مجتمع

مَلَك سليمان .. طفلةٌ تُزهِر في زنازين الاحتلال

بابتسامة ونظرة لامبالاة تغيظ السّجان وتُطبّب جرح "فاتنتِها"

 

حنان محمد- القدس- مجلة ميم   

ارتدَت مريول مدرستِها الثانوية المُخطّط باللّون الزّهريّ والرّماديّ، ووقفت أمام المرآة تلفّ رأسها بحجابٍ زهريٍ أنيق، ثم اقتربت أكثر ومدَّت بصَرها للمرآةِ بعمقٍ لبضع ثوانٍ، بعد أن وضعت آخر دبُّوسٍ في حجابِها وابتسمت، لتبدو كزهرةِ أقحوانٍ متألّقة في صباحات نوفمبر، أو نغمةِ جيتارٍ فَرَّت من نوتة موسيقية.

“أسرعي يا ملك فباص المدرسةِ أوشك أن يصل وأنتِ ما تزالين أمام المرآة يا حُلوة”.. نادتها والدتُها المنشغلةُ في تجهيز بعض أغراض “المقلوبة” للغداء، الوجبة الأشهى لملك.

أمسكت حقيبة كتبها على الفور وألقت بها على كتفِها وانطلقت للمطبخ تُقبّل وجنتي ويد أمّها فاتنة سليمان (37 عاماً) ثم انحنَت أمام أخيها الصغير عُدي وأعطته هاتفها النَّقّال ليلهو به على غير عادتِها.

انطلقت لغير وجهتِها المعتادة.. فهي لم تذهب للمدرسة في ذلك اليوم، لقد انطلقَت لباب العامود، حيث ينتشر جنود الاحتلال، ومن هناك أُعلِن خبر اعتقالها بتهمة حيازة سكّين ومحاولة طعن، ليصيب الخبرُ قلب أمّها وعائلتها كسهمٍ قاتل.

ملك سليمان (18 عاماً) مقدسيَّةٌ من قرية بيت صفافا، تتنفَّس الأمل من صوت الأذان الصادح من المسجد الأقصى، تأثّرت كثيراً بما حلّ بالأسيرة شروق دويات وهي أخت مُعلّمتها، تستذكر والدتُها الحكايةَ التي وقعت قبل عامين وترويها لـ”ميم”: “كانت ملك تداوم في مدرستِها بشكل طبيعيّ حين عرفت بخبر “محاولة إعدام” شروق على يد مستوطن إسرائيلي بإطلاق الرصاص عليها وتركها تنزف ما يقارب العشرين دقيقة؛ بعد محاولة نزع حجابها، ثم زعم جنود الاحتلال بأنها حاولت طعن مستوطن، في حين أنها كانت تقول “أنا لم أفعل شيئاً، هو من اعتدى عليّ”، بكت بكاءً شديداً وكأنها تبكي أقرب الناس لها، في حين أنها لم تكن تعرفها”، وتضيف فاتنة سليمان: “حين عادت للبيت احتضنتُها بشدّة وطلبت منها الدعاء لشروق أن يلطف بها اللهُ، ورجوتُها أن تهدأ، ومن بعد ذلك لم تترك خبراً إلا وتابَعَته عبر وسائل الإعلام وهي بشدة الألم والأسى، لقد تأثّرت بشكل ملحوظ”.

 

ملك لحظة القبض عليها

 

روحٌ وطنية

كانت ملك متّقِدّة الفِكر، تثور في جسدِها الرّوح الوطنيّة كلّما رأت جندياً من جنود الاحتلال يمرّ مرور الكِرام في المدينة المقدّسة وعلى كل حاجز، فتُوجّه ثورتها لقراءة الكتب الوطنيّة والنّهلِ من قصصها، توضح أمّ ملك: “في كل يوم كانت تفاجئني بكتابٍ جديد تأتي به وتقرؤه بنهم، فكنت أفرح لذلك إذ أشعر أنها بدأت تكبر وهي لم تتجاوز عمر الـ”16″ آنذاك، ومن بين الكتب تلك التي تروي حكاية شيخ الشهداء عمر المختار، والشهيد المُقعد أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وغيرهم من القادة الكبار”.

أما في المدرسة، “فلم تتوقف ملك عن المشاركة في الإذاعة المدرسية وإلقاء القصائد الوطنيّة، لقد كان حبّ الوطن ونبذ الاحتلال يسري في عروقِها” تقول الأم وقد مسحت دمعة اشتياقٍ عن عينيها، وتضيف بعد أن استبدلت دمعتها بابتسامة وشّحت ملامحَها وصوتَها الهادئ: “ملك هي بِكري، وأول فرحتي، هي من أهدتني كلمة ماما، هي ليست ابنتي فقط، بل أختي وصديقتي التي أسعد برفقتِها، أستشيرها في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، أخرج معها وأتباهَى بها، أما عن ليالي السهر فما أحلاها بصحبتِها”.

 

فاتنة ام ملك برفقة اصغر اسيرة في سجون الاحتلال

 

كانت الأسيرة الصغيرة ملك ووالدتها تقضيان أجمل الأوقات، وفي كثيرٍ من الأحيان تسهران أمام شاشة التلفاز، خاصة وأنّ والد ملك يعمل ليلاً، تحكي الأم: “تعدّ ملك كوبين من “النِسكافيه” السّاخن بمرح، ثم نجلس متجاورتين ومستندتين على مخدّةٍ واحدة نتناول التّسالي والمكسرات ونحتسي المشروب السّاخن بعد أن ينام إخوتُها اللذِين كانت ترعاهم وتهتمّ بهم كأمٍ صغيرة”.

تبتسم وتصف: “كانت أكثر ما تحب أن أمشط شعرها الطويل بأصابعي وأنا أروي لها قصص أيام زمان وحكايات أمي وجدّتي، أسفي على صغيرتي، لقد خطفوها مني وهي في عزّ صباها”.

إن قمة الحزن أن  يكبر الصغير بعيداً عن ناظر والديه، فكيف إن كان يكبر في سجون احتلالٍ حاقد؟! تتساءل: “لستُ أدري كيف ستحتمل السنوات القادمة وهي تقضي سنوات عمرها – التي يفترض أن تكون أجمل أيام حياتِها – في سجن “هشارون” الإسرائيلي الذي تشكو فيه الأسيرات من أوضاعه المزرية وصعوبة العيش فيه”.

ابتسامة تغيظ المحتل

ملك التي لم تكن تعرف غير الابتسامة والفرح، حافظت على ابتسامتِها حتى في أحلك ظروفِها، ولحظات اعتقالِها ومحاكمتِها، فهي لم تقبل من الاحتلال أن يهنأ بحزنِها أو يشمت لدموعِها كعادتِه، تعلق الأم: “في كل جلسةِ محاكمة كانت تبدو لامبالية بالمحتل والمحاكم، تنظر إليّ بعينين ضاحكتين وابتسامةٍ كبيرة، إنها ملك التي تقوّيني وتدفعني للاستمرار والوقوف والتّحمّل”.

لقد حكمت محكمةُ الاحتلال الإسرائيليّة على ملك القاصر في عمر الـ16 بالسّجن 10 أعوامٍ بعد عدة جلساتٍ اتُهِمت فيها بحيازة سكين ومحاولة قتل. توضح والدتها: “أجلت المحكمة محاكمتها ما يزيد عن 24 مرة، بعد أن أمضت ما يزيد عن السنة موقوفة، وقد تنقلت آنذاك في عدة سجون، لكنها تلقّت الحكم القاسي والمجحف بابتسامةٍ وهي رافعة رأسها”.

فتّون .. مش حلوة!

تقول والدة ملك لـ”ميم”: “في آخر زيارةٍ لها لم أتمالك دمعتي فسقطت أمامها رغماً عني، لأن ذكرى ميلادها للعام الثالث تأتي وهي في السجن دون أن نحتفل بها في البيت، لم تبكِ ملك أو تبدي حزناً، بل قالت لي ببرود ومزاح “فتّون أنتِ مش حلوة وأنتِ تبكي، راح أطلع ونعمل أحلى عيد ميلاد، يلا اضحكي يا ماما، تمنّيت حينها أن أضرب الزجاج الفاصل بيننا وأكسره لأحتضنها وأغرسها في قلبي، لكن الحقد الإسرائيليّ الذي غلف هذا الزجاج أقوى وأغلظ من أن يُكسَر بضربة مني”.

كانت ملك تحب الاحتفال بذكرى ميلادِها كل عام، فتجتمع برفقة صديقات المدرسة ويصنعن الكيك في البيت ويغنين ويرقصن ويقدّمن الهدايا ويقضين أروع الأوقات وفق أمها.

تقول الأم: “أعرف ابنتي جيداً، فقلبها أرقّ من نسيم الصباح، لكنها رغم الألم تبتسم لتوصل لي رسائل أنها بخير وأنها قويّة وقادرة – من جانب –  ومن أجل قهر المحتلّ وإيصال رسالة تقول فيها أن كل الأحكام التي تصدر بحقّ الفلسطينيّ لن تثنيه عن الابتسام والحياة – من جانب آخر -“.

 

ملك خلال المحاكمة

 

رقّة ملك الخفيّة

رغم كل ما سبق، إلا أنّ أحد المواقف كشف حقيقة مشاعر ملك الرقيقة، ففي أول زيارةٍ لأمها بعد إصدار الحكم صار بإمكان أهلِها زيارتها مدة 45 دقيقة، في حين قبل إصدار الحكم تُقطَع الزيارة بعد نصف ساعةٍ مباشرة، تروي الأم: “قضيت مع ملك من خلف الزجاج نصف ساعة ثم قُطِع الاتصال وطُلب مني المغادرة لانتهاء الزيارة، فقد حدث لبسٌ آنذاك من طرف المحتلّ، إذ كان من حقي المكوث معها 45 دقيقة، فخرجتُ والألم يعتصر كلتينا ورحت أودّعها بالإشارات”.

تواصل: “لكن المحتل استدرك الخطأ وتمّت إعادتي لاستكمال الربع ساعة الباقية، وحينها وجدت ملك منهارةً ودموعها تنهمر كالسيل، والأسيرات من حولِها يحاوِلنَ تهدئتها دونما جَدوى.. يا الله كم كان صعباً عليّ أن أراها بتلك الحالة”.

 

تكافل الأسيرات

وتبقى الأسيرات داخل السجون وأهاليهنّ كأسرةٍ واحدةٍ تطمئن كل منها على الأخرى، فحين اعتُقِلت عهد التميمي ووالدتها، ووُضِعت عهد في نفس السجن الذي وُضِعت فيه ملك طلبت منها والدتُها أن ترعاها وتؤازرها في محنتها، فتُطمئنها ملك وتخبرها أنها أعطتها من ملابِسها الدافئة “جاكيتاً وبنطلونين” عند ذهابها لمحكمة الاحتلال في “عوفر” المعروفة بالمكان البارد جداً.

في حين أن هناك تشديدا على إدخال الحاجيات والمستلزمات الضرورية للأسير، توضّح أم ملك: “أخبرتني الأسيرة المحررة ملاك الغليظ أنّ ملك قفزت لشدة فرحتها حين تمكنت من الحصول على كسوة الشتاء التي أرسلتُها لها، إنه لأمرٌ مؤلم”.

 

الأسيرة المحررة إسراء الغليظ

 

وتخبر ملكُ والدتَها أن عهد هادئةٌ جداً وعاقلة وحساسةٌ لأبعد حدّ، وأنها رقيقةٌ على عكس ما ظهرت على شاشات التلفاز، تعلق أم ملك: “هذه هي الفتاة الفلسطينية، رقيقة حنونة بطبيعتها، لكنها لبؤة مع المحتلّ – فوقت الجدّ جدّ -، إنها تُظهر الوجه الآخر للمحتل”.

ملك اليوم ترسم حياةً جديدة داخل سجن الهشارون الإسرائيليّ، لقد بدأت تحفظ القرآن الكريم وفق حديث والدتها، وهي التي لم تكن تقطع فرضاً من الصلاة، إذ كانت دائماً توقظ صديقاتها عبر الهاتف وقت صلاة الفجر، وفي نفس الوقت كانت تهتم بأناقتِها وجمال شكلِها وهيئتها وشخصيتها.

إنهنّ كالبراعم تنمو وتزهر بلا ماءٍ داخل الكهوف، هؤلاء هنّ الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال، لكنهنّ صامدات قادرات على قتل المحتلّ المدجّج بالسلاح بنظرةٍ صلبةٍ وابتسامة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.