ثقافةغير مصنف

الرقود السبع.. قصة أهل الكهف في تونس

روايات شعبية

هذا المقال هو حلقة من سلسلة قصص شائعة من بلدان مختلفة سنحاول فيها عرض عدة قصص محيرة وغريبة من مختلف أصقاع العالم 

نختار في بداية هذه السلسلة قصة أهل الكهف على إعتبارها قصةشائعة في العديد من الدول،  مثل “الأردن والعراق وتركيا وتونس، إضافة إلى أنها من أمتع القصص التي سمعناها في أيام الطفولة، ومن أكثرها غموضا وتشويقا.

وليس منطلق سردنا هنا لهذه الرواية الديني الذي عرفناه في القرآن، إنما هو السرد الشعبي لها.

لكل بلد روايته عن أهل الكهف، بل إن كل بلد من البلدان التي وقع ذكرها تدعي أن الكهف موجود عندها بناءً على حجج و دلائل عدة، وما نصبو إليه في هذا المقال ليس التحقق من مصداقية الإدعاءات، بل التمتع فقط بالأحداث الشيقة لهذه القصة.

ولعل أكثر البلدان التي نجد لديها تفننا في سرد هذه الوقائع هي تونس، وتحديدا  مدينة الشنانة الواقعة في ولاية تطاوين جنوب البلاد. والغريب في الأمر أن سرد هذه القصة يقع تحت عنوان آخر وهو “الرقود السبع”، فما هي قصة الرقود السبع؟

مكان الرقود السبع 

من شنانة بولاية تطاوين في الجنوب التونسي، وهي منطقة ساحرة تقع بين تخوم التاريخ والحاضر، تصل إلى أسماعنا قصة الرقود السبع.

وإن أردتم التعرف على أضرحة هؤلاء الرقود التي تصل الى أربعة أمتار طولا وخسمة أمتار عرضا، فما عليكم إلا زيارة هذه المنطقة و التوجه نحو الجبل الكبير قرب المسجد المواجه للقبلة ويعتقد الناس هناك أن هذا المسجد الوحيد الواقع قرب الأضرحة في الأصل مكان الكهف القديم.

عندما تدخل هذا الجامع، تجد حجرا كبيرا يروي البعض أنه يسدُّ فوهة الكهف ولا يمكن لأي كان تحريكه من مكانه فكل من يحاول فعل هذا تحل به الأهوال، كما حدث لشخص مد يده نحو الفوهة فاحترقت، و كان هذا السبب الرئيسي  لوضع الحجر وغلق الفتحة.

نروي لكم هذه القصة المتوارثة عبر الأجيال على أهم ثلاث أجزاء:

الجزء الأول من الرواية  

يروي سكان مدينة الشنانة هذه القصة المتوارثة أبا عن جد بهذه الطريقة:

في قديم الزمان وفي جهة الشنانة، عاش رجل علاّمة بهذه المنطقة وكان عالما بالفلك والنجوم هاجسه البحث عن شخص تتنبأ الكتب بظهوره وبأنه سيكون من أصحاب المال والجاه.

وفي إحدى الأيام بينما كان يجول في أرجاء المدينة متفحصا في وجوه المارة،  إعترضه رجل مميز وعرف بطريقة ما أنه  الشخص المنشود واسمه “دقيانوس”،   فأسرع بإخباره  أنه وجد في أحد الكتب التي يملكها أن شخصًا يحمل صفاته سيكون له مُلك ومال، واشترط عليه أن يجعله أحد وزرائه، مقابل إعانته على تحقيق ذلك.

 

سعد ديقانوس بهذا الخبر السار و صدق الحكيم في روايته تلك. وهكذا تم إبرام الاتفاق بين صاحب العلم “ودقيانوس”،وانتقلا إلى موضع محدد. وببعض التعاويذ المتلوة من الكتاب وبعض البخور، انفتحت لهما الأرض كاشفة عن مدينة فسيحة مليئة بالكنوز والجواهر والأموال، طبقًا لما أشار إليه الكتاب، فتسلم الملك الجديد مفاتيح المدينة، إلا أنه نكص عن عهوده وقتل العالم ليطمئن على مُلكه الجديد، حتى لا يبقى أسير فضله طيلة عمره.

الجزء الثاني من الرواية 

وفي مرحلة لاحقة، تقول الأسطورة إن الملك الجديد انتدب البنائين والنجارين والحدادين ليشيدوا مدينة جديدة وكلف أحد أصدقائه  بتكوين جيش ليعلن نفسه ملكًا للمدينة، ثم أعماء غروره ليعلن ربوبيته وأمر أهل المدينة بعبادته  دقيانوس.

بيد أن كل مدينة تملك عقلاءها و معارضيها، فكانت في تلك المدينة مجموعة من الشبان المؤمنين الذين يعبدون الله سرًا انبروا ينبهون الناس بأن ملكهم هذا يدعي زورًا الربوبية.

ولإقامة الدليل، مضى “أويمليخا”، أحد هؤلاء الفتية المؤمنين،  لمجلس الملك مُدّعي الربوبية وهو وسط الناس، ليُخبره أن ملك المدينة المُجاورة عقد العزم على اجتياح مدينته وقتل دقيانوس، فذُعر الأخير وسقط مغشيًا عليه من فرط الفزع، وقال للناس إنه لو كان إلها كما يدعي لما ارتعدت فرائصه.

إلا أن  الملك تفطن  لصنيع الساخر منه فأمر بسجنه ورفاقه، ولبثوا بسجنهم سنوات إلى أن جاء يوم كان مُخصصًا لاحتفال الملك، وكان يُؤثثه المساجين، فيُرمى المحكومون بالإعدام لمصارعة السباع، في حين يُؤثث البقية عروضًا بهدف استرضاء الملك ليعفو عنهم.

وفي هذا الحفل، طلب أويمليخا أن يُسمح له بعرض لعبة جماعية لم تكن معروفة وقتها وهي “العقفة” (وتعني إلى الآن لعبة شبيهة بكرة القدم ” الهوكي” إلا أنها تعتمد على العصي لتحريك الكرة)، وبالفعل مُكّن وأصحابه من اللازم لتأثيث العرض، وأُعجب الملك أيما إعجاب باللعبة الجديدة، وفي الأثناء، قام أحد اللاعبين برمي الكرة بعيدًا فانطلق اللاعبون وراءها ليتواروا عن الأنظار ليفهم الملك والجمهور أنها لم تكن سوى خدعة للهروب.

وأثناء هروبهم، يروي سكان المنطقة الحاليون  انهم مرّوا براع له كلب شرس، فتفطن الرّاعي إلى أن الكلب رحّب بمجيء الجماعة واستحسن وجودهم، فعرف أن في الأمر سرًّا، فسألهم عن وجهتهم فأخبروه بحقيقة أمرهم وأنهم هاربون إلى الله.

وكان مؤمنًا مثلهم فطلب منهم انتظاره حتى يرد الغنم لأهلها ثم يرافقهم فانتظروه وقصدوا مغارة بعيدة عند سفح الجبل المقابل وانتبهوا إلى أن كلب الراعي يرافقهم فنهروه فأبى وألح في متابعتهم فرموه بالحجارة، ولكن الكلب لم يخف،فأخذوا يرمونه بالحجارة وبالغوا في إيلامه وإذايته حتى نطق لهم بفصيح اللسان ولامهم على صنيعهم معه. وعندها انتهوا، صاحبوا الكلب إلى المغارة ومكثوا هناك حتى غشيهم النعاس واستمروا في غفوتهم ثلاثمائة وتسع سنين.

 

الجزء الثالث من القصة 

ظل “الرفاق السبع” في غفوتهم إلى أن حان موعد بعثهم من جديد فاستيقظوا وصاروا يتضورون جوعا، فتحسّسوا ما حولهم ووجدوا قربة الماء لم يتغيّر طعمها فشربوا وتفطنوا  أنهم على الهيئة التي ناموا عليها.

