ثقافة

موت الرّجل.. توطئة لانتحار سيلفيا بلاث

ثقافة

 

ولدت سيلفيا بلاث سنة 1923 لأبوَين من الطبقة المتوسّطة من ماساشوستس. كتبت قصائدها الأولى في سنّ الثامنة. كانت شخصية حسّاسة تميل إلى الكمال في كل ما تفعل، لذلك كان يُنظر إليها باعتبارها الابنة المثالية والطالبة النموذجية التي غالباً ما تفوز بالجوائز، ومن ذلك منحة دراسية إلى كليّة سميث العام 1950 كتبت خلالها ما يزيد عن الأربعمائة قصيدة. غير أن آلاماً كثيرة تختفي خلف هذا الكمال الظاهري، وربما بدأت تلك الآلام بوفاة والدها وهي لم تزل في عمر الثامنة، واستمرّت بعد مرور عام واحد من تعليمها الجامعي حيث قامت بأولى محاولات الانتحار، وقد كادت أن تنجح بعد تناولها كمية كبيرة من الحبوب المنوّمة (تصف بلاث هذه التجربة بوضوح في روايتها السيرذاتية «الناقوس الزجاجي» 1963).

 

 

 

بعد فترة نقاهة شملت جلسات نفسيّة مكثّفة وجلسات كهربائيّة، عادت بلاث إلى ممارسة حياتها الأكاديمية والأدبيةوتخرّجت من كلية سميث لتفوز بعد ذلك ببعثة دراسية إلى جامعة كامبريدج في إنكلترا العام 1955. في العام التالي تزوّجت الشاعر الإنكليزي تيد هيوز، وبعد أربع سنوات نشرت كتابها الأول «العملاق في إنكلترا» وهي لمّا تزل في الثامنة والعشرين. تستقرّ حياة بلاث وهيوز في الريف الإنكليزي بقرية ديفون، وينجبان مولودهما الأول، ثم الثاني، لكن بعد أقلّ من سنتَين ينفصل الزوجان. وبحلول شتاء العام 1962 كانت بلاث تعيش مع طفلَيها في شقّة صغيرة بلندن شبه مفلسة.

كانت الفترة الأكثر قسوة عليها، وكان لها أبلغ التأثير على قصائدها حيث باتت تكتب بشراهة، مُنهيةً كل يوم قصيدة تقريباً.

نجحت بلاث في الانتحار باستخدام غاز الطهو في 11 فيفري 1963، وبعد ذلك بعامَين يُنشر ديوانها الموسوم «آرييل»، ثمّ ديوان «عبور الماء وأشجار الشتاء» العام 1971، ثمّ المجموعة الكاملة العام 1981″.

 

1ـــ موت الأب ومولد الأزمة

         كان والد سيلفيا مصابا بداء السكّري ويعاني من أزمات صحّية متكرّرة دفعت الأطبّاء إلى بتر ساقه، ثمّ لم يمض عليه كثيرا حتّى توفّي حين كانت الشّاعرة في سنّ الثامنة. لم يكن موته عاديّا بالنّسبة إلى طفلة، فهو لم يفاجئها بل صاحبته في رحلة مرض أبيها الطّويلة وشاهدت عجزه عن الحركة واستمعت إلى صراخه وأنينه وهي في سنّ مازالت لا تملك فيها أجوبة تساعدها على تفسير هذه المعضلة. وعند موت أبيها صار هذا التّحوّل الفارق في حياتها. وازدادت الأسئلة عمقا وحرقة: لماذا يمكن أن تحدث مثل هذه الأمور البغيضة في حياة الإنسان؟ هل الوجود صخرة نحملها إلى ما نهاية دون هدف أو متعة؟ ما الموت، هذا السّحريّ الّذي لم أشاهده مثل شاهدت الألم والمرض، وأخذ أبي إلى حيث لا أعلم؟ هل هو هذا الكائن اللّامرئيّ الّذي يأتي ليخلّصنا من هذه الصّخرة ويحملنا إلى هدف أو متعة أو معنى ما أم أنّه أقصى الشّرور يأتي في نهايتها ليزيدنا حملا فوق أحمالنا؟

 

  

 

كانت الشّاعرة شاهدة في طفولتها على هذا الموت البطيء والمرعب الّذي أثّر على عائلتها (ذات الأصول النمساويّة الألمانيّة) في زمن الكساد الكبير الّذي ضرب الولايات المتّحدة طيلة الثلاثينات من القرن العشرين. وقد أنتجت كلّ هذه الظّروف عالمين متضادّين في دواخل سيلفيا بلاث:

عالم عدمي: الموت نهاية عبثيّة لحياة عبثيّة

        يصبح غياب الأب غيابا للحياة نفسها أو نهاية مؤجّلة لها. وهو ما يرسم لنا صورة عن يأس سيلفيا واكتئابها الشّديدين اللّذان لازماها طيلة حياتها، ولكن ما يميّز هذه الفترة هو أنّ نظرتها للحياة والموت على حدّ السّواء كانت نظرة عبثيّة لا تُوجد إجابة واضحة عن أسئلتها الخاصّة أو تخلق عالما خاصّا بها، وهو ما سيدفعها إلى محاولة الانتحار في سنّ مبكّرة فيما لم تكمل بعد عامها الأوّل من التّعليم الجامعيّ. وهذا ما تقوله صراحة في قصيدتها “إلكترا“:

“كأنّك لم تكُ يومًا
كأنّي جئت إلى هذا العالم
من رحم أمّي وحدها:
سريرها الواسع ارتدى ثوب القداسة…
مُتَّ كأيّ رجل
فكيف لي أن أشيخ الآن؟

أنا شبح انتحار شائن…
وحبّي هو الّذي قاد كلينا إلى الموت”.

 

 

عالم خلّاق: الموت دافع للكتابة

   ولكنّ هذه الفترة الّتي امتدّت من طفولتها حتّى سنّ الثالثة والعشرين تقريبا، جعلت من روح الشّاعرة تتّسع للاعتراف بهواجسها القاتلة وكأنّها تبحث عن أمل صغير كي تعالج نفسها أو تخفّف آلامها، ووجدت ضالّتها في الكتابة. لقد حاولت سيلفيا أن تنفخ في عالمها المنهار بعض الحياة، وأن تجد إجابة عن أسئلتها الحارقة، ففتحت باب مخيّلتها الشّاسعة على الشّعر. وفي قصائدها يصبح العالم العدميّ العبثيّ ركاما تبحث فيه الشّاعرة عمّا يوصلها إلى الكمال، وعمّا يطير بها إلى سماء حلمها المفقود والمجهول. كأنّها تحاول أن تفجّر في صحراء نقصانها ينبوع الكمال الّذي تبحث عنه. وهي تشير إلى ذلك في “ثلاث نساء”:

إنّي متوحّدة كالعشب. ما هذا الّذي افتقده؟
هل أعثر عليه يومًا، أيًّا يكُنْ؟

     

سيلفيا بلاث وتيد هيوز مع والديه

 

 

2ـــ موت الزوج ونهاية الأزمة

    إنّ نقطة التحوّل الجوهريّة في حياة سيلفيا بلاث هي التقاؤها بالشّاعر الإنقليزي تيد هيوز أثناء زيارتها للمملكة المتّحدة. لقد تزوّجا سريعا دون قراءة العواقب. فمن جهة كان تيد هيوز في البداية معجبا بجمالها المختلف وثقافتها الشاسعة وكانا يجلسان ساعات طويلة في الحدائق العموميّة يطالعان ويكتبان، فرفقتها خلقت له المزاج الملائم لاقتناص فراشات الشعر وإعادة إطلاقها على أوراقه البيضاء. لكنّ ربّما ما أسره في سيلفيا هو تمرّدها وجنونها العظيمين الشّبيهين بجنون القصيدة واستعصائها اللّذيذ، حتّى أنّه اعترف مرّة: “ماذا كنت أنتظر من امرأة عضّتني بل أن تقبّلني في أوّل مرّة واعدتها فيها”، لكنّ تيد هيوز لم يقرأ عواقب هذا الاندفاع لم، وخاطر بأن يرتبط بامرأة وضعها النفسيّ معقّد وكيانها الهشّ يمكن أن يتداعى في أي لحظة نتيجة لأي خطأ مهما كان بسيطا. لقد أغرته المغامرة فاستجاب دون تفكير.

 

 

   ومن جهة أخرى ما فتئت سيلفيا أن انجذبت إلى شخصيّته الفذّة وانبهرت بعبقريّته الشّعريّة، وهو ما صرّحت به في مذكّراتها: “العيش مع تيد هيوز أشبه بحكاية سرمديّة. إنّ عقله لامع وخياله عظيم”. (22 جويلية 1956)، وعلى الأرجح أنّها قد ظنّت أنّ عالم هيوز يشبه عالمها وعلى الأقلّ سيضمن لها أنّها ستجد برفقته الوقت والجوّ الملائم لأن ترابط في آخر متراس تملكه في وجه الموت، ألا وهو الكتابة. لكنّ هذا الاندفاع تحت وطأة الإغراء اللّامحدود للمغامرة والحبّ والتعويض عن الأب الّذي افتقدته بأب آخر/زوج/حبيب، سيكلّفها الكثير.

 

 

  لقد حاربت سيلفيا من أجل أن تتحرّر من قفص الحياة عديمة الجدوى، فهي كانت تطمح إلى الكمال، إلى الموت الّذي نضج في داخلها ليتحوّل من موت عبثيّ يأتي كنهاية لحياة عبثيّة إلى موت حيّ يتوّج رحلة وجوديّة ملؤها الكتابة والشّهرة والحبّ. ولكن بعد إنجابها لإبنيها فريدا ونيكولاس بدأت الأمور في التوتّر. فهي بعد أن ظنّت أنّها ستحرّر من الحياة عديمة الجدوى وجدت نفسها أخيرا في أحد أقفاصها، القيد الذكوري الّتي كانت دائما ما تنتقده. فزوجها واصل جولاته الّتي لا تنتهي وأمسياته الشعريّة العديدة، فيما اضطرّت هي إلى أن تعتني بأبنائها وأن تلازم المنزل.

 

 

 

ولئن استمرّت في الكتابة فهي كانت تعتبر حياتها الجديدة ظالمة ومجحفة ومخالفة لتوقّعاتها السّابقة. فقد انحصر عالمها بين أربعة جدران بينما واصل زوجها التجوال في العالم لإلقاء شعره والكتابة دون أن يكون الزواج قد حدّ من حرّيته. وهو ما جعل مرضها النفسيّ يتعمّق أكثر مع الشّعور بالظلم والندم الّذي تبع هذه الخطيئة الّتي قيّدتها، خطيئة الزواج في عالم ينصاع للرّجال ويضرب بالمرأة عرض الحائط. وتوّلدت غيرتها من نجاحات زوجها الّذي كان يحاول فرض ذائقته الأدبيّة عليها أو، حسب روايات أخرى، طمس شعرها والتّضييق عليه. ساهم هذا كلّه في عودة الاضطرابات النفسيّة بطريقة أعنف، وتعمقّت الشّرخ الّذي تصدّع في داخلها منذ الطّفولة مع بداية موت الأب الثّاني/ الزوج.

 

 

وهو ما جعل تيد هيوز يبتعد عنها في مرحلة أولى وهو بجانبها، وتخبرنا عن ذلك في مذكّراتها: “غريبان نحن الاثنان، لا يكلم أحدنا الآخر. وعندما نعود من نزهتنا القصيرة أشعر بالمرض ينمو ويكبر، بنومنا وحيدين، وبالاستيقاظ ذي الطعم الحامض”، ثمّ في مرحلة ثانية إلى أن يهجرها ويتركها كي تواجه ثمرة خطئهما المشترك بمفردها. لكن ما قتل تيد هيوز في داخلها إلى الأبد هو اكتشافها لخيانته لها مع آجيا ويفيل (التي ستنتحر بعد انتحار سيلفيا وبنفس طريقتها وكأنّها تحاول الاعتذار منها أو كي تؤكّد على أنّ تيد هيوز هو سبب رحيلهما بلامبالاته وأنانيّته).

 

 

وإن كان موت أبيها الماديّ سببا في سوداويّتها ويأسها طيلة سنوات، فإنّ موت زوجها المعنويّ جعلها تسعى بجهد أكبر نحو الكمال عن طريق كتابة الشعر بطريقة يوميّة نهمة، وأصبح الموت في هذه القائد هو الكمال المنشود الّذي سيتوّج الحياة داخل الكتابة. ولهذا كان انتحارها في يوم من أيّام 1963 بطريقة أقرب إلى كتابة الشعر منها إلى القتل، فانتحرت ببطئ شديد وكأنّها تتلذّذ لحظات الكمال والانعتاق من قفص الوجود إلى أفق أرحب، انتحرت بأن وضعت رأسها في فرن الغاز لتمرّ بكلّ مراحل الموت وتعبر طريقه وهي تردّد في قصيدتها “حافّة”:

 

وصلت المرأة درجة الكمال.
جسدها الميّت
يرتدي بسمة الانجاز،
وهم الضرورة الإغريقيّة
يتدفّق في تلافيف سترتها،
قدماها العاريتان
يبدو أنّهما تقولان:
لقد ذهبنا بعيدا. انتهى كلّ شيء.


 لقد حاولت الحركات النسويّة في العالم اتّهام تيد هيوز بالتسبّب في انتحار سيلفيا بلاث، وأكّدت أنّ مشكلة شاعرتنا هي مشكلة نسويّة بالأساس سببها تسلّط الرّجل عليها، ولكنّنا نلاحظ أنّ ما أزّم وضعيّة سيلفيا بلاث هو موت الرّجل المعنوي أو المادّي أي غيابه كصديق وأب وحبيب وشريك في رحلة الفنّ والكتابة والحياة. والأمر يتجاوز ذلك بكثير إلى أنّ أزمة سيلفيا لم تكن أزمة نسويّة بل هي أزمة كلّ مبدعي العالم، أزمة وجوديّة بدأت مع الأسئلة حول الموت وانتهت بالموت كإجابة.    

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.