سياسة

المؤرخ مراد اليعقوبي: خذلان الأنظمة لم يثن التونسيين والجزائريين عن الالتحاق بجبهة الدفاع عن فلسطين

 

أكد المؤرخ التونسي ورئيس جمعية أنصار فلسطين مراد اليعقوبي في حوار لمجلة “ميم” أن القضية الفلسطينية متجذرة في قلوب كل الشعوب العربية، وأن المغاربة قاموا بدور كبير من أجل تحرير بيت المقدس والدفاع عنها، إلا أن الأنظمة العربية خذلت شعوبها وتحالف بعضها مع الكيان الصهيوني، وهو ماساهم في إضعاف المقاومة الفلسطينية.

تتحدث المصادر عن علاقة متينة وقوية جمعت الشعبين التونسي والفلسطيني عبر عقود، فما هي أبرز المحطات التاريخية التي جمعت الشعبين؟

في حقيقة الأمر، عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية لا يمكننا أن نفصل وأن نتحدث عن التونسيين  بمعزل عن الجزائريين والمغربيين، لأنّ القضية الفلسطينية هي قضية الأمة العربية، وظهر هذا التفصيل الذي تأثر بالواقع الحالي للأمة العربية، عندما بدأ مفهوم الأمة يضعف لصالح الدولة أو ما يسمى بمفهوم الدولة الوطنية أو الدولة العرقية. فكل العالم الإسلامي وبلاد المغرب العربي وتحديدا شمال إفريقيا كانت لديها علاقات متينة جدا بفلسطين، تعود حتى إلى الحروب الصليبية، وزمن  فتوحات المغرب في تاريخ الإسلام، لذلك فإن هذا التفصيل التونسي الجزائري هو تفصيل حديث وتمييز جديد لا علاقة له بالتاريخ.

باب المغاربة في القدس

قام المغاربية بدور كبير جدا لتحرير بيت المقدس والدفاع عنها، حيث تكونت مجموعات ضخمة انتقلوا إلى فلسطين للدفاع عن  الأرض المقدسة، وبطبيعة الحال استقر المغاربة في مكان مخصص لهم، وإلى حد الآن يوجد باب يحمل اسم “باب المغاربة” في القدس، واعترافا بمجهودات الكبيرة التي قدمها المغاربية  في تحرير القدس تم تمكينهم من الاستقرار في تلك المنطقة، وهو ما يعكس العلاقة المتينة بين بلاد المغرب وبين فلسطين وهي علاقة أمة بأكملها.

ومع بداية الحروب التي شنها اليهود وتحديدا الصهاينة من أجل افتكاك الأراضي الإسلامية الفلسطينية، بدأ يظهر واقع جديد وبدأت تظهر دويلات واتجاهات متعددة لمختلف مناطق العالم الإسلامي، ولم نعد نتحدث عن مفهوم المغاربة بنفس الحدة ونفس التوحيد، ليبرز في ذلك الوقت هذا التفصيل فأصبحنا نتحدث عن التونسيين والجزائريين وغيرهم من الشعوب العربية. ومع بداية المواجهات الحربية الفعلية، بعد التقسيم وتحديدا بعد 48 ظهرت ردة فعل إسلامية وعربية بمشاركة تونسيين ومغربيين وجزائريين، وجميع الوثائق والتسجيلات تؤكد وجود نفس وطني موحد لمناصرة القضية الفلسطينية.

كيف كان تعامل الأنظمة العربية مع القضية الفلسطينية في ذلك الوقت وتعاملهم مع المقاومين العرب؟

للأسف النتائج التي كانت تقودها الأنظمة العربية لم تعكس تضحيات الشعوب العربية التي تطوعت باندفاع وحماس كبيرين من أجل نصرة  فلسطين، حتى أن بعض المتطوعين أُعيدوا إلى أوطانهم حتى قبل الوصول إلى القدس، لأن الأنظمة التي بدأت في الظهور بعد 48، جميعها أنظمة عسكرية في مصر وسوريا والعراق وغيرها، فكانت جميعها أنظمة لها حساباتها الضيقة وخلافات داخلية يتم تصفيتها على حساب القضية الفلسطينية وهي من أكبر النقاط التي أضعفت القضية.

ورغم خذلان الأنظمة العربية لشعوبها إلا أن الكثير من المتطوعين انتقلوا إلى فلسطين للدفاع عن القضية ومن بينهم التونسيين الذين انتقلوا بصفة غير رسمية إلى الأراضي المحتلة وساهموا في المقاومة وكان لهم باع كبير، واستشهد منهم عدد هام على الأراضي الفلسطينية، وهناك من حصل على رتب عسكرية رفيعة في جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطيني سابقا. وبالتالي فإن خذلان الأنظمة العربية وتخليها عن القضية الفلسطينية لم يثن التونسيين والجزائريين وغيرهم عن الذهاب إلى الأراضي المحتلة والدفاع عنها، باعتبار أن الدفاع عن القدس وأراضيها هو فرض عين على كل شخص.

المؤرخ مراد اليعقوبي

لعبت الحركة الوطنية التونسية دورا هاما في دعم حركة التحرير الفلسطيني كيف كان ذلك؟

في ذلك الوقت كانت العديد من الشخصيات وقادة الحركة الوطنية التونسية على تواصل دائم بقادة حركة التحرير الفلسطيني، وكانت هذه الشخصيات تحضر مؤتمرات وندوات تُعقد في فلسطين قبل 48 مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي وغيره من التونسيين، باعتبار أن القضية كانت تجمع كافة الشرائح خاصة وأنها لم تكن قضية قطرية أو مذهبية، وكانت ولا تزال قضية عادلة، وبالتالي تشجع الجميع للدفاع عنها.

 هناك من تحدث عن تطوع أكثر من 3000 شاب من مختلف أنحاء الجمهورية التونسية نحو فلسطين المحتلة من أجل الالتحاق بالمقاومة ضد العصابات الصهيونية في حرب 1948، ما حقيقة الأرقام المتداولة في هذا الموضوع؟

في حقيقة الأمر لا يمكن أن نحدد أعداد الشباب التونسيين المتطوعين في المقاومة في فلسطين، لأن الأعداد كانت غفيرة جدا، ومن الصعب أن نجد من يعطينا أرقاما وإحصائيات صحيحة لأن من ينضمّ إلى المقاومة كان أغلبهم ينشط في سرية تامة ولا نسمع عن نشاطه إلا عند استشهاده، والتوسنيون المشاركون في المقاومة هم منبثون في جميع ما يسمى بدول “الطوق”، حيث نجدهم في سوريا ومصر ولبنان والأردن، أضف إلى ذلك فإن أغلبية المتطوعين للدفاع عن الأراضي المحتلة كانوا يخرجون بطرق قانونية بتعلة العمل في إحدى الدول العربية ليلتحقوا فيما بعد بجبهات القتال، والعديد من العائلات التونسية كان أبناؤها ينشطون في المقاومة الفلسطينية، إلا أنهم لا يعرفون ذلك، ويكتشفون الأمر عند استشهاد أبنائهم.

كما أنه من الصعب أن نميّز بين من قاتل وبين من لم يقاتل من بين التونسيين الذين تطوعوا للدفاع عن الأراضي الفلسطينية المغتصبة، فكل تونسي غادر ذهب إلى فلسطين تدرب على السلاح، وحتى وإن كانت مهمته صلب حركة التحرير الفلسطيني، مهمة إدارية فإنه يتدرب على السلاح لأنها حركة مقاومة وحركة تحرير تحتاج إلى سلاح. وحقيقة أنا أحتاط من الأرقام الصادرة حول عدد المشاركين والمتطوعين من أجل نصرة فلسطين وأتصور أن الرقم يفوق 3000 متطوع، لأن العدد كبير بدليل أن هناك زيجات واختلاطات هنا وهناك، وأعتقد أن هذا الرقم ارتبط بموجة في فترة معينة.

متى كان أوج ظاهرة تطوع الشبان التونسيين والذهاب إلى الأراضي الفلسطينية؟

موجات المشاركة والتطوع من أجل الالتحاق بالمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني كانت مرتبطة بوضعية القضية الفلسطينية، لأنه منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، هناك فترات تركزت على المقاومة المسلحة، فنجد الحضور العربي والإسلامي والحضور التونسي من ضمن الحضور المغربي، كما نشطت العمليات الاستشهادية والفدائية داخل فلسطين بمشاركة التونسيين وتواصلت هذه العمليات إلى حدود الثمانينات، إلا أن الأزمات المحيطة بفلسطين تشغل عن القضية، فعلى سبيل المثال الحرب الأهلية في لبنان أغرقت الكثير من الفلسطينيين في صراعات مع العرب، أو في صراعات فيما بينهم وهذه الحرب كانت نقطة ضعف مقلقة جدا وكان تأثيرها سيء لأبعد الحدود ولكن المقاومة لم تخفت بصورة كلية بتاتا.

ما هي المسالك التي كان يعتمدها التونسيين للتنقل عبر الدول للوصول إلى الأراضي الفلسطينية؟

الذهاب إلى فلسطين كان عبارة عن رحلة جهادية، فهناك  الكثير من التونسيين ذهبوا إلى الأراضي المقدسة بطرقهم الخاصة، فبعد أن تم الاعلان عن الجهاد والمقاومة لم يكن بإمكان أي شخص أن يمنع الناس من الذهاب إلى فلسطين، فالانتقال من تونس إلى مصر تم بكل الطرق، وهناك رحلات تتم في إطار مغاربي، بمعنى ينتقل الجزائريين من الجزائر إلى تونس وتتكون مجموعات تضم البلدين، وتنتقل هذه المجموعات إلى ليبيا أين تنظم إليهم فرق ليبية، وكانت هذه المجموعات تقوم بحشد من يعترض طريقهم وإقناعهم بالانضمام إليهم. وهو نفس الشيء مثلما يحدث في قوافل الحج التي كانت تنتقل من منطقة إلى منطقة، وبالتالي التواصل عبر الطرق التقليدية كان عاديا، وكانت تنقلات المتطوعين تقوم على التنسيق فيما بينهم وبين الدول التي يمرون بها وإقناع أناس جدد للالتحاق بجبهات المقاومة ومدهم ببعض المساعدات المالية لدعم المجاهدين في فلسطين. وكانت رحلات مساندة فلسطين فيها الكثير من الفداء والتعاطف، وكانت عملية إنسانية ضخمة وحدت العرب والمسلمين ككل مرة.

لماذا تم اختيار تونس سنة 1982 مقرّا لمنظمة التحرير الفلسطينية؟

في ذلك الوقت كانت هناك استغلال للقضية الفلسطينية وللقوة الفلسطينية وتوظيفها في الصراعات العربية مما أدى إلى تسهيل مهمة بني صهيون الذين استغلوا الانقسام العربي، وانقسام الأنظمة العربية وهي جميعها أنظمة عسكرية، بما ساهم في إضعاف القضية الفلسطينية، وسهل الأمر على إسرائيل التي قامت بالاجتياح الكبير في لبنان الذي كان الهدف منه هو إنهاء الوجود الفلسطيني هناك، ووجدوا من يدعمهم في ذلك، وقد تحالفت بعض الكتائب اللبنانية مع الكيان الصهيوني بالإضافة إلى نظام الأسد الذي تحالف مع إسرائيل بهدف إضعاف المقاومة الفلسطينية، ولا ننسى فضيحة حصار تل الزعتر الذي كان حصارا سوريا بعثيا للمقاومة الفلسطينية ولعرفات ومن معه. وبعد الحروب التي وقعت والمجازر التي وقعت في حق الفلسطنيين تم الاتفاق على إخراج الفلسطينيين من أجل  إيقاف الحرب، وقد تدخلت تونس وتم الاتفاق معها ونقل الفلسطينيين إلى تونس ونقل جميع المقاومين والمقاتلين إلى هنا، وقد لاحقتهم الطائرات الإسرائيلية وقصفتهم.

ياسر عرفات يعاين آثار العدوان الإسرائيلي على مقر منظمة التحرير بمدينة حمام الشط التونسية، أول أكتوبر 1985

بعدها كانت الحادثة التي اختلطت فيها الدماء التونسية بالدماء الفلسطينية بعد أن قصف جيش الاحتلال منطقة حمام الشط في أكتوبر 1985..

كان هدف جيش الاحتلال هو إضعاف المقاومة الفلسطينية والقضاء على رموزها مثل الزعيم الراحل ياسر عرفات، والأكيد أن عملية حمام الشط تمت باتفاق دولي وبموافقة دولية، حصلت من خلالها إسرائيل على الضوء الأخضر من القوى الكبرى لأننا لا نتصور أن تخرج طائرات حربية من إسرائيل وتصل تونس دون أن يكون هناك تنسيق، سواء على مستوى المعابر الجوية أو الاستخباراتية.

وأنا اعتبر أن هذا العمل هو عمل أشرفت عليه القوى الدولية ونفذه الصهاينة من أجل خدمة القضية الإسرائيلية التي هي قضية المجتمع الدولي في نهاية الأمر، وتم التنفيذ. ولكن من حسن حظ ياسر عرفات أنه سلم من هذا المخطط، ولكنّ عددا كبيرا من الفلسطينيين (50) والتونسيين (11) استشهدوا في هذه العملية.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.