ثقافة

الفنانة شهرزاد هلال: الانتشار السريع لا يستهويني وهدفي تحقيق معادلة بين الطرب والتراث التونسي

كل من يروج للأغنية الهزيلة كلمة ولحنا يبحث فقط عن الشهرة من فراغ

 

هي فنانة وملحنة وشاعرة تونسية متحصلة على الدكتوراه في تاريخ الموسيقى والعلوم الموسيقة، عرفت بوفائها للطابع التونسي وتمسكها بالطرب والتراث التونسي الأصيل… اختارت أن تسلك طريق الفن الراقي كلمة ولحنا، ودعت الشعراء والملحنين إلى مقاطعة الفن المبتذل وفتح المجال للفن الجميل… أبدعت وأطربت بصوتها العذب وقدمت مشروعا فنيا استوحته من اسمها: “شهرزاد”.

هي الفنانة التونسية الراقية بفنها وشخصيتها المتفردة: شهرزاد هلال، حدثتنا عن مشوارها المليء بالنجاحات بين الغناء والتلحين وكشفت لنا سر تشبثها بتراثها الوطني ومشروعها الفني، فضلا عن مواضيع أخرى تكتشفونها في هذا الحوار الشيق…

 

 

 

كيف كان دخولك إلى عالم الموسيقى، فنيا وأكاديميا؟

البدايات كانت من خلال دراسة الموسيقى بالمعهد الوطني للموسيقى بتونس، كنت أشارك في حفلات تابعة للمعهد، وأول مصافحة لي مع الجمهور كانت سنة 1993 بمهرجان قرطاج الدولي بحفل الافتتاح مع فرقة المعهد، وكانت مشاركتي بقصيدة حب للسيدة فيروز.

ثم تحصلت على دبلوم الموسيقى العربية سنة 1997، بعدها أتممت دراستي بالمعهد العالي للموسيقى، وهناك تكونت أكاديميا وتعلمت الموسيقى على أصولها، وكان لي لقاء مع كبار الأساتذة الذين وهبوني فرصة المشاركة في عروض موسيقية كبيرة على غرار ليالي رمضان، وفي مهرجانات دولية كبيرة مثل قرطاج، ومهرجان الحمامات الدولي، كما أني كنت الأولى بالمعهد العالي للموسيقى على كامل الجمهورية التونسية.

وتحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للمتفوقين، كما حظيت بمنحة الدراسة بباريس، أين أتممت أطروحة الدكتوراه اختصاص تاريخ الموسيقى والعلوم الموسيقية بجامعة السوربون سنة 2012.

ثم انطلقت في تقديم العروض الخاصة بي، خاصة وأن عديد القطع الموسيقية بتلحيني والبعض منها كذلك من كلماتي، طبعا بالإضافة إلى الدرر والقطع الخالدة من الموسيقى العربية التونسية والمشرقية، فضلا عن عديد المشاركات والمحطات المهمة سواء في تونس أو خارجها.

 

 

 لاحظنا أن أبرز أعمال شهرزاد تونسية الطابع، فهل هذا مبني على خيار اتخذته أم محض صدفة؟

غنيت كل الألوان، كالقصيدة على الطريقة الشرقية، وفي إنتاجي الخاص أصدرت ألبوما سنة 2010 بعنوان “لو تنسى” تضمن قصيدتين، والبقية في اللون التونسي القريب من المالوف، وفيه نكهة فن شعبي.

ولأني تونسية قبل كل شيء، كان من المهم عندي أن اكتسب شعبية وقاعدة جماهيرية في تونس، ومع هذا حاولت في أول ألبوم لي أن أحافظ على جانب الموسيقى الطربية التي نشأت وترعرت عليها، وباتت تعيش في كياني.

فمنذ دراستي بالمعهد، كنت أحفظ الأدوار، والموشحات، و”الطقاطيق” أي قوالب الموسيقى العربية القديمة، وكنت أحس أنها تتماشى مع موهبتي الصوتية، فكوّن لي ذلك دائرة سمعية معينة وزادا معرفيا موسيقيا معينا، يجعلني أحافظ في خياراتي على مستوى معين من السمو والرقي الموسيقي.

حتى في إنتاجاتي الخاصة بقيت وفية  للألوان القديمة مثال أغنية “جاد الزمان بالحب”، وحتى عندما قمت بأغاني شعبية حاولت أن ألتزم بلهجتي التونسية، وحرصت على استعمال المقامات على الطريقة التونسية البحتة، وانطلاقا مما تحصلت عليه من تكوين أكاديمي لي هدف معين هو تحقيق المعادلة بين الطربي وبين المحافظة على التراث التونسي، لأني أرى أن من مسؤوليتي كأستاذة جامعية بالمعهد العالي للموسيقى وكفنانة ومطربة تونسية أن أبرز ثروات الموسيقى التونسية وأجعلها تبصر النور.

 

كنت قد دعوت الشعراء والملحنين إلى مقاطعة أصحاب الأغاني المبتذلة التي لقي الكثير منها رواجا كبيرا

حسب رأيي كل من يروج للأغنية الهزيلة كلمة ولحنا يبحث فقط عن الشهرة من فراغ، وهو موجود في العالم العربي مثل ما هو موجود في أوروبا. قد تجدين أغاني مبتذلة ولكنها تكون رائجة وتحقق نسب مشاهدة عالية بمواقع التواصل الاجتماعي وإلى غير ذلك.

لذلك وجهت نداءً للموسيقيين للابتعاد عن المشاركة في مثل هذه الأعمال، حتى نساهم كعاملين بالميدان الفني بمختلف الاختصاصات شعراء وملحنين وموزعين وشركات إنتاج في أن نضع اليد في اليد ونساهم في إيقاف هذه الموجة الجديدة وفتح مجال للفن الجميل والكلمة الهادفة والألحان التي فيها فكر، فكان ذلك بالنسبة إليّ شحذا للهمم بطريقتي البسيطة والمتواضعة. وهذا طبعا يتطلب صبرا، فالانتشار السريع لا يستهويني لأني أبحث دائما عن الجودة والتميز والتفرد… لدي طابع يميزني من خلال صوتي وأدائي والنمط الموسيقي الذي أؤديه.

 

“يا حمامة طارت” أغنية أثارت جدلا اعلاميا كبيرا وكنت قد صرحت بأن الراب هو ما جعل الأغنية تحقق نسبة متابعة أعلى مما حققتها مع شهرزاد؟

هناك أشخاص لا يقبلون أخذ أغنية من التراث لإعادة إخراجها برؤية جديدة، أنا أرى أن ذلك تجنّ على تراثنا لأنه زاخر بالدرر التي يجهلها الشعب، وهنا يأتي دور الفنان بأن ينفض الغبار على ذلك التراث… لأن من خلاله نتعرف إلى ثقافة الشعب في فترة زمنية معينة… لذلك يجب أن نخرجها وندخل عليها إضافات جديدة مواكبة للواقع لتبرز في أبهى حلة.

“ياحمامة طارت” أغنية من الجنوب التونسي اكتشفتها بحفلات الأعراس أعجبتني فقمت بإعادة توزيعها وغنيتها ونجحت معي رغم أن الجميع استغرب كيف أن شهرزاد انتقلت من قوالب الموسيقى الوترية إلى الفن الشعبي، لكن كان جوابي هو أن الفنان يجب أن لا ينحصر في لون معين وإنما يكون شاملا ويجرّب جميع الألوان.

 

 

عديد الفنانين التونسيين حققوا نجاحا خارج تونس سواء في مصر أو لبنان أو الخليج لماذا لم نر شهرزاد خارج تونس؟

لدي ذكريات جميلة جدا في مصر، أبرزها فوزي بأحسن أداء بمهرجان الأغنية العربية بالاسكندرية بقصيدة “أين عقلي”، كان لي كذلك مشاركتين بدار الأوبرا المصرية سنة 1999 وسنة 2016، وكان لي عرض مهم جدا في مهرجان أصوات نسائية بالمغرب وغيرها.

لكنها كانت تجارب بمهرجانات وماذا عن الإنتاجات الخاصة ؟

هي فكرة تحت الدرس ويشرفني أن أتعامل مع موسيقيين مشارقة… مهم جدا الانفتاح على العالم سواء العربي أو الغربي، لكن عملي، مدرسة للموسيقى، كان يحدّ من خروجي إلى العالم العربي، فأنا أحمل على عاتقي هذه المسؤولية لأن من يحمل كمّا من المعرفة يجب أن يهبها للأجيال الجديدة.

كما أني أرى أن الفنان الحقيقي يجب أن ينطلق من بلده ولا يتسرع في الخروج الى البلدان الأخرى… واليوم بت أفكر جديا في التعامل خاصة مع الموسيقى الخليجية لأنها تقدم أغاني يحضر فيها الجانب الطربي وحققت انتشارا واسعا، لذلك أتمنى أن أغني أغنية خليجية تتماشى مع صوتي وإحساسي.

 

لو تحدثيننا عن المشروع الذي قدمته بإنتاجك الخاص؟

من البداية اخترت أن أكون فنانة صاحبة مشروع، ليس فقط فنانة تصعد على الركح وتغني على محور معين. منذ انطلاقتي،  كنت دائما أشتغل على فكرة معينة، وقد قمت بعدة مشاريع في السابق مثل عرض “احكي يا شهرزاد” كان عرضا استوحيت اسمه من اسمي الذي يرمز إلى شخصية أسطورية عظيمة وهي شهرزاد ألف ليلة وليلة المعروفة بقوة شخصيتها ونصرتها لبنات جنسها وذكائها الخارق الذي تغلبت به على استبداد شهريار. فمن خلال تلك الأسطورة استوحيت عرضي الذي يضم في أغلبه ألحاني وأغانيي التي تميل للمرأة، رغبة مني في إبراز قيمتها المعنوية كانسان وكائن مهم وفاعل في الحياة.

ولا يزال هذا المشروع متواصلا بأفكار وألحان جديدة، والحمد لله دعمتني وزارة الثقافة.

 

الساحة الفنية فيها جانب كبير من التملق والولاءات، لذلك يرفض مهرجان المدينة برمجة اسمي منذ سنة 2006.

 ركزت كثيرا على الفلكلور التونسي، لكن ألا توافقينني الرأي بأن الفلكلور التونسي لم يلق حظه عربيا مثل الفلكلور اللبناني أو الفلسطيني؟ هل يعود ذلك إلى تقصير الفنانين التونسيين أم لقصور في فلكلورنا نفسه؟

 

للأسف لا نمتلك شركات أو سوقا تروّج للتراث التونسي، وهو ما يجعل أعمالنا تنتشر فقط محليا، ولا تجد صدى في العالم العربي.

رغم أن هناك فنانين عرب أخذوا من أغانينا التراثية، ووجدوا شركات تروّج لهم مثل حسين الجسمي عندما غنى “يا خليلة” لكنها تبقى محاولات محدودة ومنعزلة.

وهنا أحمل المسؤولية لرجال الأعمال الذين يستثمرون فقط في السياسة والرياضة… كذلك الإعلام للأسف نفتقد في تونس لوجود قناة مختصة فقط في بث الأغاني التونسية.

 

ما المشكل بين شهرزاد هلال ومهرجان المدينة؟

في الواقع، مهرجان المدينة بات يكرر نفسه وتراجع كثيرا.. أعتقد أن هناك علاقات معينة تربط إدارة المهرجان بنفس الفنانين لوجود مصالح بينهم، وهو ما يتنافى مع كل ماهو فني وثقافي، للأسف الساحة الفنية فيها جانب كبير من التملق والولاءات، لذلك يرفض مهرجان المدينة برمجة اسمي منذ سنة 2006.

وشخصيا، لا يهمّني مهرجان المدينة وإنما تهمّني مشاركتي في مهرجانات المناطق الداخلية.

 

ماذا عن برنامجك للفترة القادمة

هذه السنة اتخذت قرارا بأن تكون أعمالي الفنية متواترة، وطبعا التركيز على اللهجة التونسية، وسأعمل على التواجد بمهرجان قرطاج الدولي بعرض خاص بي، كما أني بصدد إنجاز عرض موسيقي جديد لاتقدم به للمهرجانات الدولية، فضلا عن البروز في عروض دولية وأغان جديدة.

 

هل من كلمة في الختام رسالة منك كفنانة تونسية؟

أرجو أن نحافظ على وحدتنا وأن يكون هناك عمل مشترك بين البلدان العربية لأن لدينا ثقافة عربية ثرية جدا.

الوسوم

مروى وشير

صحفية متخصصة في الإعلام الرياضي والفن

مقالات ذات صلة

اترك رد