، ورغم الحصار من كافة الجهات وتدمير قرانا وسلب ممتلكاتنا وتهجيرنا، إلا أنّ حبّنا للحياة دفعنا لتنظيم أنفسنا، وقمنا بتأسيس أول منظمة تعنى بالمرأة والطفل والتي أُضيفت إلى قائمة عدد من المنظمات التي تأسيسها إبان الثورة ومختصة في جميع المجالات”.

وتعد منظمة “سارة” المنظمة الأولى من نوعها في سوريا التي تهدف إلى مناهضة العنف ضد المرأة السورية، وحماية المتأخرات عن الزواج والنساء المهددات بالقتل. وتوسعت فروع الجمعية في مدن كوباني وحلب وعفرين، للوصول إلى أكثر ما يمكن من النساء والفتيات اللاتي تأثرن وبشكل كبير بالصراع وتمت المتاجرة بهن وتهديدهن بالقتل”.

واستقطبت “سارة” التي تتخذ المعاهدات والمواثيق مرجعية لها، في عضويتها نساء من مختلف الأعراف والقوميات لتقديم الدعم النفسي لهن وتوعيتهن فكريا للتصدي لمختلف أشكال العنف. كما تتعاون المنظمة مع عدد آخر من الجمعيات والمنظمات سواء كانت محلية أو دولية بهدف إيجاد فرص عمل للمعنفات وتطوير مهارتهن المهنية، ورصد مختلف حالات العنف عبر وسائل الإعلام وفضح الانتهاكات ضد السوريات، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات اللازمة للمعنفات.

ولم تقف نورا وصديقاتها عن حد مناصرة قضايا النساء وتوعيتهن، بل ذهبن أبعد من ذلك إلى التنقل إلى مخيمات اللاجئين في الشمال السوري، وهناك نظمت دورات تدريبية وتوعوية لضحايا الحرب من النساء والفتيات القاصرات والسجينات بهدف إعادة تأهيلهن ودمجهن فيما بعد في مناطق الإدارة الذاتية الآمنة.

 

نورا خليل: “لأننا نؤمن بأن سوريا ستكون سوريا السلام والأمن والتناغم الإنساني، سيتم استئصال كافة مكامن الإعاقة والتعنيف التي تشل تطورنا وتعوق تقدمنا سنكمل رسالتنا في التحرر من العنف، ذلك السلوك الذي يتسم بالعدوانية بهدف إخضاع الآخر واستغلاله”.

صانعة السلام 

تقول نورا : “أمضيت خمس سنوات من عمري وأنا أناهض العنف ضد النساء والعنف الأسري عبر ورشات عمل وحملات توعوية  وخلق كوادر شبابية تعمل بدورها على نشر الوعي ومطالبة النساء برفض العنف، كما قمنا برصد جملة من الإحصائيات والبيانات التي تكشف عمق ما تتعرضن له النساء والقاصرات من عنف بمختلف أشكاله”.

وبعد مجهودات ناجحة احتذت بها بقية المنظمات والجمعيات الناشطة في الشمال السوري والتي ساهمت في تقلص حالات السوريات المعنفات، وتم اختيار نورا خليل كناطقة رسمية باسم لجنة المرأة في المجلس التشريعيللإدارة الذاتية، لتنطلق بعد ذلك في التنقل إلى عدد من المحافظات المجاورة لرصد الانتهاكات وجمع البيانات والتقارير التي تكشف ما تتعرض إليه النساء والقاصرات من عنف وهضم لحقوقهن.

 

 

وتضيف خليل: “كنت بين المشاركات في مؤتمر “صانعة السلام السوريات” المنعقد في بيروت فقد كانت هذه المبادرة مبادرة نبيلة من قبل هيئة المرأة في منظمة الأمم المتحدة، حيث اجتمعت 120 امرأة سورية من بين النساء الداعمات لعملية السلام في سوريا وكان لي الشرف في حضور المؤتمر”.

“كانت المرأة السورية في الخطوط الأمامية للحرب، وتحملت العبء الأكبر في الحرب وخسرت الغالي والنفيس من أجل سوريا”، تقول نورا، مضيفة: “نحن نمثل قوة المبادرة بالسلام والديمقراطية وكان المؤتمر فرصة لنساء السوريات للتشبيك فيما بينهن من أجل إبراز دور المرأة في هذه الفترات الحساسة والتاريخية”.

نورا شخصية مؤثّرة

أشواط كبيرة قطعتها نورة خليل في مجال العمل الإنساني، متحدية الحروب والاشتباكات الدامية التي تشهدها بلاد الشام منذ سبع سنوات مخلفة العشرات من الضحايا والمشردين الواقعين تحت ضغط هائل من الذكريات المؤلمة والآثار النفسية القاسية في مخيمات يواجهون فيها مصيرهم المجهول.

وتعمل نورا مع زميلاتها من أجل أن تبعث في نفوس الضحايا من النساء والأطفال بصيصا من الأمل وتمكنهم بقدر هام من المعرفة والتعلم من خلال إخضاعهم إلى سلسلة من الدورات التكوينية الهادفة إلى توعية النساء والقاصرات بما يتضمنه القانون السوري من فصول وبنود ضامنة لحقوقهنّ المهدورة في غياهب الصراعات الدامية.

وبعد مشاركتها في جملة من المؤتمرات على غرار مؤتمر صانعات السلام السوريات ببيروت، وورش عمل بجنيف وعدد من معاهد السلام في أوروبا، وبفضل عملها صلب المجلس التشريعي للإدارة الذاتية، توّج ذلك بإرساء قانون في 24 أكتوبر 2014 يجرم العنف ضد المرأة وكانت من أهم بنوده منع تزويج القاصرات ومنع تزويج الفتاة دون رضاها ومنع تعدد الزوجات، وتجريم القتل بذريعة الشرف وعديد البنود الأخرى التي تكفل حقوق المرأة السورية وتضمنها، على حد تعبير نورا خليل.

وأهلت أنشطة نورا خليل إلى اختيارها بين 100 شخصية عالمية الأكثر تأثيرا سنة 2017 من قبل المركز الثقافي الألماني الدولي والمركز الإغاثي للنازحين في سمراء وعديد منظمات بناء السلام العالمية.

وتلخّص خليل مسيرتها قائلة: “حاولت باعتباري امرأة وأمّا وناشطة وباحثة اجتماعية، قدر الإمكان، أن أضيء الحياة، وحاولت أن أمسح طابع الشقاء عن كل النفوس في كل اللحظات الصعبة والمرة، وحاولت مسح دموع النساء المعذبات والمهانات”.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد