مدونات

يسميه شارعنا “صدقة”

 

إنّي أتجوّل بين عالمين، أحدهما ميّت والآخر عاجز أن يولد، وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي

نيلسن مانديلا

هذا ما قاله مانديلا ذات يوم وما أجد عليه نفسي اليوم، إذ لا زاوية من تلك الزوايا الوهمية المعروضة للحياة تطمر قلبا قطنيا يميل عليه الرأس بعض الشيء فيرتاح، حتى هذه الأوراق التي يراها البعض وسيلة تفريغ، ليس فيها إلّا ألمنا وصمتنا وذنوب أوطاننا، وليتها خلّصتنا من تحمّل أخطاء الآخرين.

في هذا الوطن الإفريقي، شعب من الفقراء، لو جمعناهم في أرض لكوّنوا وطنا آخر، وطنا عادلا، حزين النشيد، رثّ العلم، مواطنوه متشابهون لا يكاد يفرّق بينهم الفقر. في هذا الوطن ذنوب كثيرة، أحلام صغيرة تبدو كبيرة من شدّة القهر، جعّدها الظلم وكسر ظهرها العذاب.

في هذا الوطن يتهافت تجّار الإنسان لانتقاء خير ما جادت به الدنانير من البشر ليرفعوا رأسه تارة في المحافل الدولية، حيث لا تدخل الشمس ولا يُرفع بكرامة ذاك الرأس، وتارة أمام السيّاح، حيث لا ركن في البلاد يطبّل معهم ويخفي في الجحور وجه مسكين، لأنّها وحدها وجوه وأجساد وكسوة الفقراء والمساكين من تطابق وجه الوطن “العظيم” وتمثّله، تماما كما تمثّل القطع الأثرية متحفا مكث فيه الماضي فلم يتناساه الحاضر.

في القرن الواحد والعشرين، في قريتنا الكونيّة وفي بلد إفريقي فقير، تنازل أمّ المخاض بروحها وسط ضجيج الرشاش وصيحات الجنود الحمر، ليولد طفل بريئ ليته ما وُلد، تسمّيه “أحمد” ويسمّيه شارعنا “صدقة” بمجرّد الانتقال من عدل الحرب إلى جور السلام، فالحرب تقسّم الموت بعدل حين تغزو أرض المساكين، والسلام يوّزع الجور فيها بانتظام عندما يكون مفهومه نزع السلاح أو خروج مستعمر أجنبي من أرض محتلّة، هناك حالة نعيشها تسمّيها الأمم سلاما بينما هي استعمار بَاسِم يروح ضحيّته المساكين. أولئك المساكين الذين نذرفهم على أوراقنا، نكتبهم بأوجاعنا، نصنع لهم مقعدا في أحلامنا، مركزا في لاوعينا، حيّزا في الجهاز النّفْسيّ يعترف بهم، خيمة في مفكّرات القلب تذكرهم ومع ذلك نهملهم في رحلة البحث عن كرامتنا.

تطلع على “صدقة” كلّ صباح المدرسة، على عكس تلاميذنا هو لا يرتدي مئزرا أزرق ليقابلها، بل يكسوه الحظّ الأزرق في مدرسة مبهمة الدروب كاختبار روشاخ سيكولوجي تدعى الحياة، لكنّه يحمل محفظته في شكل قطعة معدنية دائرية تحوي الطعام، سوى أنّها لدى “صدقة” تحوي قطعا نقدية زهيدة ينادي بها في الشوارع:”صدقة، صدقة”.

كأيّ لاجئ خانته الحدود الجغرافية والآمال الإنسانية، يتسمّر أمامك “صدقة” يركّز النظر في عينيك، كأنّه يتعمّد كسر قلبك بآلامه، أحدّق فيه يوميا، أتحدّث في نفسي قائلة: “صعب أن تؤدّي دور الأنا في بلد يطغى فيه الهو تارة وقانون المجتمع تارة أخرى”. كيف لا والناس من حولي أسرى النفس، إذ لم يعد هناك ما يخيط الأوعية الأخوية التي تقطّعت، ولا من يستجمع أشلاء البشرية التي نزفت، وجلّ الحلول التي نتَحَها عقلي تكاد تكون غريبة في هذا المجتمع الذي يضع الفتاة تحت الضوء ويوما بعد يوم يشعرني بعدم الانتماء. أتحسّر حين أجول في خاطره على أرضنا، أتحسّر حين ألاعب أطفاله على تربيتنا وأخلاقنا، أتحسّر حين أقف على أرصفته على نفسي وكم أتحسّر على العالم.

منذ طرق أبوابنا “صدقة” وشيء من تاريخ فرجينيا وكارولاينا ولويزيانا يلوح في الشوارع، يجوب الأزقّة والأحياء، يتجمّع في الصحاري القاحلة وفي المزارع وفي المحطّات، شيء من فرجينيا يعود، وفرجينيا أخرى تصنع في أوطاننا، أصبحت أعضاء إفريقيا تزحف شمالا هربا إلى الحياة، وأيّ حياة هي تلك التي تأكل الإنسان بالتقسيط؟ لَموت واحد خير من الموت بالإيجار هنا حيث يضطهد طفل لا يفقه شيئا عن العِرق والانتماء والوطن والأمان، ذنبه أنه لاجئ إفريقي في بلد إفريقي، كلّ ما يلزمه هو لقمة لأجلها. يكنّى “صدقة” ولا شيء يشفع له أمام احتقار مواطن بنكهة فرعون مستعبد هو الآخر، مشرّد، مجوّع، متخلّف ولا زال يصرخ في وجهه البريئ ويشتم لونه القاتم. يا لها من إفريقيا لا أحد يرحمها حتى صغارها!

 

تموت إفريقيا عشرات المرات في الموت الواحد يوميّا ولا زالت مفكّرات مانديلا “تحلم بإفريقيا تعيش في سلام مع نفسها”.

 

يفرغ الطفل ذو الخمس سنوات من عمله المضني ولا يفرغ، فلا يزال هنالك تسوّل في محطة الحافلات ذات المسافات الطويلة ليلا. يجلس “صدقة” مساء جوار أمّه الملتحفة برداء الصلاة يرقب الشفق كلوحة من لوحات حي الرسّامين الحزينة التي يختم عليها غروب شمس مونمارتر ببريقه هناك في أعالي باريس دون أن تغادر ضجيج الحيّ إلى بيت دافئ الهدوء ينسيها ما تقلّه من معان كئيبة، فتكتفي بالعودة إلى حيث تكسوها الخيبة، ويرتمي “صدقة” على ساق أمّه كما ترتمي لوحات فيرنيه وبيكاسو على جذع شجرة ترقب الأزقّة الضيّقة، حيث لا شيء من ألوانها الحيّة يغيّر مصير موت الحياة فيها. صورة أشبه بلوحة تجريدية تلك التي يجسدّها طفل فرّوا به من دولة حبيسة يعجز عن حلّ شفراتها من هبّ ودبّ ممّن تبقّى من المارّة، حكاية تتسلسل في عيون “صدقة” فيها ما فيها من واقعية بلزاك وأحزان هيجو ورمزية بودلير، وقد يسخر مرضى النفوس منها فيخيّل لهم أنّ الحياة تعرض لهم فصلا من مسرحيات موليير ليضحكوا على ذلك الرداء الرثّ الذي جادت به بيوت تنفق ممّا لا تحبّ أو على ذلك الخلق الذي صنعه الخالق.

بيسي سميث

على الرصيف العاري، ينام “صدقة” مرهق القلب مع غيره من المساكين الموزّعين ككرات بيلياردو، أتساءل ترى بماذا يحلم؟ أنه صار طفلا عاديا كأطفالنا؟ هل هناك من يحلم أن يكون مثلنا؟ أطفالنا يحلمون أن يكونوا كأطفال اليابان! وعلى الرصيف العاري أتخيّل “بيسي سميث” واقفة ترثيه بأغانيها حيث لا روح تقاوم شجن “البلوز”، أتخيّل كلّ أغاني “الكانتري” المسافرة بين أشجان الريف تحطّ تلك الليلة في قلب المدينة، أتخيّل صدى كلّ خطابات الإنسانية يتردّد في الأرجاء، أتخيّل حكايات نهر الميسيسيبي متسلسلة في أعماق الأحياء.

أغادر المدينة آسفة، أردّد في داخلي: “يا حسرة! الحياة كموسيقى الجاز تبدو كأن لا قوانين فيها، عدا تلك التي تحمي الرؤوس”.

لم يكن ذلك الغناء الإفريقي الصادح في حقول نيو أورلينز خاتمة القهر الإفريقي بالعالم الجديد، فلا زالت إفريقيا تدفع الثمن، لا قطن ألاباما جفّف عرقها ودموعها ولا هي كتابات “تشينوا أشيبي” أوقفت نزيف شعوب حبستها الجغرافيا والسياسة، تموت إفريقيا عشرات المرات في الموت الواحد يوميّا ولا زالت مفكّرات مانديلا “تحلم بإفريقيا تعيش في سلام مع نفسها”.

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق