مجتمعالرئيسيغير مصنف

“صالح الزغاري” مصور مقدسي عاش قصة مختلفة في “هبّة الأسباط”

"كأنك بينهم" فيلمٌ تفرح فيه القدس وتُهللّ

 هديل عطا الله- مجلة ميم

اعتاد صالح على وجود الكاميرا في حياته منذ سنيّ عمره الأولى؛ حين كان صغيراً لم يفارق أباه الذي يعمل في التصوير وإنتاج الأفلام ليتعلم على يديه التقنيات الأساسية لالتقاط الصورة؛ وفي عمر الثالثة عشر اقتنى أول كاميرا؛ كانت أجمل هدية تلقاها من والده؛ كلا لم تكن هدية بل “رفيقة دربٍ” يُخرجها كل يومٍ من حقيبته في طريق العودة من المدرسة؛ مُسابِقاً الريح نحو المسجد الأقصى ليلتقط بها أروع الصور.

 

قبل أيامٍ خرج إلى النور فيلمه المميز “كأنك بينهم” متناولاً “هبّة الأسباط” التي تألقّ فيها نصرُ المقدسيين صيف العام الماضي على الاحتلال الإسرائيلي؛ يحكي الشاب المقدسي صالح الزغاري لــ”ميم” بلهفة تستمد دفقها من مدينته الساحرة: “في 16-7-2017 خرجت من السجن الذي قضيتُ فيه ثمانية أشهر بتهمة أن صوري تحرض على العنف والإرهاب؛ في ذلك اليوم الذي أتذكره جيداً آثرتُ أن أذهب للأقصى بدلاً من التوجه إلى بيتي، تفاجأت أن الأقصى مغلق والجموع ترفضُ الدخول احتجاجاً على البوابات الالكترونيّة، كنت محظوظاً أني شهدت هذا الحدث العظيم من يومه الأول حين وضعوا البوابات؛ لأرابط أربعة عشر يوماً على أبوابه مقتنصاً أهم اللقطات التي كان نتاجها هذا الفيلم؛ إذ انضممتُ للجموع برفقة كاميرتي لتكونوا كأنكم بيننا في أيّامٍ خلّدها التاريخ وسيرويها للأجيال”.

 

 

الزوايا الميتة

سنوات مليئة بالعنفوان يستذكرها صالح بطاقة حب مدهشة: “بالرجوع إلى بداية الحكاية؛ في كل يوم كنت أعود من المدرسة ألقي حقيبتي جانباً وأوزع اهتمامي على جنبات الأقصى الحبيب؛ ومن ثم أسرع الخطى إلى والدي لأعرض عليه صوري؛ كان يقيّم أفضلها وأقلها جودة؛ وبفضل تغذيته الراجعة طورت أدائي”.

 

 

ومع أن صالح لم يتجاوز العشرين ربيعاً إلا أنه أقام عدة معارض في عديدٍ من الدول؛ ففي عام 2012 أقام أول معرضٍ له في جامعة أبو ديس؛ ومن ثم شارك في معرض بالأردن مع ثلاثين مصورا من القدس؛ وبتركيا أثناء دراسته “صناعة الأفلام” افتتح معرضاً آخر؛ تلاه واحدٌ بدبي؛ وفقاً لقوله.

 

 

يتابع الحديث لــ”ميم”: “بفضل الله لاقت معارضي تفاعلاً من الزوار؛ كنت دائماً أحاول أن أتطرق لزوايا غير اعتيادية بعيداً عن التكرار و الروتين؛ عبر التقاط الزوايا الميتة بالأقصى التي لا يلتفت الناس إليها غالباً”.

يتحدث عن اعتقاله: “في أواخر عام 2016، اعتقلني الاحتلال الذي على ما يبدو استفزته صوري عن المسجد الأقصى والقدس على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الإنستغرام؛ قضيتُ أياماً صعبة في سجن ريمون والنقب؛ كان من الطبيعي لشاب مثلي قضى أجمل أيام عمره في رحاب الأقصى أن تكون وجهته الأولى بعد نيله حريته هذه البقعة الطاهرة؛ فيه كنت أحفظ القرآن وأشارك في فعالياته ودوراته”.

