سياسة

سلوى الغزواني مديرة مكتب تونس لمنظمة المادة 19: على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها حتى لا تُعرّض الإعلام لعمليات البيع والشراء

الغزواني: الوضع الحقوقي في مصر خطير جدا وهو الأسوأ في تاريخ البلد

 اعتبرت سلوى الغزواني مديرة مكتب تونس لمنظمة “المادة 19″، ان حرية الإعلام والتعبير قد تواجهها بعض التهديدات في تونس رغم مناخ الحرية الذي يشهده الفضاء العام. ولاحظت الغزواني أن التعامل الإعلامي الأجنبي مع الاحتجاجات الأخيرة في تونس لم يكن موفقا، وكذلك رئيس الجمهورية لم يكن موفقا، بدوره، في تصريحه بخصوص تغطية وسائل الإعلام الأجنبية لهذه الأحداث.

وتطرق الحوار الذي أجرته محلة “ميم” مع سلوى الغزواني إلى جملة من المواضيع الحقوقية التي تهم تونس ودول عربية خاصة وأن مكتب المنظمة في تونس سيوسع نطاق نشاطه على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

تعيش تونس هذه الأيام على وقع الذكرى السابعة للثورة، كيف تقيمون وضع الحقوق والحريات؟

عندما نقارن بالفترة ما قبل الثورة وباستثناء فترات قصيرة شهدها تاريخ تونس بعد الاستقلال، نعتبر حاليا أن الفضاء العمومي حرّ ومفتوح، والأصوات المعارضة لازالت مسموعة. ليس لدينا محاكمات أو سجناء رأي، باستثناء بعض الحالات لنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي يحاكمون لأنهم أشادوا بالارهاب. فمنذ الثورة إلى الآن الفضاء مفتوح للحرية. كما أن الدستور كرس حرية التعبير والإعلام والحق في النفاذ للمعلومة، وهي تعتبر ضمانات لتوفير إطار قانوني تقدمي في علاقة بالمعايير الدولية، ضامن لحرية التعبير.

لكن هذا لا ينفي بعض التخوفات من أن حرية التعبير مهددة وغير مضمونة على المدى الطويل. فمشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة لتأسيس هيئة الاتصال السمعي البصري التي ستعوض الهايكا، لم يلق قبولا من كل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، وهو لا يزال محل خلاف مما عطل تأسيس هذه الهيئة الدستورية.

وفي جانب آخر هناك تخوّف على وضعية الإعلام العمومي بفعل تخلي الدولة عن دورها. فالمعادلة التي يجب تحقيقها بالنسبة إلى الإعلام العمومي والإعلام بصفة عامة، تتمثل في أن ضمان الاستقلالية لا يعني تخلي الدولة أو السلطة. فهي مطالبة بتركيز استراتيجية واضحة لدعم الإعلام دون التدخل في المضامين والمحتوى والخط التحريري، لأن دور الدولة مهم لاستمرارية المؤسسات الإعلامية وضمان استقلاليتها خاصة وأنه في تونس ليس لدينا سوقا إعلامية وإشهارية واسعة. وبالتالي فإن القطاع في حاجة إلى دعم الدولة حتى لا يكون عرضة للبيع والشراء.

على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها حتى لا تُعرّض الإعلام لعمليات البيع والشراء

 

هل يتحمل الإعلامي جزءًا من المسؤولية في عدم الحياد والاستقلالية؟

في تقديري هو الجزء الأقل تحمّلا للمسؤولية في ظل الظروف التي يعيشها الإعلاميون، نعتبر أن هناك أمورا أساسية لا بد من توفرها، وهي الإطار القانوني الضامن للحريات وتعهد الدولة بالتزاماتها بدعم قطاع الإعلام والاستثمار فيه، لأن الحق في الإعلام الحر الديمقراطي هو حق دستوري. وحتى يتم تكريسه لابد أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في تحسين وضعية الصحفيين لمنع تدخل قوى المال والسياسة. فهناك وضعيات هشة للكثير من الإعلاميين تجعلهم عرضة للتوجيه من قبل قوى المال والسياسة بسبب غياب عناصر المناعة.

