مجتمع

غياب الرقابة على الأجور يكرس معاناة معلمات رياض الأطفال في غزة

مجتمع

اسماعيل محمد- غزة- مجلة ميم 

مع إشراقه كل صباح، تستقبل طلابها بابتسامة رقيقة وحضن دافئ، تتراقص على شفتيها كلمات الحب النابع من قلب حنون، تداعب أصابعها وجنات الأطفال وهي تغني لهم أعذب الألحان، في حصتها تضاحكهم وتُدللهم، وتعلمهم بالألعاب والعرائس والألوان والمعجون، تحضر لهم طعامهم وشرابهم وتشرف على إكمالهم وجباتهم حتى آخر لقمة, ولكن لا يخفى على أحد إذا ما سألته عن مسيرة العمل الشاقة والمنهكة لمعلمات رياض الأطفال في غزة, والمحرومات من الحد الأدنى للأجور, الذي لا يلبي متطلبات حياتهن ولا حتى المواصلات للذهاب للعمل. إذ تتقاضى معلمة رياض الأطفال مبالغ ضئيلة كحد أدنى (65 دولار)، وحد أقصى (100 دولار), ما يعتبر أمرا في غاية الاستغلال في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

رسالة عظيمة وأجور زهيدة، هذا المعنى الحقيقي الذي ينطبق على هذه الفئة المهشمة، على الرغم من أن مستقبل الطفل منذ نعومة أظافره وبداية مسيرته الدراسية يحتاج إلى ضمير حي من قبل معلمات رياض الأطفال, لما في هذه المرحلة من تأسيس لحياة دراسية سليمة للأطفال, فهذه الظاهرة السيئة وضياع حقوقهن يجعل من بعضهن بلا ضمير في تأدية الرسالة, فالحصول على فرصة عمل في قطاع غزة بات أمرا صعبا ويحتاج لجهد، إذ ان الظروف الاقتصادية التي تعصف بالقطاع منذ سنوات, جعلت من تفاصيل الحياة مأساة انعكست على شرائح المجتمع. الخريج الجامعي وخلال سنوات دراسته التي أنهكت أيامه من دراسة متواصلة على مدار سنوات, يحلم بأن ينال حظاً في الحصول على عمل ولو بأقل القليل كي تتحرك عجلة حياته ومستقبله.

مجلة “ميم” تمكنت من الدخول إلى إحدى مؤسسات رياض الأطفال والحديث بشكل واسع مع إحدى المعلمات اللاتي يعملن تحت وطأة الظلم وغياب الرقابة والحقوق الرسمية, في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب الخريجات مقابل غياب فرص العمل.

داخل روضة “فرح”، تطرقنا  في حديث مع المعلمة “نعمة الفيراني” إلى إبراز معاناة هذه المعلمة التي تبلغ من العمر 31 عاماً، حول مسيرة عمل متنقلة بين عدة أماكن, استغرقت 5 سنوات بحثاً عن راتب وظروف أفضل.

تقول “نعمة” التي تخرجت من قسم التربية الإسلامية في جامعة الأقصى: “أعمل معلمة رياض أطفال منذ سنوات متنقلة من مكان لآخر، وعن طبيعة الأجور فهي لا تختلف، نفس المعاناة”، فنعمة تخرجت قبل 9 سنوات وانتظرت لأكثر من عامين فرصة عمل لها في إحدى المدارس الحكومية الرسمية, لكن انتظارها لم يجد نفعاً.

 

 

تعيش المعلمة الفيراني في ظروف عائلية صعبة وقاسية, لديها ستة من الإخوة وأربع من الأخوات، توفيت والدتها ووالدها يعاني ظروفا صحية أنهكت جسده ولا معيل لهما, تطرقت نعمة للعمل في أول رحلة لها في مسيرة رياض الأطفال التي لم تعلم أن سنوات الدراسة الأربع والجهد الذي بذلته في التفوق بتخصصها سيلقي بها نهاية المطاف للعمل في هذه الأماكن, ليس بالمسمى ولكن للمعرفة العامة بالتدني الواضح للأجور.

بدأت عملها في ظروف صعبة، تقول نعمة: “أتوجه للعمل في كل صباح من الساعة الثامنة صباحاً حتى الواحدة والنصف ظهراً, أتقاضى راتبا لا يزيد عن 60 دولاراً، و الراتب لا يكفي لتلبية احتياجاتي الشخصية أو العائلية”، حيث بررت ذلك بأن نصف الراتب يذهب لمصاريف المواصلات, نظراً لبعد البيت عن العمل, فالمؤسسة لا توفر وسيلة مواصلات كباقي بعض الرياض.

حاولت نعمة بعد مشقة عام كامل أن تطلب من مديرة عملها زيادة في أجرها شارحة ظروف بيتها وعائلتها ومرض والدها, فرفضت المديرة وبررت طلبها متحججة بأن أهالي الطلاب يماطلون في دفع المستحقات المالية, وهناك عدة أجور تلتزم المؤسسة بدفعها, متمثلةً إجار المؤسسة وأجرة باص نقل الطلاب, ما دفع نعمة للبحث والتواصل مع عدة مؤسسات رياض أطفال تمكنها من أجرة مناسبة, إلى أن التحقت بمؤسسة أخرى. وخلال سؤالنا عن تحسن طرأ على الأجر، تقول: “لم يتحسن كثيراً بما كنت أطمح، حيث أنني أتقاضى راتبا يقدر بـ 90 دولارا، أفضل مما كنت به سابقاً (60 دولارا).

وتابعت نعمة: “أحاول جاهدة للوصول إلى أماكن أفضل، وذلك لأنني كسبت خبرة في مجال عملي”, مضيفة أن “هناك مؤسسات رياض أطفال كثيرة بحاجة لمن معها خبرات, فأحاول دائما للوصول لواقع أفضل”.

 

حاولنا الخوض أكثر في إبراز تلك المعاناة، فالتقينا بالمعلمة “هديل خميس” (26 عاما)، وهي أيضاً لم يمر على بداية مسيرة عملها عام واحد, تقول بكل حرقة: “العمل في مؤسسات رياض الأطفال صعب ومنهك للغاية, لأننا نتعامل مع أطفال صغار, توصيل الرسالة لهم ليس بالأمر السهل علاوة على البكاء والصراخ المستمر.

بينت هديل في حديثها أن جميع مربيات رياض الأطفال, ورغم تساوي معاناتهن يقدمن جهداً ورسالة عظيمة لا أحد يقدرها, لم يختلف كثيراً  حالها عن سابقتها، إذ تقول: “معلمات رياض الأطفال يقدمن من صحتهن لتعليم الأطفال رغم التعب والإرهاق الذي لا يخفى على أحد, باعتبار أن الأطفال في مرحلة بداية الدراسة يحتاجون لجهد وأساليب عديدة لتوصيل المعلومات لهم, دون مراعاة لحقهن في الأجور”.

وتابعت أن الموظفة الجديدة في أي مؤسسة من مؤسسات رياض الأطفال “تخضع لراتب إجباري كبداية تقييم لوضعها وإبراز جهدها, ثم يبدأ الراتب بالصعود قليلاً، ليس بقدر كبير وإنما أشياء رمزية”, وعن حياتها في تعليم الأطفال تقول هديل أنها مضطرة للعمل كي توفر مصروفها الشخصي ولا تمد يدها لأحد, فالظروف الصعبة في قطاع غزة جعلت أعدادا كبيرة من الفتيات خاصة الخريجات الجامعيات, يعملنا في مجالات على غير تخصصاتهن, تلبية لاحتياجاتهن كحال هديل التي بدأت في طريق تعليم الأطفال بعد أن كانت غير قادرة على تكملة مسيرتها الجامعية نظراً لتدني الوضع الاقتصادي، حيث أن هذه الطريق هي الوحيدة المتوفرة للفتيات ولو على حساب قوتهن المتدنّي.

اختلفت هديل كثيراً في حديثها عن نعمة، فكان طلبها الوحيد أن تنظر الجهات المسؤولة والمختصة إلى تلك الفئة المهشمة, ووضع رقابة صارمة في ظل انتشار المؤسسات غير المرخصة التي تهدف للربح بالدرجة الأولى, كما أشارت إلى أن “هناك عدداً من المؤسسات لا تهدف إلى إبلاغ الرسالة السليمة وتعليم الأطفال بالشكل الصحيح, حيث أخذت من المناظر الخارجية واللوجستيات وسيلة لإغراء أولياء الأمور بإلحاق أطفالهم، فعلى المختصين والجهات الحكومية متابعة ذلك, ووضع سقف للأجور ومساواة الحقوق لدى المربيات”.

وتبقى مشكلة غياب الرقابة وتدنى أجور معلمات رياض الأطفال مستمرة دون حسيب ولا رقيب، ولكن الاستمرار في التجاهل يجعل من مستقبل الأطفال خطرا داهما وحقيقيا نتيجة تذمر المعلمات من حجم التعب والمشقة المبذول في ظل عدم التقدير والاهتمام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.