الرئيسيثقافة

حكاية زهرة لحنان الشيخ: عندما تصبح  الأنثى ضحية هيمنة الرجال وحروبهم

ثقافة

 

لماذا تكون المرأة دوما ضحية كل المآسي بدء بالأبوة القاسية ووصولا إلى الحروب والتوترات العنيفة التي تعصف بالأمم والشعوب؟

سؤال مركزي لم يغب على أي نص مؤنث ولكنه يبلغ ذروته مع حنان الشيخ وتحديدا في روايتها حكاية زهرة.

“لم يكن فقر زهرة المدقع ووجهها الطافح بحب الشباب يشهر أن فقط جروحها العاطفية التي أنبتتها هذه البيئة البيتية في الصبية الحساسة بل يفسران أيضا وحرفيا  ذاك الصراع المتصاعد  والمستمر في المجتمع أي المعركة الدائرة بين الرجال والنساء على التحكم بالجسد الأنثوي وضبطه”. بهذا تلخص حنان الشيخ وجع هذه ” الزهرة ” التي ارادتها نموذجا للأنثى العربية المنكسرة تلك التي تحتضن حرمانها بصمت.

وتبدو الحكاية من خلال الندوب او حب الشباب الذي يغطي وجه زهرة والذي هو بمثابة اللعنة في نظر والدها الذي يسيء معاملتها ويقسو عليها معتقدا ان هذه ” النطوف ” تحول دون ابنته ودون الزواج وهو يستشرف مصيرها وهو العنوسة ولذلك يراها عبء ثقيلا عليه.

ويمعن دوما في اهانتها واذلالها لهذا السبب وهو ما جعلها تنكفئ على نفسها وغالبا ما كانت دونما وعي تقشر بثور وجهها وهو ما يجعل هذا الأب القاسي يستشيط غضبا على ابنته الموسومة بالقبح في نظره.

وربما لذلك بات وجه زهرة مشكلتها ومشكلة والدها ولعنتهما معا وقاد هذه الفتاة التي لا امل لها في الزواج من منظور أبوي فظ يربط مصيرها المحتم بالعنوسة الى الانعزال والانطواء على الذات مع عمق إحساسها بالرفض من قبل الاخرين في مجتمع محكوم بالهيمنة الابوية ويغيب فيه الحب كعاطفة قادرة على تحقيق توازن الفرد داخل الاسرة والمجتمع ويغدو فيه اقرب الناس الى زهرة مصدر ألمها وقهرها.

كما كانت زهرة المنطوية المشوهة ضحية الاغتصاب وهو ما جعل الندوب تنغرس في نفسها ايضا .

وهنا تنزاح الكاتبة حنان الشيخ قليلا لتأخذنا في عالم الرمز قليلا وذلك من خلال تشويه زهرة لوجهها الذي تحفره بأظافرها حتى تدميها وكأنها بهذا الفعل تثور على القوالب التي يفرضها المجتمع عن مقومات الجمال لدى المرأة وعن مصيرها المرتبط بالزواج.

وربما نمضي في التأويل أكثر للقول ان حنان الشيخ جعلت بطلتها تتمرد على القوالب التي تجعل من المرأة أداة للمتعة الحسية فقط وتختزلها في موضوع الجنس وهو ما انبني عليه المخيال العربي  على مر العصور حتى بات من الإرث الفكري المتواتر وفرض قسرا على النساء اللواتي تقبلنه بصمت.

ومن هذا الصمت ولدت مقاومة زهرة التي اختارت المنفى والنأي عن بيروت مدينتها التي لم تر فيها سوى الإذلال والهيمنة لترحل الى ” إفريقيا ” حيث تتواصل الحكاية بمفردات أخرى ولكن تيمة المعاناة ترافق هذه الزهرة المشوهة اينما حلت تحمل وجعها تماما كندوب وجهها.

وفي هذا السياق تقول الكاتبة على لسان بطلتها ” أردت ان أحيا لذاتي وأردت لجسدي ان يكون ملكا لي وان يكون المكان الذي اقف عليه والهواء المحيط بي لي وحدي وليس لأي شخص آخر”.

هكذا أشرعت الزهرة المشوهة أجنحتها وحلقت في اتجاه بلاد أخرى معتقدة ان المجهول يمكن ان يكون مغايرا للواقع الذي كان سبب ندوبها.

لكن ما الذي حدث؟ هل شفيت الندوب ام لعلها ازدادت غورا واتساعة؟

لم يتغير شيء تلك هي الإجابة التي خلصت إليها زهرة باعتبار ان الهيمنة الذكورية لاحقتها في إفريقيا أيضا والقهر الأبوي ظل مسلطا عليها حتى بعد زواجها الذي لم يروي ظمأها إلى الحب خاصة بعد ان رفض زوجها الاعتراف بها كفرد له احتياجاته الشخصية الخاصة وكان صورة أخرى حاملة لقيم الأبوة المتسلطة.

لكن وحدها الحرب غيرت زهرة وأحدثت انقلابا في حكايتها فبعد ان عادت مكتئبة ومشوهة  ومطوية على نفسها الى بيروت من جديد بحال لعلها أشد  سوءا  من الحال التي كانت عليها عندما غادرتها واختارت ان تحبس نفسها بين الجدران.

اذن أعادت الحرب زهرة الى الحياة وبعمق أيضا فأجبرتها على ان تعمل وان تفكر وان تتطوع من اجل مساعدة المصابين من جراء المشهد الدموي الذي عاشت على وقعه بيروت.

وفي هذا الخضم كسرت زهرة القمقم الذي عاشت فيه لسنوات ولم تعد حبيسة الهيمنة الذكورية عليها وأرادت ان تخوض معترك هذه الحروب الضروس بطريقتها وهنا فحسب وجدت هويتها الإنسانية  بعيدا عن القوالب الثابتة وتكتشف مكامن القوة في ذاتها التي خيل لها ان لا وجود لها.

وتسهب حنان الشيخ في رواتها حكاية زهرة في تعرية قبح الحرب ودمارها الذي يلحق الأفراد والمجتمعات  وبهذا المعنى يمكن ان نقول ان هذا النص المؤنث هو صياغة لثورة المرأة وتمرد على الهيمنة الأبوية وعلى دموية  الحرب ووحشيتها وهي من زاوية أخرى رواية الأنثى في وقوفها ضد كل أشكال التسلط و العنف. وهي في هذا الصدد تقول ” ينبغي على الرجال والنساء العمل معا نحو وطنية مقومة مجردة من شوفينية المذكر ومن الحرب والعنف”.

واتساقا مع النسق المـأساوي  الذي اختارت حنان الشيخ ان تبني عليه عوالم شخصية بطلتها كانت النهاية تراجيدية بكل المقاييس. وهي من ملامح القوة في هذا العمل الروائي الذي صاغته ببراعة الكاتبة اللبنانية التي أخلصت منذ بدايتها للقضايا النسوية بكل تفاصيلها وتفريعاتها محاولة تتبع قضايا النساء في أمكنة وفترات زمنية مختلفة ولها مدونة روائية قيمة احتفى بها النقاد وعدوها من أكثر الكتابات النسائية نضجا.

ومن ابرز أعمالها  انتحار رجل ميت ومسك الغزال ثم اكنس الشمس عن السطوح وحكايتي شرح يطول وبريد بيروت ثم إنها لندن يا عزيزي وامرأتان على شاطئ البحر.  

هذا وقد وردت رواية حكاية زهرة ضمن ترتيب افضل مائة رواية عربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.