مجتمعالرئيسي

ميم تلتقي رفقة القواسمة، المقدسية التي صفعت “المُجنَّدة” الإسرائيلية

يأبى المحتل إلا أن يُذلنا ولكننا نساء ورجال صامدون ثابتون على هذه الأرض المباركة

 

آية أبو ناب- القدس- مجلة ميم

ترعرعت المقدسية رفقة القواسمة في عائلةٍ مناضلة لها سجلٌ في التضحيات، فقد استُشهدت أمها وأربعة من إخوتها إبان الحرب التي اندلعت عام 67، حين ألقيت عليهم قذيفة حيث يقطنون في البلدة القديمة وفارقوا الحياة على الفور.

لازالت هذه المرأة حتى اللحظة تتذكر كلمات والدها عن ذلك اليوم: “عدت من عملي فوجدتكِ أنتِ وأختك بصحبة جدتكما، عِديني يا ابنتي رفقة أن تسيري على درب القدس؛ إنه طريقٌ طويل وشاق لكن الله سيُعيننا ويوفقنا للنصر”.

 

رفقة القواسمة

 

تلك السيدة الشجاعة لا بدّ وأنكم تتذكرونها؛ إنها من امتدت يدها إلى شعر مجندة إسرائيلية لتشده بأقصى قوة حتى تلقنها درساً لا تنساه؛ تبتسم وهي تستحضر في حديثها مع “ميم” ذلك الموقف المهيب: “كنت متواجدة عند باب العمود في وقفة احتجاجية على قرار “ترامب” بشأن القدس، حدثت مواجهة بين مُجندة صهيونية ومواطنين متواجدين هناك؛ وعلى ما يبدو أنها شعرت بالاستفزاز فأرادت إزاحتنا بالقوة، وهذا ليس من حقها فما هي إلا وقفة سلمية على أرضنا من أجل الدفاع عن مدينتنا”.

 

وأكملت رواية الموقف بعنفوان نساء القدس: “كنت حينها أتحدث مع فتاةٍ في سن الثالثة عشرة، وفوجئت بمجندةٍ تتهجم على الطفلة، فهببتُ  للدفاع عنها؛ وقلت للمُجندة: “ابتعدي عن البنت.. من أنتِ حتى تضربيها؟ فما كان منها إلا أن هجمت عليّ؛ عندئذٍ دافعت عن نفسي وشددتُ لها شعرها وهكذا وصلنا إلى درجة الصدام في مشهدٍ تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي”.

 

 

لم ينته الأمر بعد؛ فقد سارع جنود الاحتلال إلى اعتقال ابنها، حاولت رفقة إنقاذه إلا أنهم دفعوها بشدة؛ وبعد احتجازه لبرهةٍ اقتادوه إلى مركز الشرطة؛ وأخبروها بتحدٍّ: “إذا بدك ابنك بتقدري تيجي تاخديه من المخفر”.

تتابع رفقة: “ذهب زوجي وأخي إلى مركز الشرطة ولم يقبلوا بتسليم طفلي “آدم” وأصروا على حضوري؛ حينها أدركت أنهم يريدون تهديدي؛ وحين ذهبت وجّه لي الضابط تهمة بضرب المجندة، كانوا يدخلونني في غرفة ويخرجونني إلى أخرى ليثيروا الذعر بداخلي وينتزعوا مني الاعتراف، إنها المرة الأولى التي أتعرض فيها لمعاملة بهذا التعنت”.

وبنظرةٍ ملؤها الازدراء من الضابط الإسرائيلي وصراخ على هيئة سؤال: “لماذا وقفتٍ بباب العمود.. ماذا كنت تفعلين؟”. ردت عليه بجرأة: “القدس لنا، ومن حقي أن أتواجد في أي وقت أشاء”؛ ثم اتهمها بأنها كانت لديها نية للانضمام إلى المواجهات معهم؛ لكنها نفت ذلك بشكلٍ قطعي؛ وبعد تحقيق استمر ساعة ونصفا قرروا توقيفها، مرت بوقتٍ عصيب على الصعيد النفسي؛ ثم ما لبثت أن نُقلت إلى السجن؛ تصف تلك الأجواء القاسية:

“كنت مُقيدة الأيدي والأرجل، ووُضعت في زنزانة منفردة لفترة محدودة، ثم نُقلت إلى أخرى فيها سجينات مدنيات؛ وبعد ساعات عديدة، اقتحمت قوات الاحتلال الزنزانة التي كنت معتقلة فيها، وأخذوني مع شابة أخرى إلى سيارة نقل السجناء المصفحة التي يطلق عليها (البوسطة)، وهي مغلقة تمامًا، ويشعر الحبيس فيها وكأنه في الثلاجة”.

 

لازالت هذه المرأة حتى اللحظة تتذكر كلمات والدها عن ذلك اليوم: “عدت من عملي فوجدتكِ أنتِ وأختك بصحبة جدتكما، عِديني يا ابنتي رفقة أن تسيري على درب القدس؛ إنه طريقٌ طويل وشاق لكن الله سيُعيننا ويوفقنا للنصر”.

 

وتكمل رفقة سرد معاناتها في تلك الأيام: “أصابنا إعياء شديد طوال فترة سير العربة، وكنا إذا غفونا قليلاً ارتطمت رؤوسنا بالجدار الحديدي، وبعد أن وصلنا وضعوني في زنزانة مساحتها متر مربع، ولا يوجد فيها حمام يليق بإنسان؛ ولا مياه صحية للشرب؛ عاملونا كما الحيوانات أعزكم الله؛ ثم ما لبثوا أن أعادوا نقلنا مجدداً بالـ(بوسطة)، التي كانت معاناتها بحجم تعب الدنيا، إنها قطعة من العذاب لا سيما أنهم يتعمدون السير عبر طرقٍ التفافية حتى تطول مدة الوصول”.

والأدهى والأمرّ أنهم في كل مرة يخضعون المعتقلين للتفتيش العاري، حتى عندما يكونون في (البوسطة) وهم مقيدون؛ حسب قولها.

وتصف السيدة المقدسية ظروف الاعتقال المزرية قائلة: “أمضيتُ يومين آخرين كأنهما عامان كاملان، فالسجن لا يليق ببشر، وفي الغرفة كاميرا ترصد حركة المعتقلين، ناهيك عن تسليط الكشافات الضوئية نحو عيوننا في كل مرةٍ عندما يأتون لعدّنا، أما الطعام فهو في منتهى السوء، لم أتناول من طعامهم إلا قطعة خبز وشربة ماء حتى احتفظ بالقليل من الطاقة؛ أما ثلاجة الماء، فكانت قذرة تطفو عليها الديدان؛ وحين شكوت الأمر للحارس قال بفظاظة: هل تظنين نفسك في فندق.. ما رأيك أن أحضر لك القهوة والشاي أيضًا؟”.

 

 

“ماذا عن يوم المحاكمة يا رفقة؟”.. وكأن صدرها يلتهب عندما قالت: “أيقظونا عند الساعة الرابعة صباحًا، كانوا يطلبون منا أن نسير بسرعة في حين أن أرجلنا مقيدة؛ كنا كلما خفّفنا سرعتنا يدفعوننا دفعًا، كان من المفترض أن يكون الموعد الساعة الثانية عشر؛ لكنها بدأت عند الثالثة عصرًا، وصدر القرار بانتهاء اعتقالي مقابل دفع غرامة مالية؛ وحتى الرمق الأخير استمر استفزازهم لنا طوال الطريق، علهم يجدون أي ذريعة لإعادتنا إلى السجن؛ قاموا بشتمنا وضربنا، إلى درجة أن الشابة التي برفقتي بكت قهرًا؛ ثم أعادونا إلى السجن مرة أخرى كي يرونا مزيدا من الإهانة، وفي صباح اليوم التالي أفرجوا عني”.

رحلةٌ من الألم استمرت مع رفقة ستة أيام ذاقت فيها الأمرّين؛ تبتسم في نهاية الحديث وتقول جملتها الأخيرة: “يأبى المحتل إلا أن يُذلنا ولكننا نساء ورجال صامدون ثابتون على هذه الأرض المباركة بإذن الله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.