الرئيسيثقافة

الحب في زمن الكوليرا والواقعية السحرية في أدب ماركيز

سلسلة أدب التحرر العالمي

 

يسرد الكاتب الكولومبي، غابريال غارسيا ماركيز في رواية “الحب في زمن الكوليرا” قصة حب من عمق التاريخ الإنساني، بشكل خيالي أضفى عليه الواقعية. تطرق من خلالها إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية في نقد لتردي الأحوال وتفشي الكوليرا، وهو ما يعبر عنه بـ”الواقعية السحرية” في أدب ماركيز.

وقد أسس ماركيز “بنية تحتية رومانسية ” تجلت في مختلف مراحل العلاقة التي جمعت البطلان، حيث تتمثّل غرابة حبهما كل ما تقدم بهما  السن، وكأنهما يتحديان التاريخ بلعبة الخلود، في فترة تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

فقد بدأت العلاقة متأملة بنذر في مرحلة المراهقة، وأضحى أبديا رغم المد والجزر في طبيعتها والظروف التي حالت دون اللقاء، حتى نمت عظمة الحب عندما بلغا سن السبعين، ليثبت الكاتب بذلك أن الحب ممكن في كل الأزمنة.

وتجلت الثورية الأدبية لماركيز في النسق التصاعدي للأحداث من الصفحة الأولى إلى الأخيرة، والتي ترجمها في جرأة تنزيل نذور الحب وافتراض الخلود وبقدرته على التحكم في حماسة الأحداث، ومن خلال تطوير الأساليب الكلاسيكية في السرد، ليجعل منها رواية تراجيدية إلى حد الكافكاوية، موظفا في الآن ذاته الكوميدية ساخرة. فأضحى القارئ أمام ثنائية الضحك والبكاء.

سحر الواقع بين الحقيقة والخيال

أظهر ماركيز من خلال هذه الثنائية كيف يمكن أن تأتي بشيء لا معقول، لتجعل منه واقعا حتميا، إذ تجري القصة بين سنتي 1880 و 1930، في مدينة تضم ميناء الكاريبي، لم يذكر اسمها ولكن قيل إنها مركب من قرطاجنة وبارانكيلا، وربما هي مدينة روحية لا حسية.

اعتمد الروائي على ثلاث شخصيات رئيسية تشكل المثلث الأساسي لمؤلفه وهي: “فلورنتينو أريزا”، شاعر وعامل التلغراف يقع في حب أبدي مع “فيرمينا دازا”، المراهقة الجميلة والعنيدة، جمعتهما علاقة عاطفية سرية عن طريق الرسائل والبرقيات، إلا أن والدها كان رافضا لعلاقتهما. فتتزوج الدكتور “جوفينال أوربينو” الذي زاول دراسة الطب في أوروبا.

 

الروائي الكبير غابريال غارسيا ماركيز

 

ظهر فلورنتينو، في الرواية إنسانا وفيّا محافظا على حبه رغم زواج حبيبته، الذي كان حدثا مثل نكسة مؤلمة، بالنسبة إليه.

مكث في انتظارها دون زواج لمدة 51 عاما، 9 أشهر و 4 أيام وبعض الساعات.

ومات الدكتور جوفينال أوربينو في سنة 1930، وذهب فلورنتينو بعد الجنازة، ليعلن عن حبه المخفي وإخلاصه اللامشروط لها.

صدمت بطلة الرواية وأمرته بالخروج من المنزل، آملة ألاّ تراه مرة أخرى. فقد تعارض نذر الحب الأبدي مع نظرة العالم المحدودة.

أبدع ماركيز في السرد واختياره للمشاهد وترتيبها ليضمن نسقا تصاعديا للأحداث وفق ما تتطلبه. ليعود بها على مدى 50 عاما، زمن الكوليرا. ويتتبع حياة الشخصيات الثلاثة خلال سنوات زواج فيرمينا ونجاح فلورينتينو في عمله، بينما تقضي البطلة ليلتها الأولى كأرملة ويعيش البطل خيبته التالية.

 

ماركيز مع زوجته

زمن الكوليرا

اتسم السرد في الرواية بالعالمية، حيث تجاوز الراوي حدود مدينة الكاريبي، فقد وصف مشاعر العرب وحزنهم على موتاهم، وحياة اليابانيين، والتماسك الأوروبي والعديد من التفاصيل الاجتماعية الحضرية، التي تهم مختلف مناطق العالمية.

كما أشار إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا الجنوبية بعد الاستقلال عن إسبانيا، ومن ثمة إلغاء الرق، والظروف التي أدت إلى انحطاط المجتمع وفساده.

وصوّر بسوداوية كبيرة، الأعشاب الضارة المعلقة من شرفات وفتحات الشقوق في جدران المنازل والقصور، لكنه أبقى على علامات الحياة الوحيدة، التي تتزامن مع الساعة الثانية بعد الظهر، حيث تنطلق تمارين البيانو. أما في الليل، فتظهر عاصفة البعوض آكلة اللحوم من المستنقعات، في مشهد مقرف لتثير الريبة في النفوس. والمجاري التي تنتشر فيها الفئران، وانهيار المباني الاستعمارية، قلة الوعي لدى السكان والفقر …

ورغم انتقاد البعض لإطنابه في الوصف، يرى البعض الآخر أن اقتحام الواقع بهذا الشكل يسمح بالكشف عن الأوضاع النفسية المهيبة، التي كان من المستحيل تماما التعرف إليها دون ذلك، على غرار لحظة عودة الطبيب “أوربينو”، إلى الوطن من أوروبا، في محاولة للقضاء على الكوليرا وإصلاح الوضع في وطنه فشعر تجاهه بمزيج من الولاء والاشمئزاز.

ويرى النقاد أن “الحب في زمن الكوليرا” أظهرت حساسية حديثة، حيث تم تصوير مجتمع حضري بدلا من مجتمع ريفي، أقل تقليدية، بتفاصيل اجتماعية أكثر من الأعمال السابقة.

 

ماركيز مع الزعيم اليساري الكوبي فيديل كاسترو

الكوليرا: وباء بين الحب والحرب

انتشر الموت في كل مكان، طيلة نصف قرن، بسبب الأوضاع الصعبة وانتشار وباء الكوليرا. وتعرف الكوليرا في المنطقة أيضا بأنها “كولر”، والغضب والحرب.

وقد حذّر ماركيز من الوقوع في الفخ خلال قراءة الرواية، فيما أكد المهتمون بالشأن الأدبي الذين اختلفت تأويلاتهم لها أن “الحرب هي نفسها الحرب” سواء ضد الوباء أو الاستعمار أو أي قوة سلبية قد تؤدي إلى الموت.

كما وجد العديد منهم أن ماركيز نجح في خلق طريقة صادقة للكتابة والتعبير عن الحب، من خلال رؤيته ونقده للأوضاع، التي عكست قدرة المؤلف على السيطرة على شخصياته.

ويبدو ذلك من خلال تشابه مؤشرات الإصابة بالكوليرا بالوقوع في الحب، عندما خلط البطل ألمه الجسدي بآلامه العاطفية، فظنت والدته أنه أصيب بالوباء، في حين كان تعبيرا مجازيا عن شدة وقع الإنسان في الحب.

وفي نهاية القصة يعود بنا الروائي إلى السفينة، حيث يلتقي البطلان بعد إخراج الناس منها بتعلة أنهما مصابات بالكوليرا، ويمكثان فيها جيئة وذهابا دون الاقتراب من اليابسة إلا لضخ الوقود. ويقول صاحب الرواية “إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت”.

وبسبب هذا المشهد الختامي المفتوح أطلق البعض عليها عنوان: “حب في زمن الشيخوخة”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد