مجتمعالرئيسي

في أسواق مدينة تونس: نظام الوقف ينعش ذاكرة الروح التضامنية بين الحرفيين والتجار

 

يتطلع الحرفيون بأسواق مدينة تونس إلى استرجاع نظام الوقف في كل سوق وتكليف “أمناء” لمختلف الصناعات التقليدية، على رأس الحرفيين داخل السوق، يكونون منسقين ومتحدثين باسمهم. وأكد السيد “الأمين”، أمين سوق الذهب بمدينة تونس، الحاجة اليوم إلى “عودة الأوقاف باستعادة العقارات التي تم الاستيلاء عليها بعد أن كانت ملاذ المحتاجين، مشيرا إلى مستشفى عزيزة عثمانة الذي كان ملجأ المستضعفين وتغيرت صبغته ليصبح مؤسسة اقتصادية”.

فقد أدى إلغاء نظام الأوقاف في تونس، في 31 من ماي/آيار 1956، أي بعد الاستقلال مباشرة، إلى تمزيق النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة العتيقة، وهمّش الدور الريادي لجامع الزيتونة كمنارة إسلامية تحيط به الأسواق والمدارس القرآنية ومراكز القرار. وجاء ذلك في أمر يضمّ ستة فصول، تم في إطاره تخصيص لجنة مكلفة بتصفية جمعية الأوقاف، ويعود ذلك، وفق المؤرخ التونسي الشيباني بنبلغيث، صاحب كتاب “بورقيبة والأوقاف”، إلى دوافع معلنة تتمثل في الخلل في الأوقاف العامة الذي تسبب في الضعف والانهيار المالي وإثقال كاهلها بالديون، وهي أسباب يعتبرها لا ترقى إلى أن تكون حجة لاتخاذ قرار الإلغاء. ودوافع غير معلنة وهي صدى مشروع أتاتورك لدى بورقيبة على مستوى المنهج السياسي واتباع العلمانية وموقفهما من الإسلام، رغم أن أتاتورك لم يمس حينها من نظام الأوقاف في حين أطلق بورقيبة حسب المؤرخ “رصاصته على الأوقاف الإسلامية وأنهى وجودها في البلاد”.

وباتخاذ ذلك القرار، استطاع الحبيب بورقيبة، بتنفيذه تحقيق ما عجزت عنه فرنسا مدة 75 سنة من بقائها في تونس، وهو إزالة الدور الريادي لجامع الزيتونة، وفق المؤرخ بنبلغيث.

وهو رأي يوافقه حرفي المصوغ “الصحبي”، في تصريح لمجلة “ميم” بقوله: “بعد الاستقلال حاول بورقيبة القضاء على جامع الزيتونة باعتباره المنارة الإسلامية للمدينة، وسلطة دينية ذات استقلالية”.

داخل أسوار المدينة العتيقة، حيث تتوزع الأسواق يمنة ويسرة في تناغم وتناسق بين دكاكين الحرفيين والباعة، الذين يقدمون ما في وسعهم رغم الظروف الصعبة من أجل النهوض بمدينتهم، تحتفظ جدران الدكاكين بذكريات، عن السوق وأبرز “الزعماء” الذين زاروه، توثقها صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود.

طابع المدينة المفقود

قصدنا دكان “الأمين”، أمين “سوق البِركة”، سوق الذهب بالمدينة العتيقة، المعروف، وأخبرنا زملاؤه أنّه يشهد له بسعة اطلاعه على تاريخ المدينة وعلاقته الوطيدة بكل الحرفيين.

 

 

حدثنا “الأمين” عن انهيار نسيج متكامل ومتجانس للأسواق المعروفة مثل النحاس والغرابلية والبلغاجية.. بسبب غياب رقابة وضوابط تضمن عمل كل سوق وفق اختصاصه، وذلك بسبب إلغاء نظام الأحباس الذي كان “يحافظ على نمط الحياة في السوق”، وفق تعبيره.

وقال الحرفي “الصحبي”، الذي وجدناه جالسا مع الأمين، بحسرة كبيرة، متذمّرا من اضمحلال الحركة التي عاشت في سياقها المدينة العتيقة أمام القرارات السياسية وسيطرة آلة التصنيع على ما تبقى من السوق.. “نجح بورقيبة في مشروعه وباتت المدارس الإسلامية اليوم مغلقة وهي أقرب للخراب”، يضيف الصحبي.

وأشار المتحدث إلى فضاء المرادية المغلق منذ أكثر من 10 سنوات، والخلدونية والباشية التي أضحت اليوم فارغة من زوارها، إضافة إلى استغلال الدور الأثرية من قبل جمعيات كفضاءات ثقافية، يرى أنها ستقضي على طابع المدينة.

وبيّن أن الأحباس أكسبت المدينة العتيقة روحا تضامنية حيث كانت تنفق على التلاميذ والطلبة، الذين يعملون بدورهم في مختلف الحرف. ويتابع الصحبي قائلا: “كان لجامع الزيتونة أوقافه ومدخوله من مختلف مناطق الجمهورية، حيث نجد أحباسا حتى على طائر الحمام الذي يقصد الجامع”.

 

 

وأضاف: “تزامن قرار بورقيبة مع ازدهار الصناعات التقليدية التي كانت محمية قبل دخول التصنيع، أما اليوم ومع التطور الذي شهده العالم وصلنا إلى زاوية مغلقة”.

الأحباس مشروع اقتصادي واجتماعي وليس دينيّا

يرى مختار السلامي، مفتي الديار التونسية الأسبق، في تصريح لمجلة “ميم” أن إلغاء نظام الأوقاف، ولئن عكس توجها إصلاحيا للرئيس السابق الحبيب بورقيبة، بسبب سوء التصرف في هذه المؤسسة، فإنّ قراره لم يكن ذا فائدة، لأنّه لم يتجه نحو إعادة تنظيم الأحباس والعناية بها لتؤدّى دورها الذي أنشئت من أجله”.

الشيخ محمد المختار السلامي مفتي الديار التونسية الأسبق

وقال الشيخ السلامي: “الأحباس تنقسم إلى خاصة، محبّسة على الذرية، وأخرى من أجل المصلحة العامة وكان لها دور اجتماعي واقتصادي هام”، وفق تعبيره.

وتابع” إعادة النظر في المسألة اليوم تقتضي ثقافة مجتمعية لترسيخها”.

ومن جانبه قال الخبر الاقتصادي رضا الشكنداليلـ”ميم”، إن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو الذي ينقص تونس في الفترة الحالية في ظل تضخم العجز وعدم قدرة الدولة على تلبية متطلباتها.

وأضاف أنّ “المجتمع المدني قادر على تلبية نفقات التعليم والصحة وأن الوقف قادر على لعب دور كبير في ذلك”.

رضا الشكندالي

وبين أن الإشكال يكمن بالأساس في حوكمة مؤسسات الأوقاف التي فشلت سابقا بسبب التسميات بالمحاباة لأشخاص لا يملكون تكوين إدارة المؤسسات والمجتمعات، في حين  هناك اليوم خبرات كبيرة في هذا المجال ولا خوف من فشل العملية، حسب رأيه.

وشدد الشكندالي على أنّ التبني الديني أو الحزبي لهذا الملف قد يفشل المشروع، بسبب التجاذبات الإيديولوجية القائمة في تونس، مؤكدا ضرورة تبنيه من قبل وزارة المالية لأنّ الاقتصاد التونسي في حاجة للعديد من مصادر التمويل من بينها الأحباس.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.