مجتمعبيت وأسرة

حروب تفتك بالأطفال نفسياً

مجتمع

 

حروب تنتشر في عالمنا العربي، يتعرض فيها الأطفال مثل البالغين إلى مواقف وتجارب حياتية مخيفة وخطرة وخارجة عن سيطرتهم، قد تصيبهم شخصياً أو تصيب المحيطين بهم، فما بين جروح بليغة، وبتر أطراف، وحروق، وتشوه، وقتل، يقع الطفل في غيابة جب اضطرابات نفسية مختلفة تنتج عن هذه الصدمة التي تعرض لها، وتودي به إلى اضطرابات التفكير والسلوك والعواطف.

وقد صنف علماء النفس بصفة خاصة الصدمة النفسية التي تتركها الحروب لدى الأطفال تحت باب الآثار المدمرة؛ الأمر الذي حدا بالخبراء والمختصين بإجراء الدراسات المستفيضة للوصول إلى نتائج تساعد على العمل على العناية بالأطفال في وقت الحروب، وتأهيلهم وإبعادهم قدر الإمكان عن الآثار النفسية التي يمكن أن تلحق بهم فتؤثر في حياتهم بعد ذلك.

 

 

تُعرَّف الصدمة النفسية بأنها حالة من الأذى وعدم التوازن والاضطراب في المشاعر التي غالباً ما تؤدي إلى تأثير عقلي وجسدي ناتج عن رد فعل طبيعي للحدث الصادم الذي تعرض له الطفل في الحرب، والذي قد يؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية بعد ذلك.

وتكون الاستجابة للأحداث الصادمة فورية عند التعرض للحدث مباشرة، أو مؤجلة. وأبرز المخاطر التي يتعرض لها الأطفال في الحروب والتي قد تسبب لهم الصدمات النفسية هي:

  • خطر اليتم بفقدان أحد أو كلا الوالدين
  • الموت أو التعرض لحدث يهدد الحياة حيث يوقن الشخص أنه ميت لا محالة، كانهيار المنزل فوقه وانحصاره تحت الركام.
  • فقدان واحد أو أكثر من أطراف الجسم، أو الإصابة الجسمية الشديدة.
  • النزوح والتشرد
  • الانفصال عن الأسرة
  • فقدان فرص الحصول على الرعاية الصحية الذي قد يعرض الطفل إلى الموت أو يترك مضاعفات طويلة المدى بعد الإصابة بجرح أو مرض لم يتم علاجه أو تعذرت مداواته
  • سوء التغذية
  • المشاهد العنيفة
  • الاضطراب في التعليم

ووُجد أن الطفل الذي تعرض لصدمة نفسية يقوم ذهنه باستعادة الأحداث الصادمة التي تعرض لها بعد ذلك، في أحد الصور التالية:

  • تخيُل الحدث الذي أدى إلى إصابته بالصدمة النفسية.
  • فكرة ما تطارد الطفل وتلح على تفكيره.
  • أحلام وكوابيس ليلية.
  • صورة سريعة تُعرض في ذاكرته فتذكر الطفل بالحدث.

 

 

وجد علماء النفس، أن ذاكرة الطفل تقوم بتخزين الحوادث الصادمة التي يتعامل معها العقل دون أن يعبر الطفل عن ذلك كلامياً، حيث نجد أن صعوبة تعبير الأطفال عن مشاعرهم وعن حالتهم النفسية التي يمرون بها بكلام واضح، هو ما يقف عائقاً أمام الكشف عن الاضطرابات النفسية لديهم. ويؤدي كل ذلك إلى مشاكل نفسية عميقة، إذا لم يقم الأهل والمجتمع المحيط بهم وذوو الاختصاص، باحتواء هذه الحالات ومساعدة الطفل على تجاوزها.

وتختلف الاستجابات بين الأطفال للصدمة النفسية، ولكن تظهر الأعراض التالية بشكل عام لدى الأطفال لتعبر عن الصدمة النفسية التي تعرض لها الطفل:

  • يجد الطفل صعوبة في النوم
  • يصحو خلال نومه على أحلام وكوابيس مخيفة ويتكرر ذلك باستمرار
  • لا تظهر الاعـراض أحيـاناً مباشـرة بعد الصدمة، فقد تظهر بعد أيام أو أسابيع على شكل خوف وقلق كبير عند فراق الطفل لأحد والديه أو كليهما.
  • تظهر على الطفل علامات توتر لم تكن موجودة سابقاً مثل؛ التبول الليلى، ومص الإصبع، وقضم الأظافر.
  • تسيطر على تفكيره وسلوكه ذكريات ما حدث.
  • يظهر عليه التشتت وضعف التركيز.
  • يصبح الطفل متوترا ولا يطيع التوجيهات من ذويه (لا يسمع كلام من هم حوله).
  • يعاني من أعراض جسمية بشكل متكرر دون أن تظهر تفسيرات جسدية لها، مثل صداع، وآلام معدة، ومغص.