في علاقة بالاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد وجه رئيس الجمهورية انتقادا إلى وسائل الإعلام الأجنبية، ألا يخلق هذا تخوفا من عودة طريقة تعامل السلطة مع الإعلام الأجنبي لما كانت عليه في النظام السابق؟

في تقديرنا نعتبر أن التغطية الإعلامية الأجنبية للأحداث الأخيرة لم تكن موفقة إلى حد ما، كان هناك شيء من التضخيم. لكن أن يعلن رئيس الجمهورية عن تقييمه لأداء الإعلام الأجنبي، فهذا أيضا اعتبره تصرفا لم يكن موفقا من رئيس الدولة، خاصة وأنه وجه رسالتين اعتبرهما سلبيتين: الأولى أنه شكر الإعلام الوطني والثانية هي نقد الإعلام الدولي.

اعتبر أنه حتى لو لم تكن تغطية الإعلام الأجنبي غير موفقة، ليس من مهام رئيس الجمهورية أن يتولى التقييم، لأنه بعث رسالة سلبية جدا. كذلك أن يشكر الإعلام الوطني ويبدي إعجابه بتغطيته للأحداث فهذا أيضا غير جيد، لأن الإعلام الذي يرضي السلطة، اعتبره لم يقم بدوره.

الإعلام الأجنبي ورئيس الجمهورية فشلوا في التعاطي مع الاحتجاجات الأخيرة، وتصريح الرئيس لم يكن موفقا 

 

الإعلام الوطني أيضا لم تكن تغطيته للاحتجاجات موفقة، لأنه اعتمد حملة تشويه للاحتجاجات والمحتجين، لم نشهدها منذ 2011. وساهم بطريقة كبيرة من خلال الأخبار والحوارات في خلق رأي عام في نفس التوجه الذي ذهبت إليه السلطة.

فقد لاحظنا من خلال الحوارات نوعا من التقزيم للمحتجين والمطالب والحق في الاحتجاج باعتباره حقا دستوريا. فليس من حق الإعلام أن يتدخل في الشعارات التي يرفعها المحتجون. ومن حق الإعلام ودوره أن يدين أعمال العنف والتخريب لكن ليس من دوره أن يحاسب المحتجين عن الشعارات التي تم رفعها أو المطالب التي احتجوا من أجلها.

عرف المشهد الإعلامي في تونس بعد الثورة لأول مرة هيكلا تعديليا وهي هيئة الاتصال السمعي البصري، كيف تقيمون أداءها في ظل الانتقادات الموجهة إليها من طرف بعض الإعلاميين وأصحاب المؤسسات الإعلامية؟

بعد 2011 وقبل تأسيس الهايكا في 2013 شهدنا طفرة من المؤسسات الإعلامية غير القانونية، ولو استمر الوضع بتلك الطريقة سيكون كارثيا.

لكن رغم الصعوبات التي واجهت هذه المؤسسة، فإن أداءها محترم وناجح إلى حد كبير. لكنّ الدولة لم تلتزم بدورها، فبعد 4 سنوات من تأسيسها لم تتم المصادقة على القانون الأساسي للأعوان. كما أن الهيئة تتعرض لحملة تشويه ممنهجة ليس ضد قراراتها وإنما ضد الأشخاص العاملين فيها إضافة إلى المطالب “الاعتباطية” لحلها من قبل بعض المؤسسات الإعلامية.

لكن تجربة الهايكا هي تجربة يحتذى بها بشهادة المنظمات الدولية، فهي عضو في شبكات عالمية عديدة لتعديل الإعلام، وهي نائب رئيس في شبكات التعديل الفرانكفونية. ورغم أن تجربة هذه المؤسسة التونسية حديثة لكنها بقيت على نفس المسافة نسبيا من الأحزاب والمؤسسات الإعلامية. ولولا الهايكا لكان الوضع أسوأ بكثير. لكن هذا لا ينفي بعض النقائص.

التصويت المفيد vote utile لا يلعب دورا ايجابيا في الديمقراطية ، والأحزاب الاستبدادية وغير الديمقراطية هي التي تخلق عدوا واحدا

 تونس مقبلة على أول انتخابات بلدية، هل ترون أن الإعلام الوطني قادر على تعديل ذاته وضمان حيادته خلال تغطية هذا الحدث الهام لمستقبل التونسيين؟

من خلال التجارب الانتخابية، خاصة انتخابات 2014، كان هناك دور سلبي نوعا ما للإعلام، لأنه ساهم في توجيه الرأي العام بأن هذه الانتخابات هي فقط بين طرفين أو شقين رغم أن الاختيارات كانت متعددة. التصويت المفيد vote utile لا يلعب دورا إيجابيا في الديمقراطية، والأحزاب الاستبدادية وغير الديمقراطية هي التي تخلق عدوا واحدا، ولا تعتبر باقي الخيارات منافسة لها، فهي تريد أن تقارن بينها وبين منافس فقط قصد توجيه الرأي العام وتقليص اختياراته. وللأسف الشديد فإن الإعلام لعب دورا في هذا، حتى لو لم يكن عن سوء نية أو عن وعي مسبق بالانخراط في هذا التوجه أو الاصطفاف وراء طرف معين.

الانتخابات البلدية المقبلة ستكون محطة انتخابية مهمة جدا لتكريس الفصل السابع من الدستور، وهناك نوع من التخوف خاصة في ظل الوضع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تونس. وفي ظل الوضع الذي يعيشه الإعلام هناك خشية من أن يتم التلاعب بنتائج الانتخابات ليس في صناديق الاقتراع وإنما قبل الانتخابات، من خلال توجيه الناخبين خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية المحلية، في ظل غياب هيكل رقابي للأداء الإعلامي خلال الانتخابات والتزامه بالحياد، باعتبار أن مجلس الصحافة لم يتم تفعيله بالطريقة المطلوبة، إلى حد الآن.

ونحن كمنظمة مدنية تهتم بحرية الإعلام سنتولى تنظيم دورات تدريبية لفائدة الصحفيين في الجهات باعتبار أن هذه الانتخابات هي محلية، وبالتالي فإن الإعلام الجهوي والمحلي سيلعب دورا مهما فيها. وتتضمن هذه الدورات تكوينا في مجال النفاذ إلى المعلومات في فترة الانتخابات وخلق نقاش عمومي يخدم الديمقراطية خلال فترة الانتخابات من خلال التعامل مع كل الأطراف السياسية بنفس الدرجة من الحياد.

رغم الإطار القانوني الجيد ومناخ حرية الرأي والتعبير في تونس حاليا إلا أننا شهدنا محاكمات عسكرية لإعلاميين ومدونين..

الدولة لم تعلن إلى الآن عن خياراتها بوضوح في التعامل مع حرية الرأي والتعبير، ومن محاكمة الإعلاميين والمدونين. وهنا أتحدث تحديدا عن القضايا التي يكون الإعلامي طرفا فيها وعرض على المحاكم العسكرية. هذا الأمر نعتبره غير مقبول ولو أنه لم يحدث سوى في حالتين، لكن هذا لا يمنع عدم تكراره. خاصة وأن تونس رفضت توصية من مجلس حقوق الإنسان بعدم محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. ونحن نعتبر أن المحاكم العسكرية لا تستجيب لشروط المحاكمة العادلة.

وضع حقوق الإنسان وحرية التعبير في مصر خطير جدا وحالة اليأس  والاحباط قد تنفجر في أي لحظة

 

من المنتظر أن يتم تركيز مكتب إقليمي لمنظمة الفصل 19 يهم شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ماهي الملفات والبلدان التي سيتم التركيز عليها في مجال حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير؟

في مرحلة أولى المكتب الاقليمي سيهُم 4 بلدان إلى جانب تونس، وهي مصر والمغرب والبحرين ولبنان. سنحاول إلى جانب الشراكة مع المجتمع المدني أن نكون على تواصل حتى مع السلطات في هذه البلدان من أجل الارتقاء بحرية التعبير في المنطقة. فنحن لسنا في صدام مع أي طرف بل بالعكس نحاول أن نبني شراكات مثمرة مع كل الأطراف حتى تكون حرية التعبير في خدمة رفاه الإنسان.

من أهم الدول التي ستكون ضمن مجال تدخلهم هي مصر ، كيف تقيمون الوضع فيها؟

تعيش أوضاع حقوق الإنسان في مصر حاليا في أسوأ حالاتها. لا أحد يملك الإحصائيات الدقيقة عن عدد الصحفيين والنشطاء وسجناء الرأي وراء القضبان أو المختفين قسريا، إضافة إلى غلق عدد مهول من وسائل الإعلام وحجب المواقع الالكترونية للمنظمات الحقوقية، دون أي حكم قضائي.

ومن خلال تواصلنا مع حقوقيين مصريين فإن الوضع الحقوقي في ظل النظام الحالي خطير جدا والأسوأ في تاريخ مصر. ورغم التسويق الاعلامي بحالة الرضا للشعب المصري عن السلطة إلا أن هناك جزء كبير من المصريين ذاقوا ذرعا، وهناك حالة من اليأس والإحباط، وهو وضع قابل للانفجار في أي لحظة.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد