مجتمع

تأنيث الفقر.. نحو أنسنة حقوق المتروكين

مدونات

This post has already been read 28 times!

 

يصعب أن نقارب قضايانا المعرفية دون أن ننظر إلى ما يحل بواقعنا المأزوم من مآسي، إننا جزء من جغرافياتنا، ومهما ادعينا نزوعا نحو التجريد باسم “الكونية” أحيانا وباسم “العلمية” أحيانا أخرى، إلا أنه تأتي الأحداث المفجعة أحيانا لتكشف لنا الوجه الحقيقي لقضايانا المعرفية لتوجه نقاشاتنا وترتب سلم أولوياتنا، وقد يُعترض أن هذه الأحداث قد تكون قضايا استثنائية أو متطرفة أحيانا، لكن  “الأمثلة المتطرفة تصلح دوما لتكون مفتاحا منهجيا لفهم وضعيات أقل تطرفا”.[1]

 

تأنيث الموت: المغرب نموذجا

يروج في الخطاب النسوي مصطلح تأنيث الفقر للدلالة أن معدلات الفقر لدى النساء أعلى منها لدى الرجال لأسباب متعددة،

ويمكن أن نجعل من مخرجات هذا المصطلح “تأنيث الموت” Feminization of death، وهو لاحق ل “تأنيث الفقر”، وسأنطلق من وقائع حدثت من قريب تُجلي  شطرا من المقصود بهذا الإطلاق.

فقد عرف المغرب هذه السنة فاجعتين كبيرتين شغلتا الرأي العام على تفاوت بينهما؛

الأولى: هي “فاجعة الصويرة” أو “فاجعة سيدي بوعلام”، إذ توفيت حوالي 15 امرأة، على الأقل، بالجماعة القروية سيدي بوعلام، التابعة لإقليم الصويرة، يوم 19 نونبر 2017، وذلك في حادث ازدحام وتدافع بين النساء، قُدّر عددهن بحوالي 1500 امرأة، وذلك أثناء توزيع مساعدات غذائية من قبل أحد المحسنين. وقيمة المساعدات لا تتجاوز 15 دولارا، تتضمن بعض المواد الغذائية الأساسية.

والثانية: تتمثل في فاجعة سبتة المحتلة، التي عرفت مصرع سيدتين، صباح الاثنين 15 يناير 2018، وممر باب سبتة يَعْرف دوما اكتظاظا وازدحاما تزهق نتيجته أرواح عديدة، ونسبة النساء هي الأعلى، يؤكذ هذا الأمر فاجعة الاثنين 28 أغسطس/غشت 2017 إذ توفيت ثلاث سيدات كن يعملن في التجارة والتهريب المعيشي بسبب التدافع والازدحام الذي شهده معبر سبتة المحتلة في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين المذكور، وإذا لم تمت المرأة نتيجة الازدحام فإن كرامتها تموت كل يوم تمر فيه بسبب الإذلال المتعمد والحط بكرامة الناس رجالا كانوا أو نساء.

 

صورة لتاجرات سبتة

 

تتجه النقاشات في هذه النوازل إما إلى سبب الأزمة دون جعلها ظاهرة تستحق التحليل والتفكيك بعيدا عن الأجوبة الجاهزة والأسئلة ضيقة الأفق، لذلك كانت الكتابات حول الفاجعة الأولى تتجه إما إلى تقنين نظام المساعدات، أو البحث عن الجاني الأكبر وراء هذه الكارثة، والذي ينتج عنه في أقصى الأحوال الإطاحة بالمسؤولين عن تدبير الحيّز قرية كان أو مدينة، وطبقا لمنهج المقاربة الأمنية فقد تم حصر الأمر على المسؤول على هذه المساعدات دون الخوض المعمق في ظاهرة “التفقير” المتزايد وأثره على اختلال الجسد المجتمعي.

 

كثيرا ما أتمنى أن يقع نقاش عمومي ساخن بحجم نقاشاتنا عن قضية “إرث المرأة” التي تنظم لها عشرات الندوات والمؤتمرات والحلقات لتداول هذا الموضوع، في حين لا نجد مؤتمرات لجمعيات نسائية تعالج سبل محاربة سياسة التفقير الممنهج والذي تؤدي إلى الموت والهلاك كما حصل في الفواجع المذكورة سلفًا.

حقوق المرأة بين المجرد والواقع

هذه الأحداث تجعلنا ننظر في واقع المرأة في دولنا العالمثالثية، وتأمل همومها الحقيقية بعيدا عن الهموم النخبوية التي يروج لها معظم الخطاب النسائي السائد، وهذه الهموم تشترك في كثير منها مع هموم الرجل إذ تختزل في سياسات التفقير والتجهيل التي تؤدي في الحال أو المآل إلى التوحش بدل التأنس، الأمر الذي يسائل الفاعل السياسي عن برنامجه الاقتصادي والاجتماعي الناهض بأحوال المواطنين رجال ونساء، كما يسائل نقاشات مثقفينا التي تؤطر المجال العمومي عن تمثلهم حقيقة هذه الهموم في طروحاتهم ومساءلاتهم وحواراتهم..

لن نجد مثل هذه الفواجع تحصل في المدن الكبرى، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سياسة المركزية التي تنهجها الدول العالمثالثية بشكل متفاوت، نتج عنه حالة التهميش المتعمد التي تطال القرى والبوادي والمدن غير الصناعية، الأمر الذي يضع نمط الحياة القروي في تحدّ صارخ مع نمط حياة مغرق في التمدن.

وكثيرا ما أتمنى أن يقع نقاش عمومي ساخن بحجم نقاشاتنا عن قضية “إرث المرأة” التي تنظم لها عشرات الندوات والمؤتمرات والحلقات لتداول هذا الموضوع، في حين لا نجد مؤتمرات لجمعيات نسائية تعالج سبل محاربة سياسة التفقير الممنهج والذي تؤدي إلى الموت والهلاك كما حصل في الفواجع المذكورة سلفًا.

إن هذه المآسي التي تعرفها مجتمعاتنا مثل جبل الجليد ما يخفي تحته أكثر مما يظهر ويكشف، الأمر الذي يتطلب أن نغوص في أعماق الظاهرة لنبصر أسبابها وجذورها وأبعادها ومآلاتها على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة.

وعليه، فإننا نحتاج أن نعيد النظر في نقاشتنا ومعرفة سلم أولوياتنا، فمن يتحدث عن فئة المهمومين/المتروكين؟  وهل تعرف صالات مؤتمراتنا نقاشات ساخنة لهذا الهمّ الإنساني المشترك في بلداننا العالمثالثية؟

 

إن آفة “الانفصال عن الواقع” تجعلنا نمرر كثيرا من الأحداث التي تعبر عن تأزم مجتمعاتنا وسياساتنا العمومية دون أن نجعلها قضية نقاشية طويلة الأمد، تستحق منا الجلوس لتحليل جذورها وأسبابها وتمثلاتها، وربما هذا أحد أسباب جعل “المؤسسات النسائية والحقوقية” نخبوية بامتياز

تفقير النساء

تعد جيرمين جرير إحدى أهم رموز النسوية في عصرنا، وذكرت في كتابها “المرأة الكاملة” «the Whole Woman » بعض ما أدى إليه التصور النسوي، وهو تصور يستحق أخذه بعين الاعتبار، خشية أن يصير مآلا من مآلات خطابنا الحقوقي.

كانت جرير من أبرز دعاة النسوية بكل أبعادها، وكانت كتاباتها مثيرة للجدل في أوساط الغرب نفسه، وكتبت عن تطور أوضاع المرأة بعد ثلاثة عقود من الثورة الجنسية في الغرب قائلة: إن مستقبل الجنس في الألفية الميلادية الثالثة التي بدأت سيكون هو صناعة الجنس (pornography)، وأن صناعة الجنس والبغاء بمستوياتها المرئية والعملية (والسياحية والإعلامية) .. ليست هذه المرة قهر الرجل للمرأة بجسدها، بل تعبيرا عن هروب الرجل من المرأة وتحمل مسؤوليتها، فالرجل لم يعد يريد علاقة طويلة الأجل شاقة التكاليف والتبعات، وهو ما اتضح منذ الستينات حين تحررت المرأة وتحرر معها الرجل، فهو الآن يريد الجسد والمتعة واللذة دون ما يلي ذلك من أطفال ومسؤولية والتزام، والخاسر هي المرأة.

ومؤشر ذلك في ما يسمى ظاهرة تأنيث الفقر Feminization of  Poverty التي أصبحت ظاهرة اجتماعية معروفة في الغرب، إذ إنه في إطار حرية المرأة وحرية الرجل، يتعايش رجل مع امرأة تنجب منه طفلا أو طفلين عادة دون أن يرتبطا بعقد زواج. وبعد فترة قصيرة أو طويلة يتملك الرجل الملل، وتنشب المعارك بين الطرفين فيقرر الرجل أن يحمل متاعه ويذهب، تاركا الأم المهجورة وحدها، ترعى الطفل أو الطفلين فتزيد أعباؤها النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

ويمكن أن نضيف أنه تم كذلك تأنيث الجهد النفسي والإرهاق البدني، (ولعل هذا من أهم الأسباب السوسيولوجية لزيادة السحاق في المجتمعات الغربية، فهو يحل في نظرها مشكلة ضرورة تفريغ الطاقة الجنسية للأنثى دون أن يدخلها في دوامة العلاقة مع الرجل التي توردها موارد التهلكة والفقر والألم والهجران).[2]

 

المخيال الحقوقي وآفة الإنفصال عن الواقع

إن جوهر إشكالنا هو في مخيال المعنيين بالنقاش الحقوقي في بلداننا، إذ نجد إسقاطات كثيرة لإشكالات أثيرت في سياقات مختلفة، وهذه الإشكالات قد تكون من باب “المشترك”، إلا أن سلم الأولويات مختلف ومتباين بين دول “الشمال” و”الجنوب”- تقسيم على سبيل التجاوز- الأمر الذي يستلزم إعادة تشكيل الخطاب الحقوقي المعاصر وفق منظومة تراعي الواقع “المتقهقر” وتنظُر للآخر “المتقدم” دون أن يكون أفقا أو سقفا للنقاش.

إن آفة “الانفصال عن الواقع” تجعلنا نمرر كثيرا من الأحداث التي تعبر عن تأزم مجتمعاتنا وسياساتنا العمومية دون أن نجعلها قضية نقاشية طويلة الأمد، تستحق منا الجلوس لتحليل جذورها وأسبابها وتمثلاتها، وربما هذا أحد أسباب جعل “المؤسسات النسائية والحقوقية” نخبوية بامتياز، في حين كان الخطاب الحقوقي في بداياته ينتصر للطبقة العاملة.

وقد ازداد الشرخ الطبقي في مجتمعاتنا وازدادت معه هموم الطبقات المستضعفة دون أن يكون الخطاب الحقوقي مراعيا لهذه التوازنات، حتى غدت الطبقة المتروكة لا تكاد تجد لها صوتا، بل إننا نلحظ أنه بقدر ما يزداد الشرخ اتساعا بقدر ما يتجه الخطاب الحقوقي إلى النخبوية الأمر الذي يؤذن بانفجار مجتمعي قريب إذا لم يتم تدارك الأمر، وهذا ما يجعل دور المثقف مركزيا، أكثر من أي وقت مضى، في إبصار هموم مجتمعه الحقيقية، والإرشاد إلى مواطن الاشتعال قبل أن ينشب الحريق في بقية الجسد المجتمعي فيعود عليه بالتوحش والتقهقر والاندحار.

—————-

[1] – في الحل والترحال، ميشيل مافيزيولي، ترجمة: عبد الله زارو، الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، ص163.

[2] Germaine Greer. The Whole Woman . New York : Alfred Knopf, 1999.

ينظر المرأة والدين والأخلاق، هبة رؤوف عزت، دمشق: دار الفكر ، ط1، أكتوبر 2000، ص160-161.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.