ثم كلفوا أحدهم بأن يذهب للمدينة ليجلب لهم طعامًا وأوصوه بالحذر من الملك الظّالم دقيانوس و أعيانه، و هكذا أخذ ما كان معه من نقود قليلة وقصد المدينة لجلب الطعام. وأثناء سيره في المدينة فوجئ بما طرأ عليها من تغيير وزادت دهشته حين قدم المال للتاجر فأخذ يتفحصه ويقول له إن هذه القطع النقدية ضاربة في القدم حتى أنه ظن بأن الشاب عثر على كنز ما.

وحصل جدال بين التاجر والشاب الذي ظل يؤكد  أن هذه النقود نقوده حتى بلغ  الشجار حراس المدينة فأخذوا الرجل لحضرة الملك.

و هكذا تمت مساءلته عن مصدر هذا المال فقال إنه ماله وإنه من ساكني هذه المدينة وله منزل فيها وأخبره باسمه فبعث الملك حرسه مع الرجل ليريهم منزله فرافقوه وأشار بمكان منزله فخرج لهم رجل أنكر على الغريب ادعاءه ملكية المنزل، إلا أن الشاب أصر  على إدعائه وطلب منهم أن يسمحوا له بالدخول ليجلب لهم من الداخل ما يصدق قوله، فدلف إلى الداخل وأخرج لهم قصبة صغيرة منقوش فيها اسمه  كانت مخفاة في زاوية من زويا البيت، فعجبوا لذلك وأعادوه للملك فطلب منه أن يروي قصته.

و بعد الإستماع لروايته، أخبر الملك الشاي أن دقيانوس الظالم مات منذ مئات السنين وأن سكان المدينة بأسرها  يعبدون الله، فسعد الشاب وعاد مسرعا  إلى أصحابه في الكهف ليبشرهم بالخبر مصطحبا  الملك و جنوده إلى أن وصل إلى مدخل الكهف فطلب من مرافقيه أن ينتظروه حتى يطمئن رفاقه ويحدثهم بما رأى وسمع.

إلا أن  الرقود السبعة كانوا قد كلفوا أحدهم بمراقبة من بعثوه للمدينة فصعد أحد من أصدقاءه  إلى قمة الجبل وعندم رأى رفيقه عائدًا في موكب كبير من الناس وقع في قلبه خوف لهول ما رأى وتوجس من الأمر و قيل أنه لفرط فزعه قفز من قمة الجبل وقطع كامل المسافة الشاهقة التي تفصله عن الغار في ثلاث خطوات، وقد وضعت علامات في الجبل مازالت باقية إلى اليوم تسمى الأولى الموجودة على القمة الناظور وتسمى الأمارة الوسطى أولاد الناظور أما الخطوة الثالثة فكانت قرب الغار.

و يروي البعض أن  الملك ظل قابعا مع جنوده أمام الكهف ينتظرون خروج الشاب إليهم، وبعد أن طال بهم الانتظار أذن الملك لجنوده بدخول الغار، وحين نفذوا إليه لم يجدوا للجماعة أثرًا، و تعجب الناس من هذا فقرر الملك أن يبني عليهم معبدًا يعبد فيه الله وحده،  ثم تحول المعبد إلى مسجد بعد قدوم  الإسلام إلى الجهة وهو المسجد الموجود  في شنني القديمة و المسمى بالرقود السبعة.

يصر الشنانة الحاليون  بأن هذه قصة أهل الكهف وأن الأضرحة تعود لأولئك الفتية المؤمنين بالله  رفقة كلبهم.

والجدير بالذكر هنا هو أن الكثير من الباحثين في علم الأثار  والتاريخ لم يفكوا  إلى الآن لغز هذه المدينة  التي تعتبر مقصدا للكثير من السياح بسبب الغموض و السحر اللذين لا يزالان يحيطان بيها.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.