 

 

“لكن ماذا كان موقف عائلتك أمام إصرارك على الذهاب للأقصى؟”؛ تسبق ابتسامة صالح الإجابة: “حاول أهلي إقناعي بالعدول عن الفكرة خشية أن يعاود الاحتلال اعتقالي كوني أسير محرر حديث العهد؛ لكني صممّت على الخروج إليه؛ لم يكن يهمني شيء فقد مضت ثمانية أشهر حينها دون أن أدخله؛ رأيت مئات الناس مجتمعين؛ وأخذوا يباركون لي بالإفراج عند باب الأسباط؛ كان مشهداً مختلفاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ في اليوم الرابع أصبت بالرصاص المطاطي ونقلوني إلى المستشفى؛ وفي اليوم التالي عاودت النزول إلى الساحات وأيضاً تعرضت للإصابة؛ حاول أهلي أن يثنوني حتى لا أتعرض للاعتقال كما حدث مع العديد من الشباب؛ والحمد لله أني ثبتت على موقفي”.

 

 

تجاوزتُ الثغرة القانونية

وعن الفيلم الذي نشره مؤخراً، قال أنه حاول أن يوثق فيه كل شيء؛ لكن ثمة لقطات قوية لم تنشر؛ تفادياً لأي خطر من الممكن أن يُشكّل على أصحابها؛ حسب إفادته؛ ويضيف قائلاً: “أكثر ما استوقفني في هذه المشاهد شباب يُمرغون وجوههم بالتراب من شدة الشوق للأقصى؛ ذلك أن تاريخ “27 تموز” تجلى فيه نصر الله؛ حقاً لا أبالغ، من لم يعش التجربة لن يستشعر إحساس ما أتحدث عنه؛ أتذكر أنه في المساحة الواقعة ما بين “باب الحطة” و قبة الصخرة لم استطع أن أمسك الكاميرا من شدة هول المشهد؛ استلقيت لدقائق على الأرض وأخذت أتأمل المشهد بكل ما فيه؛ وتساءلت: “ماذا لو أننا لم ننتصر على قرار البوابات؛ حينها كانت ستنقلب المعادلة السياسية؛ في ذلك اليوم كانت صدمة المقدسيين لا تقل عن فرحتهم”.

 

 

وتأتي ابتسامة من أعماقه تتبعها زفرة ارتياح: “لا أستطيع أن أصف شعوري؛ كل الناس كانوا سعداء؛ لكن فرحتي أنا كانت فرحتين؛ حريتي وانتصار القدس، وهل هناك ما هو أجمل؟ لذا حاولت أن أعبر عن إحساسي عبر هذا الفيلم؛ فيه نرى كيف رابط الناس في الشوارع؛ والحق يقال أن مواقع التواصل كان لها فضل كبير فيما حدث إذ لم يتوقف البث المباشر؛ واسأل الله أن تصل رسالتنا إلى العالم”.

 

 

ويفصح أن أهم صعوبةٍ واجهته هي تخطي أي ثغرة قانونية موضحاً مقصده: “من تجربة السجن تعلمت أن أكون حذراً بشأن أي مادة سأنشرها؛ لذا عادةً ما أذهب للمحامي وأطلعه على كل التفاصيل بدقة متناهية؛ فأنا مهدد في حال نشري أي مواد يمكن أن يصنفها الاحتلال بالتحريضية؛ بأن اعتقل ثلاث سنوات”.

سألته: “كيف يمكن أن تحمل الصور قوة التحريض من وجهة نظر الاحتلال؟”؛ قال: “أخبروني أن صوري تحرض بشكل غير مباشر؛ دعيني أوضح أكثر؛ حسب رأيهم أني عندما أنشر فيديوهات للمرابطات مثلاً وهن يُضربن من جنود الاحتلال؛ فإنهم يدعون أن هذه المشاهد تستفز الشباب وبالتالي يقدمون على تنفيذ عمليات استشهادية”.

 

 

وعن أكثر الأماكن المفضلة في الأقصى لدى قلبه وكاميرته على حدٍ سواء؛ ضحك وقال: “بالطبع “البائكة الجنوبية” و”المرواني” والصخرة من الداخل”.

 

البائكة الجنوبية

 

ويؤكد صالح أن الشارع المقدسي لا يأبه بما قاله ترامب كما حدث أيام “هبّة الأسباط”؛ موضحاً: “أهل القدس “صاحيين”؛ لا يهمنا كل ما قاله هذا الرجل؛ قدسنا خط أحمر؛ وأكبر دليل ما حدث في هبة الأسباط”.

وحول طموحاته القادمة؛ يقول: “أدرس حالياً الشق الروائي في صناعة الأفلام؛ وصورت أكثر من ستة أفلام لا سيما عن الأسرى والمرابطات؛ والآن أصور فيلما لقصةٍ حقيقية لأسير؛ وأطمح إلى المشاركة بأعمالي في مهرجاناتٍ عالمية بإذن الله؛ وليس فقط عبر وسائل “الإعلام الاجتماعي”؛ فالقدس تستحق منا أن نبذل ما بوسعنا كي تجوب الآفاق”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد