ثقافة

وفقا للفيلسوف الألماني، العالم يعود إلى التعددية بعد الهيمنة الأمريكية

ترجمة ميم لحوار صحيفة واشنطن بوست مع الفيلسوف الأمريكي الشهير بيتر سلوتردايك

بيتر سلوتردايك: فيلسوف ألماني شهير مثيرة للجدل، وناقد ثقافي ومقدم  برامج يعرف بخوضه في مفهوم العولمة. ويعد كتاب “الإجهاد والحرية” (Stress and Freedom) من بين أحدث مؤلفاته. وهذا الأسبوع، أجرى سلوتردايك حوارا مع رئيس تحرير قسم “وورلد بوست”  في الواشنطن بوست، ناثان غاردلز.

وورلد بوست: لقد تحدثت عن معضلة العالم الموازي دون تقديم رؤية مشتركة. وفي ظل غياب هذه الرؤية المشتركة، انقسم العالم إلى قبائل مثلما حدث مع انهيار برج بابل، ولكن لكل منهما رواية خاصة به، التي غالبا ما تكون ذات طابع قومي وأهلاني. فما هي جذور عودة هذه العقلية القبلية؟

بيتر سلوتردايك: دعونا نتساءل أولا عما إذا كانت الشائعات عن عودة القبائل لها ما يبررها. صحيح أن الكثير من الحضارات تلجأ إلى روايات مختلفة إلى حد كبير لوصف مكانها في عالم اليوم. وعندما نلاحظ وجود عدد كبير من التقاويم بين المسيحيين الأرثوذكس، وفي الثقافات الإسلامية، في الصين أو إيران، التي تنبثق من التقويم الغريغوري الذي يهيمن في الغرب، نواجه عددا أكبر من الروايات المحلية المختلفة التي تصف الأحداث في تاريخ العالم. ولا يرتبط ذلك بعلم الأساطير؛ فحتى في الروايات التاريخية، يمكن للمرء أن يتوقع درجة معقولة من وجهة نظر راديكالية.

 نتيجة لذلك، من غير الصحيح أن ندعي أن العالم يتفكك لينتج العديد من القبائل، وكأنه كان متحدا في تركيبة شاملة في أي مرحلة سابقة من التاريخ..  وما يحدث في الواقع هو تفكك المعسكر الأمريكي. وقد جعل هذا التصور نصف الوهمي ونصف العملي للواقع، من يوتوبيا الغزو الغربي لجميع أنحاء العالم أمرا يمكن تصوره، إلا أن هذا التصور أثبت منذ ذلك الحين أنه خيالي. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها زعيما للعالم الغربي، تقدم نفسها، على الأقل مؤقتا، على أنها مثيرة للاشمئزاز أكثر من  كونها جذابة، نظرا لأنه من المتوقع أن تواصل أوروبا تبني موقف يتسم بالضعف السياسي النسبي؛ ولأن قدرة الثقافات الإقليمية على الصمود قد عززت المقاومة ضد محاكاة الغرب.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على مناطق النفوذ العربية أو الإيرانية أو التركية، ولكنها يمكن أن توجد بشكل متساو في الصين، وإندونيسيا، وآسيا الوسطى، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. ولقد فتحت الحقبة العالمية، خلال فترة ما بعد الاستعمار، الباب أمام الاستياء المناهض للغرب الذي تجلى في عدة مظاهر.

في الواقع، من الخطأ تلخيص هذه الاتجاهات تحت مفهوم “القبلية الجديدة” التي غالبا ما تثير الازدراء. ويعبر هذا المفهوم عن الحيرة تجاه الكونية العاجزة، أكثر من الرغبة في تحليل واقع التعددية والتعددية القطبية.

علاوة على ذلك، تعد أهمية قصة الكتاب المقدس عن برج بابل أبعد من أن تكون واضحة، على غرار الكتابات المسيحية القياسية، التي يريدون منا أن نصدقها. ولا ينبغي أن يُفهم تدمير تعدد الشعوب وتعددهم اللغوي على أنه مجرد عقاب على الغطرسة، لأنه يمثل اعترافا بالتعددية الأصلية وبتجددها، التي ظلت قائمة حتى تم توحيد جميع الشعوب قسرا في المشروع الإمبراطوري الذي جاء تحت اسم “البرج”، الذي يصل إلى  الجنة”. وبناء على ذلك، يمكن للمرء أن يفسر التاريخ على أنه رفض الله لغطرسة أحادية قطب البابلية، واستمتاعه بالولادة الجديدة للتعدد البدائي لمشكال الشعوب.

وورلد بوست: إذا كانت عودة التعددية لا تعتبر أمرا جديدا في عصرنا الحاضر، فما هو الجديد وغير المألوف في وضعنا؟

 

بيتر سلوتردايك: لا تكمن المشكلة الثقافية الحقيقية في التعددية العرقية مع كل انعكاساتها في الروايات المحلية، على الرغم من أنها توصف بأنها ذات نزعة قومية وأهلانية. وينعكس ذلك بالأحرى في تعميق غياب التناظر باستمرار بين الماضي والمستقبل داخل كل ثقافة.

في هذا الصدد، يمكن للمرء أن يتحدث عن اشتباك وشيك بين الصبغة التقليدية والمستقبلية. وعلى الرغم من أن هذا يحدث في الغالب على هامش المجالات الثقافية، إلا أنه يمكن ملاحظته داخل التيار الرئيسي لكل ثقافة. وسيكون من الإنصاف القول إن الضغط نحو التحديث الذي يترك الماضي الفريد وراءه يمثل مصير اليوم.

لكن، لا تتطور كل المصائر بطريقة متساوية. ومن وجهة نظر التاريخ الكلية، يجب على جميع الثقافات أن تتصدى للحقائق عامة. فمن ناحية أولى، تم الاعتراف بحقيقة الأرض التي تمثل نظاما بيئيا كوكبيا محدودا يجب إدارته من خلال سياسة بيئية عالمية. ومن ناحية أخرى، أصبح إدراك الانتقال من التشبث بقيم الماضي (passéism) إلى المستقبلية (futurism ) أمرا لا مفر منه تقريبا في كل مكان.

وهذا يعني أن العديد من الثقافات يجب أن تفهم أنها حين تتطلع إلى ماض منفصل بشكل أساسي، ستواجه بالضرورة مستقبلا مشتركا في المقام الأول. وهذا يؤدي إلى ظهور “حالة عالمية مشتركة”. وتشمل هذه الحالة صفات كامنة وغير موجودة، ولكنها تتشكل بواسطة بيئتنا المشتركة ما يضع الأرض في الطليعة كموقع مشترك لجميع الثقافات.

في هذا الإطار، يضطر المخزون الثقافي المحلي المروي إلى تنسيق الآفاق الزمنية لجذوره التاريخية بشكل متزايد مع الأفق المتزامن ظاهريا للتاريخ الإنساني المشترك. ومن الأفضل أن يؤدي هذا المجهود إلى وصف التاريخ الإنساني والعالمي من منظورات متعددة.

وورلد بوست: إن الشرط الأساسي في عصر العولمة الذي لاحظته هو “التواصل رغم العزلة”. وهذا يعني أن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين “التواصل” و”العزلة”.  فكيف سيبدو هذا التوازن؟

بيتر سلوتردايك: يجب أن تتضمن الرؤية العامة للأزمنة الحديثة اتجاهات نحو زيادة التفرد في عالم تكثف فيه التواصل الحضاري. وهو ما يمكن أن يسمى، استنادا على وصف الفيلسوف السابق لسقراط، هرقليطس، “التواصل مع التوتر المعاكس”.

بينما يؤكد الأفراد بشكل متزايد على شخصيتهم وعدم قابليتهم للمقارنة مع غيرهم، فإن اعتمادهم على التقسيم الاجتماعي للعمل، والاقتصاد النقدي، والاتصالات في تزايد، فضلا عن تقاسم مصادر المعلومات خارج “الأحياء”. ووصف المهندس المعماري “توم ماين” هذه الظاهرة، مستندا على النظرية المعمارية، على أنها “عزلة يشوبها التواصل المستمر” منذ عدة عقود. ويمكن ربط هذا التعبير الملموس بظروف المعيشة المعاصرة. وتظهر الإحصاءات أن عدد الغربيين الذين يعيشون وحدهم في المدن يتزايد يوما بعد يوم.

كما يشير هذا التزايد في أعداد هؤلاء “المنفردين” إلى أنهم يشعرون بالاندماج الكافي في المجتمع، بل ويشيدون بمزايا أسلوب حياتهم؛ إذ أنه يوفر لهم خاصية التقارب الاختياري من الآخرين، أو أخذ مسافة من الناس والعزلة.

في هذا السياق، نكتشف جانبا واحدا من ظاهرة القبلية، التي لا تلعب سوى جزء ثانوي في النقد التقليدي للحالة الإنسانية الحديثة. ويذكرنا علماء الأنثروبولوجيا التاريخية بأن الإنسان العاقل تطور في البداية داخل مجموعات صغيرة كان يشار إليها أحيانا إلى أنها قطعان، أو بشكل انتقائي قبائل أو عشائر. ويبدو أن البشر قد صمموا من البداية للعيش في مجموعات صغيرة قبل أن يعاد تلقينهم التعايش مع أشخاص آخرين وتكوين مجتمعات أكبر، ولكن هذا لم يحصل إلا بعد ظهور عصر الشعوب الأولى والممالك.

وقد حصل هذا التغيير إلى حد كبير بسبب الثقافات المكتوبة والنظم التعليمية للحضارات الأكثر تقدما. ففي أواخر العصر اليوناني القديم، وجد أول مفهوم مفصل عن المدينة، وهي المحاولة الأكثر جرأة لإعلاء شأن المدن الكبرى.

إن سكان هذا الخلق الخيالي السردي عن المدينة يدعون أنفسهم سكان المدينة. وتستند فكرة المدينة في الكون على تجارب التجار والبحارة والضباط والمثقفين الذين نشروا هذه الفلسفة. وكان اهتمامهم المشترك يتمحور حول وضع نظرية تستند إلى قدرة الإنسان على العيش في أي مكان وفي كل مكان. كما رأوا أن الإنسانية هي فن القدرة على تكوين صداقات في الخارج، والشعور بالألفة في كل الأمكنة، أي إتقان العيش في المنفى في كل مكان.

من هذا المنظور، تشكلت “النزعة الإنسانية” على يد قبائل من الأشخاص الذين عملوا في الخارج. وهذا يعني أيضا أن العالم مليء بالأصدقاء الذين لم نتعرف عليهم بعد. وقد أسست الإنسانية في العصور القديمة إلى أن الأشخاص الذين انفصلوا عن بيئتهم الطبيعية يميلون إلى إعادة بناء بديل لبيئتهم الصغيرة، ما لم يختاروا اتباع أسلوب حياة الزهد في صحبة الآخرين، وهو ما يعد اعتناقا لحياة غير اجتماعية بتاتا.

وبذلك، أصبح من الواضح أن أنماط الحياة الفردية في الوقت الحاضر يجب أن تقترن بدرجة عالية من التواصل من خلال الاتصالات السلكية واللاسلكية، وإلا سيكون من المستحيل تفسير النجاح الساحق لتكنولوجيا الاتصالات الهاتفية الموسعة، فضلا عن الكتلة المتدفقة من وسائل الإعلام الاجتماعية.

في الحقيقة، إن التشخيص الذي قام به ديفيد ريزمان حول “الحشد المعزول” يصف الجانب الأصغر من الحقيقة فقط. فقد تبين أن جزءا كبيرا من طاقات الأفراد، الذين يعيشون في ظروف تواصلية رغم العزلة، تستخدم لتكوين “قبائل” غير رسمية تتألف من أصدقاء أو معارف أو أعضاء داخل الجمعيات المحلية عن طريق وسائل التواصل، وعبر البريد، أو غيرها من وسائل الاتصالات. وتمكن هذه العملية أولئك الذين يعيشون بمفردهم في الفضاءات الخاصة بهم، من الهروب من مفهوم العزلة السلبي وتقاسم الوقت المشترك مع أقرانهم من خلال شبكات تواصل.

وفي غياب مثل هذه القبائل “العشائرية” التي تنشأ بشكل تلقائي، غالبا ما تتطور جملة من الإشكاليات الاجتماعية والسياسية، حيث يتم جذب الأفراد المشوشين وغير المتجذرين في المجموعة من قبل الحركات الجماهيرية التي تعدهم بمكان قادر على استيعابهم  لينتموا إليه. وقد كشفت التحليلات الكلاسيكية لظاهرة “الشمولية” أن الأشخاص المعزولين يكونون أكثر عرضة لخطر الاستقطاب من قبل البرامج الشمولية والقادة الاستبداديين.

وحيثما تُفقد الشبكات الوسيطة للتواصل المجتمعي، التي يمكن تسميتها بهذه الشبكات بالمجموعات شبه القبلية العفوية، يزيد خطر تعاطف الأفراد المعزولين مع الأيديولوجيات القومية شبه الزائفة، ومع الطوائف التي تمتلك قوة جذب ملحوظة.

وورلد بوست: دعونا نلقي نظرة على الظاهرة الألمانية؛ فللمرة الأولى منذ الحقبة النازية، دخل حزب وطني، وهو حزب “البديل من أجل  ألمانيا”، إلىالبوندستاغ. فماذا يكمن وراء هذا التطور الذي تشهده ألمانيا؟ إلى ماذا سيؤدي ذلك؟ ماذا يعني هذا التطور بالنسبة للهوية الألمانية؟

بيتر سلوتردايك: إن الملاحظات التي قدمتها للتو حول ظاهرة “التواصل رغم العزلة”، وعلى الرغم من أنه ينبغي أخذ الفكرة ببعض التحفظ، يمكن تطبيقها على الظواهر القومية الجديدة التي تطورت في ألمانيا منذ سنة 2010 تقريبا، وأدت إلى خلق حزب “البديل من أجل ألمانيا” سنة 2013.

 ويكشف اسم هذا الحزب الجديد كيف أن الدافع وراء تأسيس الحزب “البديل”، الذي أطلق سنة 1977 من قبل رجل البيئة الراديكالي أصيل شرق ألمانيا، رودولف باهرو، في إطار نقد “الاشتراكية الحقيقية”، تم حظره من قبل اليمين السياسي وتحويله عن معناه الأصلي. وتبين هذه المناورة السياسية كيف غير “المنشقون” المعسكرات وأصبحوا جزءا من التيار الشعبي اليميني.

 وإلى جانب الحزب اليساري الكلاسيكي، أي “الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني”، الذي أصبح منذ فترة طويلة حزبا وسطيا، كان حزب “البديل من أجل ألمانيا” الحزب الوحيد ضمن المجموعات السياسية الكبرى في البرلمان، الذي يتضمن اسمه كلمة ألمانيا.

إن التطبيع الحاصل للحزب باعتباره عضوا في البرلمان الألماني يقودنا إلى أن نتوقع أن يفقد قريبا الكثير من جاذبيته، ولا سيما باعتباره صمام الهروب بالنسبة للمحتجين. ومع ذلك، يمكن القول إنه قد طبع بالفعل بصمته على المناخ السياسي عن طريق زيادة حيز التعبيرات الهوجاء والوحشية التي تم التغاضي عن توجيه العقاب لها. وتشكل هذه التعبيرات، ومن نواح كثيرة، نظيرا سياسيا مؤسسا لخطاب الكراهية المطلق على مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد أثبت ظهور حزب “البديل من أجل ألمانيا” أن هيمنة الكتلة اليسارية الليبرالية قد تضاءلت على ما يبدو في ألمانيا. وفي هذا السياق، فإن حالة المثقفين الألمان تشبه حالة الديمقراطيين في الولايات المتحدة، الذين فشلوا حتى الآن في استعادة توازنهم بعد فوز الرئيس دونالد ترامب، ذلك أنهم لم يستطيعوا استيعاب طريقته الغريبة في الحكم.

وفي حين أنه من الجلي أننا نشهد تحولا جارفا في المشهد المجتمعي الأمريكي، الذي تحول إلى “مجتمع يسوده التهريج السياسي”، يجب أن نتوقع مسيرة طويلة نحو الرداءة في ألمانيا، وكذلك في بقية بلدان غرب وجنوب أوروبا. فقد انضم حزام أوروبا الشرقية، من بولندا إلى المجر، إلى الديمقراطية الليبرالية حتى إشعار آخر. ولكن يلمع استثناء واحد في الأفق، وهو الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون الذي يعطينا الأمل في أن تحتفظ نجمة الحرية ببعض السطوع في هذا العالم القديم.

ترجمة مجلة ميم لحوار نشر في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.