مدونات

ندرة المفكرات في العالم العربي .. العقل ذكر والعاطفة أنثى

 

لعل المتأمل في الفكر العربي يلاحظ أنّ الهيمنة الذكورية قد طغت بشدّة على المشهد الفكري والثقافي، مئات من أسماء المفكرين الرجال مقابل عشرات قليلة من أسماء المفكرات العربيات، عشرات لا يمكن الحديث عنهن إلا في إطار الشخصيات التعويضية، فوجودهن وجود رمزي يحاول أن ينصف المرأة في سياق منفصل عن واقعها الراهن.

ترى هل أنّ المرأة مازالت تحمل إرث الماضي من ثقافة أبوية تسلطية  منعتها من المشاركة في بناء مشهد ثقافي وفكري على أساس المساواة، ليختصر تواجدها في أطر كلاسيكية بعيدة عن العقل والعقلانية؟ أم أنّ المرأة العربية مازالت ترمز إلى العجز عن الفهم والإدراك، لذلك لم تتقدم خطوات كثيرة في عقلنة المشهد الفكري العربي؟

نحن نتحدث عن عقلنة الفكر العربي الذي يستوجب أساسا الخروج من عباءة البطرياركية التي أنتجت بنية ثقافية منشطرة تعمل لصالح الذكر على حساب الأنثى، فالعقلنة تستوجب الخروج من عباءات الماضي الذي استعبد المرأة لعصور طويلة ولم يجعلها سوى وعاء جنسي.

 

لماذا لم تنجح المرأة العربية في رسم ملامح المساواة في المشهد الفكري وماهي المعوقات التي تواجهها؟ 

 

قبل الحديث عن الأطروحات الفكرية والبحث العلمي، علينا أن نعي جيّدا أننا أمام مجتمع عربي تنخره الأمية خاصة في صفوف نسائه اللاتي يعانين من المنع من التعليم بسبب بعض الأفكار المحافظة المتخلفة أو الظروف الاجتماعية القاسية التي ترمي بهن في أحضان العمل الهش “الدعارة والمعينات المنزليات”، دون أن ننسى أننا أمام مجتمع لا يقرأ، إضافة إلى مناهج تعليمية ضحلة ومتخلفة تقتل روح الإبداع.

كما يعاني مجتمعنا العربي من التمييز الجنسي الذي يطال المرأة داخل المؤسسة التعليمية نفسها بمختلف مستوياتها، كل هذه أسباب جعلت من مساهمة المرأة العربية في الانتاج الفكري نادرة داخل إنتاج فكري وابداعي شبه منعدم حتى من الرجال أنفسهم، هذا بالمقارنة مع المشهد الغربي الذي ينتج في سنة ما ينتجه العالم العربي في سنوات.

وبالعودة إلى الانتاج الفكري للمرأة العربية، نجد أنّ أغلبه انحصر في منطق ردّ الفعل على الاضطهاد الذكوري المسلط ضدّها، لنجد أنفسنا أمام حركة نسوية متقوقعة على ذاتها غير قادرة على اختراق العقلية المحافظة المشبعة بالتفرقة الجنسية، مما جعل الجمهور المستهدف من هذه الكتابات شبه منعدم، وبقيت هذه الانتاجات تحوم داخل دائرة فكرية ضيقة دون أن ننسى أزمة انفصال جلّ المفكرين حتى الذكور منهم عن مجتمعاتهم في العالم العربي.

إن طرح موضوع ندرة المفكرات العربيات سيساهم بشكل مباشر في فهم الواقع العربي الذي يواجه تحديات كبرى، فهو مازال إلى اليوم لم يتطور كالواقع الغربي الذي ساهم في تحرير المرأة فكريا ليصبح المشهد الثقافي والفكري الغربي لا يقترن بوجود الذكر فقط، من خلال مقاربة بين المشهدين، لماذا تحرر المشهد الفكري الغربي فيما مازال نظيره العربي رهين ثقافته الحاضنة “الثقافة الذكورية” في مفارقة غريبة وهي أنّ المفكرين العرب ضدّ هذه الرؤى التي تستنقص من قيمة المرأة، بل أهمّ دعاة تحريرها كانوا من الرجال قاسم أمين في مصر والطاهر حدّاد في تونس.

لا يمكننا التنصل من تاريخنا في اضطهاد المرأة ثقافيا، ورغم بوادر تحرير المرأة العربية من ربق الاستغلال والاضطهاد، إلا أنها لم تحقق فعلا مكانتها الحقيقية، إذ مازالت إلى اليوم تعاني من الميز الجنسي تغذيه في هذا البنى الثقافية، التي رغم محاولات زعزعتها فإنّها كانت مجرّد نقرات على السطح لم تصل إلى العمق، أو ضربات عدائية تنكرت للمجتمع فتنكر لها ولفظها.

 

لماذا تعيش المرأة هذه الوضعية اليوم رغم أنّ عشرات المحاولات بينت أنّ العقل الأنثوي لا يشكو من نقص أو خلل على عكس ما تروجه البنى الثقافية؟ هل مشكلتنا اليوم مع المرأة تتحدد بالمشرّع أو بالبنى الفوقية التي تشكل أوّل معوقات تحريرها؟

 

هل ندرة المفكرات العربيات راجع بالأساس إلى الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية؟ وهي عوامل ساهمت بدرجة مهمة في تحرير المشهد الثقافي من سطوة الذكور، أم أنّ المرأة العربية فعلا عاجزة على تبوّؤ مكانة هامة في المشهد الفكري والثقافي العربي؟ ماهي أهمّ أسباب ندرة المفكرات في العالم العربي والإسلامي؟

يبدو أن الحديث عن الأسباب متصل بالواقع الاجتماعي، الثقافي والسياسي، إنّ إعادة الحفر في الذهنية العربية والإسلامية فيما يخص ما سمّي طويلا بقضية المرأة هو إعادة طرح السؤال الأهم، هل إنتصر الثقافي على الديني في حسم مكانة المرأة في المجتمع؟ سؤال لم ينجح الكثيرون في الإجابة عنه، بل انطلقوا من تشويه الديني وتقديس الثقافي في عدّة مجتمعات عربية وإسلامية، فيما بقيت المرأة رهينة الفعل الذكوري.

كما لا يجب أن نتناسى أن أحد أهم العوائق في مسيرة تحرير العقل الأنثوي من العقلية الذكورية هو شعور المرأة بالاضطهاد، الذي ولد فيها شعورا عميقا بالعداء تجاه الذكر، وهو ما عرقل انتاجها الفكري، إذ بقيت حبيسة المعركة الجنسية “ذكر/ أنثى”، ولم تخرج منها نحو آفاق أرحب، مما جعل إنتاجاتها الفكرية محدودة مقابل نشاطاتها المدنية في الإعلام والمجتمع المدني. يمكننا الإشارة هنا أنّ المرأة في العالم العربي والإسلامي قد نجحت في إنتاج خطاب يدين ممارسات المجتمعات الذكورية، ولكنّها لم تنجح في تفكيكها وفهمها.

ساهمت بعض الدول العربية في تخلف المرأة العربية، إذ لا يخفى على أحد بعض القوانين الجائرة ضدّها، وبالنظر إلى عدّة نظائر من مجلة الأحوال الشخصية، سنجد أن المشرع العربي ساهم بدرجة أو بأخرى في تأبيد وضعيتها وإرتهانها إلى سلطة الذكر الحامي – الأب أو الزوج -.

ورغم أن بعض قوانين الدول العربية قد عملت لصالح المرأة، ولكن بالرجوع إلى الواقع سنجد تفاوت المشرّع العربي مع واقعه، فنحن إما أمام مشرع عمل على إنصاف المرأة قانونيا مقابل هضمها اجتماعيا، أو مشرع عربي عمل على هضم حقوق المرأة في الواقع والتشريعات، وهو ما أثر في نسب الأمية في صفوف النساء العربيات، وبالتالي عرقلة النمو الفكري في صفوف المرأة العربية، لذلك نجد أن المفكرات بعالمنا قليلات مقابل أسماء كثيرة في العالم الغربي.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.