دين وحياة

سورة الضحى .. اطمئن بها

بقلم: زينب البقري

 

“ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى”

 لم أدرك معانيها حقيقة إلا بعد فقد واصلت الحياة عقبه، ضللت الطريق فوجدت مسار الهداية، تقلبت في الرزق فوجدت الستر، لم أعد أؤمن بالطريق الواحد السليم الصحيح، صرت أقدر من تهدمت نفسه بالشك ليصل لليقين، أمقت من يرفضون المتقلب في حيرة صادقة فقط لأنهم لم يهدمهم الشك مرة.

وجدت أن للناس طاقة متفاوتة، فلم أبخس أحدا قدره، كل على الطريق ولن يصل إلا الصادق، فشغلت بنفسي أو حاولت.

الصدق كالحق؛ له مرارة لن يتحملها إلا بالصبر حتى ينال حلاوتها، ربما لن يجدها هنا، وربما يعتاد مرارة الحق، لا أدري فمازلت

زينب البقري

في طور تجرع مرارته المستساغة للنفس، ولأنها مرضية مطمئنة على أية حال.. للزيف حلاوة مؤقتة، ولكنه غربة عن الروح دائمة.

أدركت حين يكون الإيمان طقسًا وحينما يكون باب رجائك الأخير، قد تعتاد على ورد يومي أو أذكار الصباح والمساء لتحقق نبوءة المسلم الصحيح، ولكن تعتاد الطقس فيذهب عنك المعنى، وحينما يملؤك خوف وترقب ورجاء المضطر، تمر الكلمات على قلبك مرورا آخر، ألم تكن مناجاة يونس في بطن الحوت “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” غير دعائنا اليومي؟ حينما تغرق كيونس تدرك معنى آخر للإيمان ولكن القلب يجحد ويتقلب، إذا أصابه الخير منوعًا وإذا أصابه الشر جزوعًا.

 

كل مسار حياتك فقد وكسب يتوازيان ، فلا تعرف أين النجاة أو يقين الخير، تجبر نفسك مضطرا إلى التسليم وترك التدبير، والقلب بين التسليم والاستسلام يتقلب، وعقلك يتخبط وفكرك لا يهدأ.

 

ولكن حينما فقدت التكرار الاعتيادي مات شيء داخلي أيضًا، عرفت قدر سماع صوت الآذان واعتياد القرآن يتلى، تارة تنصت وتارة تغفل، ولكنه يخفف من جفاء قلبك.

لم تعد الحياة تهدينا أحكامًا عن الصواب والخطأ، أو سهولة التمييز بين الأبيض والأسود، مازال القلب يكابد في مساحته المختلطة، يتوه بين الخطوط الرمادية، والخيارات البينية، لم يعد لكل فعل كسب أو كل خيار صحيح.

 

كل مسار حياتك فقد وكسب يتوازيان ، فلا تعرف أين النجاة أو يقين الخير، تجبر نفسك مضطرا إلى التسليم وترك التدبير، والقلب بين التسليم والاستسلام يتقلب، وعقلك يتخبط وفكرك لا يهدأ.

أحَبّ لحظة مرت علي في العام الماضي لحظة الفجر في مكة وسط الحمائم وحيدة مطمئنة، وأحبب دكاكينها البعيدة الصغيرة، استبشرت بدكان داخلي باهت مكتوب عليه “زينب”، ما زلت افرح بهذه الأشياء.

أحب المغرب لجمالها الرباني الفطري، ذاك الجمال الهادئ المقرب إلى نفسي، فلا أحب تلك الأماكن المكتملة من كل شيء أرستقراطية الطابع الفخمة، وإن كانت ألوانها حلوة بهيجة، لأنها تصبح مملة مع التكرار، بينما البيت الخشبي البسيط ذو النافذة الواسعة ذات الخدوش، والرف عليه أقاصيص الزرع وستارة شفافة بيضاء مطرزة، في كل مرة تنظر إليه ستتذكر شيئا آخر، ربما ستذكر العصفور الذي مر هنا، والورد الذي ذبل والقطة التي نزعت شريطة الستان، أو نسمات الريح التي رفرفت فازددت حبا للنافذة، البساطة أكثر حياة.

 

هذا العام الذي مضى جاء فيه عمر، وفي رواية أخرى “سمعة”، أول أيام شهر رمضان، وكفى بها نعمة، لا اعرف كيف تشعر بكونكِ خالة، ولكني أحبه وأحب تأمل صوره المتغيرة وتكشيرة وجهه وعبوسه وتقطيب جبينه ثم ضحكاته التي يمن بها علينا أحيانًا، فصارت أيام  البعد أثقل؛ لأنه يكبر دون أن اراقبه.

زينب البقري

مدونة مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد