مجتمعغير مصنف

من “عَين” أسماء نصار تطلّ غزة بــ”الأبيض”

حوار مجلة ميم مع المصورة الفلسطينية اللامعة أسماء نصار

 

مجلة ميم/ هديل عطا الله 

“إيـــه ياريتها مبروكة إيـــه يا سبع بركات.. إيه يا ما بارك محمد إيـــه على جبل عرفات”..

على وقع هذه “المهاهاة الفلسطينية” الشهيرة تصدح النسوة بالزغاريد في الأعراس التي تنتصب فيها كاميرا المصورة أسماء نصار؛ هذه الفتاة التي لم يكن حضور أفراح عائلتها في الماضي ضمن هواياتها المفضلة أصبحت الآن مرابطة في أفراح المدينة؛ ومع كل عروسٍ أو خريجٍ أو حفل عيد ميلاد لا تمر المناسبة مرور الكرام، بل هناك عشرات الحكايات الغزية التي تتعثر بها لتضحك وتندهش مما تراه.

لا تتجاوز 24 ربيعاً ولكنها في سنواتٍ قليلة صار اسمها لَيرةً من ذهب؛ فقد حباها الله بــ”عين” مختلفة؛ وبتعبيرٍ أدق لقلبها عين؛ قلب قوي دفعها قبل عامين لإنشاء “استديو أسماء” بطاقم من الفتيات؛ ولم يراودها أدنى شك بشأن نجاحها؛ بل إنها متأكدة من أنها ستُقدم يوماً على افتتاح فروعٍ أخرى بغزة وخارجها.

رقم “1” تأسيس الاسم

في حكاية أسماء الدفاقة بالتجدد والشغف، أتعرفون ما هو الغريب؟ أن أمها لم تكن داعمةً لها حين قررت دراسة الصحافة

والإعلام؛ لكنها فيما بعد صارت هي السند الأول في مسيرتها؛ حتى أنها هي من اقترحت على ابنتها تدشين مشروعها مقدمةً لها كل الدعم؛ مراسلة “ميم” التقت بالفتاة الريادية؛ ليبدأ الحديث بعد رشفة من الشاي الساخن: “لم تكن أسرتي مقتنعة بالقرار الذي اتخذته بشأن التخصص الذي يناسبني نظراً للاعتبارات التقليدية التي ترى أن الفتيات لا تناسبهن بيئة الإعلام؛ والمفاجأة التي اكتشفتها عبر تجربتي أنه إذا ما اختار المرء أمراً لم يكن مرضياً لأذواق الآخرين؛ فإنه عند نجاحه سيضحي أولئك المعارضون متكأ له؛ ذلك أن أمي هي نفسها من أهدتني الكاميرا في أكتوبر من عام 2014؛ ومنذ اللحظة الأولى انطلقت أصورّ بها كل ما يعجبني؛ الأطفال والشوارع والمدن؛ وبحلول شهر رمضان أخذت أنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ أطلقت عليه “كزدورة وصورة”؛ تناولت فيه أسواق غزة والقطايف والفلافل؛ وأجواء التراويح في المساجد؛ كنت أنا والصديقات نسير مشياً لكل الأماكن؛ ولحسن الحظ أن المبادرة لاقت تشجيعاً من المتابعين”.

 

 

أول ثانية في الحياة

سألتها: “متى تحديداً وقعتِ في حب التصوير؟”.. فكان جوابها: “طيلة سنواتي الجامعية الأربعة تعلمت وعملت وثابرت؛ تارةً في كتابة المشاريع وتارةً أخرى الإذاعة؛ ومن ثم انتقلت للتصوير؛ كنت أكثر من طبق مقولة أستاذي الإعلامي تامر المسحال (اخرجوا من أسوار الجامعة)؛ لا سيما أن الصحافة تحتاج إلى النزول للميدان أكثر من الاهتمام بالشق النظري؛ لم أكن أفكر كثيراً في “ماذا سأكون؟” لأني أدركت حينها أن هناك مشروع تصوير بانتظاري لأشرع في التنفيذ”.

وتزيد في هذه النقطة: “في سنتي الأخيرة لم أكن لأتردد في قبول طلب أي صديقة ترغب في أن أصور مناسبتها؛ وهكذا بدأ محيطي الشخصي يشيد بأدائي أمام الآخرين؛ ليأخذ عملي في التوسع خصوصا أنني عُرفت بأسلوبي الخارج عن المألوف؛ ونجحت بفضل الله في الخطوة الأولى وهي “تأسيس الإسم” وتشكيل هوية خاصة بي؛ فالمنتج يتحدث عن صاحبه؛ لذا بعد قطع شوط طويل كان افتتاح المشروع ضرورة لا بد منها”.

وتروي نصار الموقف الذي تبلورت فيه فكرة إنشاء استديو: “اقترحت علي صديقة اسمها اسراء أن تستأجر لي استديو في يوم زفافها؛ فقلت لها ما رأيك في أن أضيف جنوني إلى جنونك.. تعالي أصورك في جلسةٍ خارجية حيث الطبيعة الخلابة؛ وكم أحب الناس هذه الفكرة”.

 

 

أما سر تجانس فريقها فهو تألفه من عشر صديقات خريجات؛ توزعن ما بين قسم للتصميم وآخر للمونتاج؛ وثالث للفيديو؛ ورابع “للفوتو”؛ ووفق اختصاصهن وزعت أسماء الأدوار؛ وتعاهدت معهن أن نجاح واحدة يعني نجاح الكل.

وتؤكد على مسألة اختيار الفريق؛ بالقول:”كان يهمني بالدرجة الأولى اختيار فتياتٍ أثق فيهن وبقدراتٍ لا تقل عني؛ أن ترى كلٌ منهن أن هذا مشروعها الخاص وليس “استديو أسماء” فقط؛ لننتج أفضل ما لدينا ونكون معاً في أوقات الضغط والراحة”.

 

“في مدينةٍ لا تخلو من الاستديوهات الشهيرة.. ترى ما الجديد الذي تقدمه ضيفة “ميم”؛ تبدو واثقة من نفسها وهي تقول: “ما يميزنا عن باقي الاستديوهات أن طاقمنا كله بنات؛ لأن مجتمعنا لديه توجس من صور الأفراح، لذا سعينا إلى منح زبائننا طمأنينة تامة؛ كما أن المنتج الذي نحرص على تقديمه ذو طابعٍ مختلف وبلقطات عالية الجودة؛ فيما هناك استديوهات مهما مرت السنوات تبقى البصمة ذاتها؛ يعني مثلاً سيجد الزبون أن منتجنا يختلف ما بين الخطبة و ليلة الحناء و يوم الفرح؛ أحاول أن نطور شهراً بعد آخر لأني لا أريد أن نصل إلى ذروة الاكتفاء؛ ولذلك اتجه للتنوع بعيداً عن التخصص في مجال واحد؛ وقد اتجهت مؤخراً إلى تصوير الأطفال بالرغم من ندرة الاكسسوارات التي اضطر إلى تجهيزها بنفسي”.

 

تميم وأسماء

 

وتتابع أسماء حديثها لـ”ميم”: “كلما شعرنا بالملل نحاول تجربة شيء جديد يعيد لنا الشغف إذا ما خفت؛ أتابع عادة المواقع الأجنبية التي تعتمد على البساطة في الإبهار البصري؛ ولا أرفض أبداً الأفكار المجنونة؛ ذات مرة طلبت مني صديقة تصوير عمليتها القيصرية؛ وقبل دخولي تأكد الطبيب من مدى شجاعتي؛ يا له من شعور ساحر أن تشهدي على استخلاص روح من روح؛ حين فتح الطبيب بطن الأم و أخرج رأس الطفلة فيما جسمها لا يزال بالداخل ومن ثم أعطاني إشارة لالتقاط “أول ثانيةٍ” في الحياة”.

 

في العملية القيصرية

 

مَشَاهد فريدة

نضجت شخصية أسماء كثيراً؛ فقد أضحت قادرة على التعامل مع كل الطبقات والعادات والتقاليد؛ حتى أن لديها من قوة التحمل ما يجعلها تتعاطى مع كافة الأمزجة؛ مع البارد والعصبي والمستفز وغير المتعاون؛ ناهيك عن صبرها الشديد عند المجادلات حول السعر؛ وفق قولها..

لكن ثمة مفاجأة في تجربتها، وهو أنها تعمل في “منظمة الأغذية العالمية”؛ وهنا ترتسم ابتسامة مُتعبة لتقول: “في فترة الصباح أصور المآسي ومن هم تحت خط الفقر وفي المساء أعايش أجواءً على النقيض؛ هذا الشعور بالتناقض يصيبني أحياناً باكتئاب؛ وما بين الفترتين أحاول استعادة توازني”.

 

 

وتستبشر أسماء خيراً كلما جاءتها بناتُ سيدةٍ تُدعى أم يوسف؛ والتي تراها صاحبة العلامة الفارقة في “ليلة الحنة” – وهي الأمسية التي تسبق مراسم الزفاف بيوم وتحتفل فيها العروس وصديقاتها – ؛ قائلةً: “الأمر يتجاوز مهمة التصوير؛ اعترف أن الفضول يثيرني في كل مرة لمعرفة ماذا ستحضّر هذه المرأة التي تبذل جهداً جباراً وأشهراً طويلة استعداداً لأفكارٍ تراثية غير مألوفة دون أن تتجاوز أدق التفاصيل التي تشارك فيها الفتيات والنسوة كبيرات السن؛ ولكل قسمٍ منهن تُخصصّ طقوس بعينها؛ وإذا ما حان وقت الدبكة تزاحم المسرح وارتفعت الأيادي تلوّح بمناديل مربعة ملونة تخيطها بنفسها كما جرت عادة الجدات في فلسطين.. حقيقة من تغيب عن هذه الحفلة تفوّت الكثير”.

ولا تخفي إحساس الفخر كلما أسرّت لها عروس “أنا عاملة فرحي بس عشان تصوريني”؛ معقبةً: “حين تمنحني فتاةٌ ما ثقةً عالية تتعلق بأهم ليلة في حياتها؛ فإنني أسعى أن أكون جديرة بها؛ التصوير بالنسبة لي “ضغطة” من القلب أنثر عبره الحب والنور في كل لقطة؛ إنه ليس مجرد “تكّة زر”؛ بل ينبع من داخلي”.

 

 

“هل تذهلك بعض النماذج التي قد تستغربين منها؟”.. تحتضن كوب الشاي بين يديها وتقابل سؤالي بضحكة: “نعم يحدث ذلك؛ حتى أني ذات مرة شعرتُ أنني لست في غزة؛ فوجئت أن هناك من يكسرون التقليد ولا يقيمون العرس في صالة أفراح؛ لقد كان رائعاً ويفوق الخيال؛ أقاموه في “شاليه” مفتوح؛ ومع أن الشاليه ليس كما ينبغي؛ لكن أم العريس جهزت كل شيء بأعلى درجات الذوق؛ زينة الطاولات والكراسي والكؤوس؛ حتى “الفيونكة” التي على المقاعد هي نفسها على الشموع وخاصرة العروس”.

 

إذاً هنيئاً لأسماء فهي طوال الوقت تمر بتجارب قد تكون من جمال بعضها صادمة؛ ومن بينها هذا: “ذات مرة وأيضاً في شاليه نزلت العروس بــ”ونش”؛ كان هناك اهتمام بالغ بالتفاصيل؛ البرِكة مزينة بالشمع؛ أما “الونش” فهو مزينٌ بــ “تُلّ أبيض”؛ ومربوط ببالونات؛ تمنيت ألا تنتهي هذه الليلة؛ وفي تجربة جديدة وثقنا عقد القرآن في مسجد وكانت العروس ترتدي الثوب الفلسطيني”.

 

 

تستمر أسماء نصار في حديثها لـ”ميم” باستمتاع؛ وهذه المرة تنتقد بعض المشاهد: “ذات مرة دُعيت لفرح اكتظ مسرحه بالصبايا من أول العرس وحتى آخره؛ إلى درجة أنه صعب علي تصوير العروسين وسط هذه الفوضى؛ وفي مرة دخلت أم العريس على أغنية “طلي بالأبيض طلّي”؛ فلم تبق لـ”كنتها” المسكينة شيئاً؛ أما في الأعراس الإسلامية التي لا يدخل فيها العريس؛ فإن البنات المدعوات “يأكلن الجو” ويضيع حق العروس”.

وترى نصار أن الانسجام الواضح بين العروسين ينشر البهجة ويضمن “صورة حلوة”؛ موضحة: “أما لو كان كل منهما من قارة؛ أي أن منسوب التناغم بينهما ضعيف؛ فإن مهارة المصور لن تجدي نفعاً؛ وأحياناً تكون العروس عادية الجمال لكن لديها روحا “نغشة” – كلمة فلسطينية تعني خفيفة الظل – حينها تسير الأمور بشكلٍ مثالي”.

 

 

يجب أن أكبر

لا بد وأنه يتبادر إلى ذهن القارئ كيف لمشروع كهذا أن ينجح في ظل واقع اقتصادي مزرٍ؛ إلا أن أسماء تؤكد أن الناس مستعدون للدفع حين يرتبط الأمر بأهم ليلةٍ في العمر؛ وإن كان موسم الصيف الماضي شهد تراجعاً ملحوظاً في الإقبال؛ أما من يرى أن إقامة مشروع في ظل حصار خانق ضرب من الجنون؛ فترد عليه: “طالما أن لك زبائنك وأناسا يحبون عملك ما المانع أن تدخل بقلبٍ قوي؟ في حالة واحدة فقط يجب ألا تُقدم.. إن كنت لست واثقاً من نجاحك”.

“عجباً لأمر غزة.. كيف تقدر على الفرح بعد كل هذه الحروب؟”.. تُجلي أسماء هذا التعجب من واقع معايشتها للعائلات الفلسطينية؛ بالقول: “مررنا بثلاثة حروب والغريب حقاً أننا بعد كل واحدة ننهض ونتعافى مهما كان الوجع ينخر قلوبنا؛ مرت علي فتاة أخبرتني أن إخوتها الثلاثة استشهدوا؛ وتبّقى أخ واحد سيزوجونه؛ أرادت منا أن نفعل كل ما بوسعنا حتى يفرح والداها؛ أنا مثلاً توفي والدي وأنا في العاشرة من عمري وكنت طفلة أبيها المدللة؛ هذا الوجع الكبير أمدني بالعزيمة والقوة وتحمل المسؤولية؛ كان رحمه الله رجل أعمال؛ وأمي تقول لي أنني أشبهه كثيراً؛ لو تعلمين كم تسعدني كلمتها هذه وتخفف عني”.

 

أسماء التي أصبحت أعمالها محط تقليد من استديوهات مشابهة؛ تعتزم قريباً تقديم برنامج إذاعي يتناول العادات والتقاليد في الأفراح؛ وتطمح إلى افتتاح فروعٍ أخرى؛ وفي هذا تضيف: “ثقتي العالية بنفسي استمدها من رضا الناس عن المنتج الذي نقدمه؛ نتعب كثيراً ونعود إلى بيوتنا في وقت متأخر من المساء؛ ونضحي براحتنا الشخصية؛ لكن حين يأتينا اتصال من زبون يمتنّ فيه لصنيعنا؛ ويؤكد أن ما دفعه قليل عليه فإننا سرعان ما ننسى التعب؛ بل إنه يشعل رغبتي في أني يجب أن أكبر و ألا اقتصر على استديو غزة”.

وتوجه نصيحة إلى من يتوق قلبه للقمة: “دائماً هناك معيقات والفيصل يكمن في مقدار التحمل والتكيف؛ لتكن لديكم قوة لاجتياز العقبات؛ لا تستسلموا سريعاً؛ ولا تنسوا أن لكل مشكلةٍ – مهما استعصت –  حل”.

 

 

“ماذا عن زفافك حين تتزوجين إن شاء الله؟”.. تتورد وجنتاها ثم تستجمع خيالها لتجيب: “لطالما فكرت في عشاءٍ جميل يجمع المقربين وثوب زفافٍ بسيط؛ وليس ذلك غريبا على شخص يحب الهدوء مثلي؛ وحتماً سأتدارس مع الشلة الخيارات التي لم يفعل مثلها أحد من قبل؛ لن يكون في صالة أفراح بل في مكان أنسقه على طريقتي؛ وأتمنى أن أنضم لجلسة تصوير بحجابي لأظهر ولأول مرة ألق العروس المحجبة؛ تماماً كحال الفتيات التركيات”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق