مدوناتغير مصنف

25 يناير: مذكرات طالبة في الجامعة الأمريكية

الثورة المصرية

 

 

كان من نصيبي أن أصل إلى مصر قبل موعد ثورة يناير بأشهر قليلة، وأنضم إلى أفواج طلبة الجامعة الأمريكية كي أنهي درجة علمية جديدة. في يوم 25 يناير كنت أجهز مع مجموعة من الزميلات والزملاء للذهاب في مخيم تدريبي في مديرية التحرير خارج حدود القاهرة بقليل. أذكر أنني أمضيت اليوم بصورة عادية جداً، لم أفكر أبداً بأنه يسكون يوماً مميزاً، كما الكثيرون غيري، أعتقد أن الإحساس السائد توقع بعض المظاهرات الصغيرة هنا وهناك وكفى، لا شيء جديد. مع نهاية اليوم جاءني خبر وفاة جدتي لأبي رحمها الله بعد مرض طويل، فانشغلت به عن أي شيء آخر.

 

في المساء أخذت أستطلع الأخبار، فوجئت بأصدقاء كثر ينشرون خبر القبض على صديق لنا والكثير من الكلام عن كونه في مرحلة الامتحانات النهائية في الجامعة وأن هذا الغياب سيؤثر على وضعه الأكاديمي. نعم كان الأمر بهذه السذاجة، كان الجميع قلقين على مستقبله الأكاديمي وكأنه سيعني شيئاً مهماً، البعض يلومون من خرجوا لأن الأمر لا يستحق أن يضحي المرء بمستقبله من أجله، وآخرون يتحدثون عن طرق لتفادي المشاكل المحتملة.

 

في اليوم التالي انطلقنا إلى مركز تطوير الصحراء التابع للجامعة الأمريكية (Desert Development Center)، أذكر أننا كنا نتساءل عن جدوى هذه الرحلة في مثل هذا الوقت، ومدى نفع مشروع يتحدث عن (الاستدامة) في ظل ما كان يحدث في مصر عندها، ولكن الالتزام مع المركز وتجاه المشروع كان أثقل وزناً من مجرد إحساس بالذنب ربما يكون في غير محله، خصوصاً إذا انتهت الأحداث بنتيجة متوقعة من “اللاشيء”.

 

قضينا في المركز يومين نناقش ونتعلم ونحاول التفكير في كيفية استخدام خبرات المسؤولين للخروج بمشروع عملي يستهدف طلاب الجامعة. مع نهاية يوم السابع والعشرين وصلت الأخبار بأن هناك فوضى، هناك حرائق، وهناك تخريب، هناك “بلطجية” في كل مكان، هناك هلع، ونحن عالقون هنا في الصحراء، بالكاد يعمل التلفاز وينقل بعض الصور والأخبار من محطة الجزيرة، وشبكات الهاتف بدأت تقع، والإنترنت أصبح ممنوعاً. فجأة أحسست بأنني في لوحة سيريالية، لا شيء فيها منطقي ولا متوقع.

قررنا العودة في الصباح الباكر، المشرفة عندها كانت تحس بالكثير من تأنيب الضمير لأنها أخذت قراراً بالالتزام بالرحلة منذ البداية، الآن هي خائفة على سلامتنا، والذعر مسيطر على كل شيء. ركبنا الحافلة ودخلنا القاهرة في وقت الضحى من يوم الجمعة 28 يناير. لم يكن اليوم الكبير قد بدأ بعد، كل شيء كان صامتاً، الشوارع خالية تماماً، أذكر أنه كانت هناك مجموعة من اللصوص تحاول كسر واجهات بعض المحلات وسرقة ما يمكن.

توقف السائق قليلاً عندما شاهد مجموعة من “البلطجية” يسدون الشارع بالعصي والهراوات، حاول الرجوع ربما ليبحث عن طريق أخرى، ولكنه لم ينجح، عاد ليسير في نفس الطريق وتابع حتى تجاوزهم ونحن نترقب ردود فعلهم. لحسن الحظ لم يحدث شيء.

 

في سكن الجامعة الواقع في مدينة القاهرة الجديدة بعيداً عن كل شيء، كان المسؤولون يحاولون بكل السبل تطمين الطلبة والمدرسين من المقيمين في الحرم الجامعي. بدأ الأمر بوصول مدرعات الجيش إلى أبواب الجامعة في مساء ذلك اليوم، ثم أصبح هناك رجال أمن بكلاب وأسلحة في دوريات ليلية، ثم بدأ الحديث يدور حول إرسال الطلبة الأجانب إلى ديارهم لأن الوضع قد استمر أكثر من المتوقع. كان الطلاب المتبقون ممن قرروا البقاء يجتمعون في قاعة السكن الاجتماعية التي يوجد بها تلفاز كبير ويتسمرون أمامه طوال اليوم. وجبات الطعام أصبحت موحدة، والأيام تمر في انتظار الجديد. مع كل خطاب كان يقال هذا يكفي، هذا جيد، هذا أمر لم نكن نحلم به، هكذا حتى الخطاب الأخير.

دعوني أقول بأن غالبية الطلبة من غير المصريين، بل ربما جميعهم دون استثناء كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن يفرح الناس، فقط أن يفرح الناس، لم يفكروا في الأمر من وجهة نظر السياسة ولا الأمن ولا أي متغيرات أخرى. في كل مرة يصدر أي نوع من التنازلات كانوا يهللون ويصفقون ويهنؤون بعضهم وكأن فريقهم المفضل كسب مباراة من نوع ما. وعندما صدر خطاب التنحي نزلوا يحتفلون مع الجميع في الميادين، يرفعون الأعلام ويرقصون ويغنون، ويلتقطون الصور مع الدبابات الأليفة في حينها. ربما كان ذلك من أجمل ما شاهدته في تلك الفترة، لأنه كان خالياً من كل حسابات أو مصالح قد تؤثر على من يراقب الأحداث أو يشارك فيها، أفراد ينظرون من الخارج، اختاروا الناس ووقفوا معهم، فقط بهذه البساطة.

 

طبق على المائدة يظل خاوياً، كرسي في الاجتماعات العائلية لن يملأه أحد. وهناك فراغات أخرى لخطط تحطمت ولمستقبل كانت له صورة مختلفة، للقمة عيش باتت أصعب، ولحياة صارت شبه مستحيلة.

 

اليوم بعد مرور كل هذا الوقت، بعد كل الضحايا الأحياء منهم والأموات، لا أجد في نفسي تجاه هذه الذكرى سوى الكثير من الألم، الكثير من الغضب، والكثير من الندم. أنظر إلى كل ما حصل وأفكر، هل كان الناس يستمتعون فقط بوهم أنهم يفعلون شيئاً؟ هل كانوا يظنون حقاً أن كل ذلك له معنى؟ أم أن أحلامهم الوردية طغت عليهم؟ هل تلك الدماء التي سالت حينها كانت حقاً سبباً في أن يستمر الناس حتى تحقيق العدالة؟ أم أن الناس اختاروا أن لا يروها هرباً من الخوف ومن ضوء في آخر النفق ظنّوا أنهم قادرون على اللحاق به؟ لماذا حدث كل هذا؟

عندما يعبر أحدهم عن رغبة في إرجاع الزمن إلى الوراء وعن أمنية مفادها أن ليت شيئاً لم يكن، يُهاجم، يقال: يكفينا شرف المحاولة! أين الشرف؟ وأين المحاولة؟ هل كانت محاولة حقيقية؟ هل كانوا حقاً يملكون أن يحاولوا أصلاً؟ هل كانوا فاعلين أم مفعولاً بهم؟

لم تكن تلك الأيام متعلقة بمصير مصر وحدها، لقد تعلقت بها كل العيون وكل القلوب وكل الأمنيات القديمة المؤجلة. أتذكر مشاهد الناس في غزة تحديداً وهم يوزعون الحلوى ويجوبون الشوارع وكأن البلد في عيد. لم يكونوا يعرفون أن القادم أسوأ بكثير مما مضى. حصار يشتد، وأهالٍ سيبتعدون أكثر، وأشياء كثيرة تحدث من تحت الطاولة.

 

أنا طالبة مرة أخرى، في بلد آخر، وفي قارة أخرى، بيني وبين مصر وبين عالمي آلاف الأميال. مازلت أحاول أن أتعافى من كل ما جرى، أحاول ألا أترك لكل تلك الهزائم أن تعرّفني، أستيقظ في كل يوم وأقول لنفسي لن تفشلي أنت أيضاً، عليك أن تنجحي في شيء ما!

ولكن ماذا عن أولئك العالقين بين الشوارع والطرقات، غير المسموح لهم بأن يحاولوا النسيان، لأن هناك فراغاً ما لم يعُد يشغله ابن أو أخ أو أخت أو أب أو أم أو زوج.. طبق على المائدة يظل خاوياً، كرسي في الاجتماعات العائلية لن يملأه أحد. وهناك فراغات أخرى لخطط تحطمت ولمستقبل كانت له صورة مختلفة، للقمة عيش باتت أصعب، ولحياة صارت شبه مستحيلة. ولا أعتقد أننا سنستطيع أن نتجاوز هذه الخيبات قريباً، نحن جيل له نصيبه كما لغيرنا، وعلينا أن نتجرعها ونواصل، حتى يقضي الله أمراً..

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.