تعتبر هذه المظاهر استجابة طبيعية نتيجة للتعرض لأحداث مخيفة وخطيرة، فبمساعدة الوالدين أو الاقارب والاصدقاء ودعمهم، يمكن أن يتجاوزها الطفل خلال فترة زمنية لا تطول في الغالب، حيث يشفى الطفل ويعود الى سابق حالته الطبيعية.

 

 

توجيهات للأهل حول التعامل مع الظروف المروعة التي يتعرض لها الأطفال:

  • عند حدوث الأحداث المروعة، على الأهل أن يحيطوا أطفالهم بالاطمئنان ولا يتركوهم عرضة لمواجهة الأحداث دون دعم نفسي، ويكون ذلك عن طريق الحديث المتواصل معهم وطمأنتهم، مع التركيز على بث كلمات الحب والاطمئنان.
  • تشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروع، خاصة في أوقات الغارات في حال وقوعها على مقربة منهم، فهذه اللحظة هي الأهم في حياة الطفل النفسية، وكلما تركناه يواجهها وحده يزداد تأثيرها السلبي بداخله على المدى القريب والبعيد.
  • عدم منع الطفل من البكاء أو الحديث عن ما يجري والاستفسار عنه. فمن الضروري أن نترك له العنان ليصف مشاعره ويعبر عنها، ويتحدث عن الحدث، وأن نعرف ما يدور في تفكيره في هذه الأوقات حتى لا تتراكم الصدمة.
  • تشجيعهم على الحديث للتعبير عن مشاعرهم مع اختيار الأسلوب والألفاظ التي يمكن للطفل استيعابها والتجاوب معها والانطلاق في الحديث منها.
  • ومن المهم أن يحافظ الآباء على تصرفاتهم؛ فيُظهروا رباطة الجأش، ويحاولوا المحافظة على الحالة الطبيعية والهدوء داخل الأسرة ليبثوا الثقة في نفوس أطفالهم.

بعض الاطفال الذين تعرضوا لصدمة شديدة وخطيرة أدت إلى إصابة الطفل إصابة بليغة أو أدت إلى فشله في التأقلم بعد ذلك، ونتج عنها خوف شديد ورعب ويأس وقلق نفسي استمر لبضعة أسابيع. واتضح بعد ذلك أن حالة الطفل تسوء بدلاً من التحسن، يحتاج الطفل إلى أخصائي نفسي يتابعه وقد يحوله إلى طبيب أخصائي يشرف على علاجه.

 

 

العلامات التي تظهر على الطفل وتنذر بتراجعه نتيجة الصدمة التي تعرض إليها، هي كالآتي:

  • استرجاع ذكريات الاحداث بشكل متكرر؛ حيث يقوم الطفل باستعادته للحدث وتكراره في فكره لبعض ثواني، وكأنه يعيش الحدث المفجع بشكل حقيقي مرة أخرى، فيستعيد شعور الرهبة والخوف.
  • يتجنب الطفل التفكير بالحدث وما يرافقه من انفعالات بشكل متعمد، مثل تجنب الطفل الذهاب للمكان الذي حدثت فيه صدمته النفسية لأنه يذكره بالحادث.
  • اضطراب النوم، فيصعب عليه الغرق في النوم بهدوء وسكينة، ويستيقظ على كوابيس مرعبة.
  • يبدو الطفل مُستفزاً بشكل مستمر، حيث يقفز منتفضاً لأقل ضوضاء، وتكون ردة فعله تشبه تلك التي يبديها من يتعرض للحادث.
  • لا يستطيع الطفل التركيز على دروسه، ويجد صعوبة في الانخراط في اللعب مع أقرانه، وفي بعض الحالات، تستمر هذه الاضطرابات مع الطفل إلى أن يكبر ويصبح شاباً.

 

أهم شيء في معالجة المشكلة هو تقبل الاضطراب الذى يحدث للطفل لأن ردة فعله هذه طبيعية، لهذا يجب السماح له بالتحدث عن ما حدث وحتى التعبير عن ذلك بالرسوم إن أراد.

أما الاعتقاد بأن لا نتحدث عن ما حدث مع الطفل لكي لا نذكِّره، فإن ذلك يعتبر تغطية للمشكلة واستبعاداً لها، وليس حلاً. التحدث مع الاطفال يساعدهم على التكيف والتعايش مع الخبرة المؤلمة، فسرد ما حدث بهدوء وتقييمه بشكل صحيح يمكن الطفل من استعادة السيطرة على عواطفه وسلوكه، مع ضرورة عدم إجبار الطفل على الحديث.

الوسوم

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد